قضت المحكمة الابتدائية بتاونات أخيرا، بإدانة ثلاثة أشخاص، أحدهم غيابيا، بعشرة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية لكل منهم، بتهمة النصب والاحتيال والسرقة بدعوى إخراج كنز وهمي.
وخلال إجراءات التحقيق، تبين أن المتهمين، الذين زعموا أنهم "فقهاء" وأحدهم "عشاب"، متخصصون في هذا النوع من الاحتيال عن طريق إيهام ضحاياهم بالقدرة على استخراج الكنوز.
كان محمد يتجول صباح ذلك اليوم البارد بأحد الأسواق القروية، قصد قضاء بعض مآربه الخاصة، وفي تلك الأثناء، لاحت له خيمة مؤثثة بمختلف أنواع الأعشاب والأدوية التقليدية.
وبما أن الرجل يعاني من مرض مزمن في الجهاز الهضمي، دفعه فضوله إلى الاقتراب من العشاب واستفساره إن كان بين أعشابه ما هو مناسب لعلاج مرضه، بعد أن عجزت مختلف الوصفات الطبية عن علاجه.
ظل العشاب يستمع بإمعان لكلام محمد، ويطمئنه بإعطائه وصفة فعالة، وعلى إثر ذلك كسب ود هذا الزبون الباحث عن شفاء ما بين أعشابه، فاستطاع بعد لحظات قليلة أن ينخرط معه في نقاش خصوصي، يتعلق بالبحث عن الكنوز المدفونة في الأماكن المهجورة، قبل أن يطلع العشاب زبونه على براعته في مجال التنقيب عن الكنوز وصرع الجن وإبطال السحر، وهو الأمر الذي أبهر محمد وأفصح له في تلك الأثناء عن احتمال وجود كنز بمنزله.
سارع "العشاب" إلى تحديد موعد للقاء محمد، على أساس أن يرافقه "فقهاء" مهرة مختصون في استخراج الكنوز، وهو ما حصل بالفعل، فبعد أربعة أيام حل "العشاب" على متن سيارة فاخرة بيضاء اللون رفقة ثلاثة أشخاص، زعم أنهم من "حفظة القرآن"، بمنزل محمد، مصطحبين معهم طفلا في ربيعه الخامس عشر زعموا أنه "زوهري" يسهل عملية البحث عن الكنز. ومباشرة بعد حلولهم بالمنزل أكرمهم صاحبه على عادة أهل المنطقة، وبقي الجميع في حديث مسترسل وطويل حول طريقة استخراج الكنز، إلى ساعة متأخرة من الليل.
كانت الأجواء شبه عادية قبل أن يسقط الطفل المرافق لهم أرضا فاقدا وعيه، فبادر أحدهم بالحديث عن كونه "زوهريا" ربما مات لسبب من الأسباب. ومن هنا انطلقت عملية اللعب على الحبال التي أوقعت في آخر المطاف صاحب المنزل.
في البداية زعم "الفقهاء" أن الطفل اغتاله جني وهو المكلف بمفاتيح الكنز، ما جعلهم يفرضون على صاحب المنزل دفع مبلغ مالي قدره 160 ألف درهم.
فتطورت الأمور واستعمل المتهم الرئيسي العشاب (ز.م) كل الوسائل للحصول على هذا المبلغ.
حكى الرجل أمر هذا المبلغ لزوجته وأمها اللتين مكنتاه على الفور من مبلغ 57 ألف درهم كان بحوزتهما، عن طيب خاطرهما خوفا من تطور ظروف استخراج الكنز إلى الأسوأ.
وفي حدود الساعة الثانية صباحا، شرع الأشخاص الغرباء في تلاوة بعض الطلاسيم المرافقة لرائحة البخور حولت المكان إلى شبه "زاوية" على إيقاع أصوات غريبة.
فاجأ "الفقهاء" صاحب المنزل بإناءين فخاريين وخابيتين صغيرتي الحجم، زعموا أن بها الكنز الذي استخرجوه دون حفر طالما أنها "طلبات ملك الجن"، حينها طمأن (م.ز) صاحب المنزل بكون حصته من الكنز مضمونة وسيعملون على تمكينه منها فور عودتهم من إفراغ محتوى الأواني الخزفية التي عثروا عليها في قلب منزله، بعيدا عن ذلك الموقع، وبعد لحظات قليلة انصرفوا جميعا إلى حال سبيلهم، حاملين معهم الطفل الذي زعموا وفاته للتخلص من جثته التي لفوها بغطاء سلمته لهم زوجة الضحية.
انتابت شكوك قوية صاحب المنزل وباقي أفراد أسرته، الذين لم يكونوا قادرين على رفض أي طلب للزوار الباحثين عن "الكنز"، قبل أن يستفيقوا جميعا في اليوم الموالي على وقع مصيدة نصب واحتيال نصبت لهم بإحكام بدافع الطمع وراء كنز وهمي.
ازداد حنق محمد وقرر في قرارة نفسه الانتقام والثأر، وقبل أن يرتكب أي حماقة صارح صديقه (ع.ف)، الذي أعرب له عن شكوكه في نوايا الأشخاص، الذين نفذوا عملية النصب والذين ربما يشكلون عصابة إجرامية متخصصة في السرقة بدافع استخراج الكنوز، حينها تأكد لمحمد أنه قد لا يكون الوحيد الذي تعرض للنصب بهذه الطريقة، فباشر محمد رفقة صديقه موضوع التحري في الموضوع، قبل أن يتوصلا إلى هوية أحد "الفقهاء" الذين رافقوا المتهم الرئيسي تلك الليلة، وكلهم يقيمون بمدينة فاس، وبعد رصد تحركات "الفقيه" المزعوم، كان لابد من إخبار مصالح الدرك بالواقعة، وهو مادفع إلى فتح تحقيق في الموضوع.
بتنسيق مع الضحية، جرى اعتقال بعض المتهمين، وهم بصدد الإعداد لتنفيذ عملية أخرى، في الوقت الذي بقي فيه المتهم الرئيسي والطفل "الزوهري" في حالة فرار، وأثناء الاستماع إلى المتهمين من طرف عناصر الضابطة القضائية، اعترفوا بالمنسوب إليهم، وسردوا تفاصيل جرائمهم، وبعد التحقيق التفصيلي معهم جرت إدانتهم حضوريا، والشخص الفار غيابيا، بعشرة أشهر حبسا نافذا بتهمة النصب والاحتيال والسرقة بدعوى إخراج كنز وهمي.