الأم لولدها بقاعة المحكمة

‘كول للقاضي ما عمرني ما نعاود

السبت 09 ماي 2009 - 08:27

شكل رفع الجلسة بالقاعة 4 بالمحكمة الابتدائية، القسم الجنحي لمدة خمس عشرة دقيقة، إثر تدخل محام كان ينتظر الشروع في النظر في الملفات المبرمجة في إطار جلسات القضاء الفردي، مناسبة للتواصل بين المتهمين المتابعين في حالة اعتقال وبين أفراد أسرهم.

في الصف الثاني، الذي يلي المنصة المخصصة للدفاع، جلست امرأة في ركنه المحاذي للممر المؤدي نحو منصة القضاء، كانت ترتدي جلبابا تداخلت ألوانه الداكنة، إلى درجة يصعب على المرء وصف لونه، واضعة على رأسها منديلا أسود، وتتوسل بنظارات طبية سميكة لتصحيح بصرها.

اقترب يوسف، كما نادته أمه من الحاجز الخشبي الذي يفصل المعتقلين عن باقي الحاضرين بالقاعة، وشرع يستمع إلى نصائح والدته التي كررت جملها عدة مرات، علها ترسخ في ذهن المتهم، ويكررها بدوره عند مثوله أمام القاضي.

"كول ليه ما عمرني ما نعاود… راني سكرت أول مرة…" نصيحة ظنتها الأم كافية لتقنع القاضي بالتعاطف مع ابنها، وتفهم الظروف المحيطة بالجنحة المنسوبة إليه.

كان يوسف متابعا بتهمة الاعتداء على قاصرة وتهديدها، وهي فتاة تتمتع بقدر لا بأس به من الجمال، صففت شعرها الأسود بتسريحة تقليدية بسيطة، وزينته بوشاح ذهبي اللون وضعته على الجانب الأيمن من رأسها، وارتدت تنورة وقميصا ملائمين لبعضهما البعض، ووضعت في رجليها صندلا عالي الكعب. قدمت الفتاة إلى المحكمة رفقة أبويها وقد حملت بين يديها وثيقة تتنازل أمها بموجبها عن الشكاية التي سبق أن تقدمت بها إلى الشرطة، بعد اعتداء ابن الحي الذي تقطن به على ابنتها، كانت المدة التي استغرقها رفع الجلسة كافية لوالدة يوسف كي تنصحه أكبر قدر من النصائح يتسلح بها في مواجهة القاضي، "كول ليه هادي راها بنت جيرانا... وراني كنت سكران... وغلطت وضربتها... وقول ليه راني ما غاديش نعاود".

أصغى يوسف لنصائح أمه بإمعان، ثم وضع يديه فوق رأسه وشرع ينظر إلى الأرض بعدما انهارت من عينيه دموع، تعبيرا عن ندمه على ما اقترفه في حق ابنة الجيران، وهو ما أودع بسببه بالمركب السجني عكاشة.

لم تتوقف نصائح الأم لابنها عند ذكر التبرير وطلب الصفح، والالتزام بعدم تكرار ما ارتكبه تحت تأثير الخمر، وإنما نصحته كذلك بعدم الحديث عن عطالته، وأن يدعي أنه عامل : "إلا كال ليك أش تدير... كول ليه خدام في النجارة ... ما تقولوش ما خدامش..."، لقد فطنت الأم إلى أن جواب ابنها أمام القاضي أنه لا يعمل، قد يعتبره القاضي سببا في انحرافه.

انعقدت الجلسة من جديد وعند حدود الرابعة، إذ نودي على يوسف المتهم بالاعتداء على ابنة الجيران، بحيث مثل أمام القاضي، ووقفت والدة المشتكية والضحية إلى يمينه، لم تستطع الأم أن تصبر فهرولت إلى المنصة تتغيا مساعدة ابنها في محنته، وتعضده أثناء وقوفه بمنصة الاتهام، سألها القاضي عن سبب وقوفها أمامه، فأجابته بأن الماثل أمامه ولدها، فأجابها متهكما، بعد أن أمرها بالرجوع إلى مكانها، أن تحضر عمته وخالته كذلك، عادت والدة يوسف إلى مكانها تجر أذيال الخيبة لضياع فرصة دفاعها عن فلذة كبدها، إلا أنها لم تستطع الصبر ولم تستسلم للصمت كما أمرها القاضي بذلك، وحاولت الرد على سؤال وجهه القاضي لابنها من مكان جلوسها، الأمر الذي انتبه له رجال الأمن بالقاعة الذين أمروها إما بالصمت أو مغادرة القاعة.

في حدود الساعة الرابعة والربع، نادى القاضي على متهمين في ملف قضية أخرى معروضة أمامه، فتقدم رجل تجاوز الخمسين من عمره ببعض السنوات باتجاه المنصة، كانت هيئته والملابس التي يرتدي تشي بأنه مر من وضع صعب وظروف غير عادية.

وقف منتصب القامة واضعا يديه خلف ظهره، في وضع يحرص رجال الشرطة الساهرون على الأمن والنظام داخل قاعات المحكمة على أن يلتزم به كل ماثل أمام منصة رئاسة الجلسة، وكانت نظرة بسيطة إلى الجموع التي حضرت الجلسة، باتجاه الجانب الأيمن من القاعة تجعلهم يدركون أنه أكبر المتهمين سنا، غطت أجزاء مهمة من رأسه، بضمادات تحول بياضها إلى لون أحمر داكن، بعدما طبعت عليها دماء نزفت من رأسه، وكان مايزال يرتدي معطفا رماديا ملطخا بالدماء، تحته بذلة يبدو من خلالها كأنه خرج على التو من عراك عنيف.

سأله القاضي عن اسمه، في إجراء روتيني للتأكد من أن الماثل أمامه هو الشخص المعني بالملف المعروض عليه، فتأكد من هويته، فأعاد سؤاله من جديد إن كان يرغب في توكيل محام للدفاع عنه؟ أم أنه سيكتفي بالدفاع عن نفسه؟ دون حاجة إلى من ينوب عنه في الدفاع عليه أمام القاضي.

كان جوابه هذه المرة غريبا، إلا أن بعض الحاضرين رأوا في إجابته نوعا من الدهاء والذكاء.

"نتا هو المحامي ديالي وانتا اللي غادي تدافع عليا... راني مظلوم"، هكذا أجاب المتهم القاضي عن سؤاله.


قلب القاضي أوراق ملفه، ثم أجابه برد قطعي، بعد أن تأكد أنه متابع بالسكر والضرب والجرح "أنا لا أدافع عن السكارى"، قالها القاضي بحزم، جوابا عن مقترح غير عاد لمتهم ظهر من خلال إجابته أنه في حالة العود أمام المحكمة، بعد أن أدين في ملفات سابقة.

ظل المتهم ينكر المنسوب إليه، وظل صامدا في وقوفه دون أن تظهر عليه علامات الخوف أو الرهبة، وكأنه يعرف أنه مدان، سلفا تبعا لما أقدم عليه.




تابعونا على فيسبوك