ظلت علاقة الحاج ومصطفى تتأرجح بين مد وجزر لسنوات، قبل أن يجري الحسم فيها عقب ليلة ماجنة، لعبت الخمرة برأسيهما، فنشب بينهما خلاف بسيط سرعان ما تطور إلى مشاداة كلامية، فعراك استنجد فيه الحاج بساطور، ولم يترك معه أملا لصديقه في الحياة.
التأم شمل سكان دوار "الحروشة" بنواحي إقليم الجديدة، في حفل زفاف أقامه أحد الجيران، وكان من بين الحاضرين شابان لا تستقر علاقتهما على حال، فتارة تجمعهما صداقة حميمية وتارة أخرى تفرق بينهما عداوة خفية لا يعلم أسبابها غيرهما. جلسا جنبا إلى جنب لمواصلة رحلة الشرب التي بدأها كل منهما في منأى عن الآخر، فظلا يحقنان عروقهما بالنبيذ حتى إذا ما انتهى الحفل وانفض الجمع غشيت عقليهما الظلمات.
أوشكت تباشير الصبح تلوح في الأفق، فقصد المدعوون منازلهم بعد ليلة ساهرة، بينما انزوى النديمان إلى جذع شجرة قريبة علهما يلتقطان أنفاسهما، التي أضحت خافتة من فرط الشرب، لا سيما بعد أن أخفقت رجلاهما في حملهما نحو منزليهما شأن بقية السكان.
بدا الشابان على درجة كبيرة من الثمالة، بيد أن ذلك لم يحد من رغبة مصطفى في مداعبة المزيد من كؤوس النبيذ، ما دفعه إلى مطالبة الحاج بتزويده بكمية من الماحيا، التي دأب على تصنيعها وبيعها لعدد من السكارى، إلا أن هذا الأخير رفض ذلك لينشب بينهما خلاف تبادلا فيه شتى أصناف السب والشتم، إذ تحولا في لمح البصر من نديمين ألفت بينهما قنينة خمر إلى غريمين لم يعد أحدهما يطيق النظر في وجه الآخر.
بعدما أشفى كل منهما غليله في الآخر، انسحب مصطفى في صمت وهو يتمايل من شدة السكر حتى توارى طيفه عن أنظار الحاج وبعض الحاضرين، الذين ظنوا أن خلاف المخمورين توقف في أولى جولاته، وما هي إلا بضع دقائق حتى لاح لهم مصطفى من جديد عائدا أدراجه نحوهم بخطى متثاقلة، جلس أرضا واستل من بين تلابيبه قنينة "ماحيا" وصرخ في وجه غريمه "إلى ما بغيتيش تبيع ليا الماحيا هانا جبتها من جيها أخرى، وما عندي ما ندير بديالك".
استشاط الحاج غضبا من سلوك مصطفى، ودون أن يكظم غيظه شرع يوجه له اللوم والعتاب، ما حذا بهما إلى الدخول في معركة ثانية كان للكمات فيها وقع أكبر من ذي قبل، إذ كال كل منهما للآخر من السب والشتم ما يحز في النفس.
ليغادر الحاج ساحة المعركة وشرارة الغضب تتطاير من عينيه، توجه إلى منزله واستسلم لشيطان أفكاره، الذي أخذ يوحي له بخطط شريرة من شأنه أن يعتمدها في تلقين مصطفى الدرس الذي لن ينساه، إذ ما إن ولج المنزل حتى تسلح بساطور، وراح يبحث عنه وكله أمل في أن يحسم المعركة هذه المرة لصالحه، فوجده بالمكان ذاته رفقة اثنين من سكان الدوار، فدنا منهم متعمدا إخفاء السلاح الذي كان يحمله خلف ظهره، توجه صوب مصطفى الذي قاده حدسه إلى أن خطرا ما قادم في اتجاهه، غير أن مفعول الخمرة الذي دب في شرايينه دفعه إلى ركوب مغامرة التحدي، حين وضع رأسه رهن إشارته وخاطبه "واش بغيتي تضربني، هاراسي ضرب" قبل أن يحس بشيء ينزل على رقبته بقوة، لم يترك له الوقت لاستيعاب ما حدث ولا العقل لفهمه، وهوى جسده بكل ثقله على الأرض محدثا صوتا أثار فزع الواقفين، اللذين تدخلا لثني الحاج عن تسديد المزيد من الضربات لغريمه
إلا أن بطشه وجبروته جعلاه أكثر إصرارا على ذلك، لاسيما بعد أن هددهما بسوء العاقبة إن دنا منه أي منهما.
انسابت الدماء من رأس مصطفى ما أثار هلع الحاج الذي أطلق ساقيه كي تسابق الريح في اتجاه المجهول، تاركا بذلك الشاهدين اللذين تابعا أطوار الاعتداء في حيرة من أمرهما، إذ نهش الخوف قلبيهما وتشتتت أفكارهما قبل أن تلتئم من جديد ويقررا الاتصال بشقيق مصطفى قصد إبلاغه بما وقع كي يشعر مركز الدرك، وسيارة الإسعاف لنقل الضحية إلى المستشفى عل التدخلات الطبية تسعف أنفاسه الخافتة.
انتقلت دورية رجال الدرك إلى مسرح الجريمة لتجد مصطفى سابحا في بركة من الدماء محاطا بجيش من الفضوليين، ثم نقل مصطفى إلى المستشفى، وجرى الاستماع إلى القريبين، اللذين شاهدا الواقعة فحكيا تفاصيلها لرجال الدرك الذين ألقوا القبض على المتهم والذي جرت إحالته على محكمة الاستئناف بالجديدة، التي قررت إدانته بـ 25 سنة سجنا نافذا بعد مؤاخذته بجناية الضرب والجرح بالسلاح، المؤدي إلى الموت دون نية إحداثه، إضافة إلى جنحة الاتجار في ماء الحياة.