ستبقى ذاكرة سكان بلدية عين حرودة تجتر، على مدار الأيام، قصة مقتل شخص في العقد الرابع من عمره، بإقامة ناساديهي ببلدية عين حرودة بعمالة المحمدية، خصوصا أن الضحية عاش بينهم وتقاسم معهم أوجه مختلفة من حياتهم اليومية
إذ كان مفعما بالنشاط والحيوية، وكان يتجنب دائما أن يكون طرفا في المشاحنات اللفظية الحادة أو النزاعات المفضية إلى تبادل الضرب والجرح، لكن القدر المحتوم نسج خيوط وقائع جريمة قتل استنكرها العديد من سكان عين حرودة، ورسم بدقة معالم زمان ومكان محددين، واختار شابا لتنفيذ تفاصيل القصة المأساوية، التي وقعت أخيرا.
كان للمتهم الرئيسي علاقة صداقة مع الضحية تعود لسنوات، إذ تقدم في أحد الأيام رفقة ثلاثة من أصدقائه إلى العمارة التي يقطن بها الضحية، وهاتفه طالبا من هذا الأخير النزول وفتح له الباب، وفي الوقت الذي ولج القاتل الشقة التي توجد في الطابق الثاني، مكث الآخرون بالقرب من شجرة توجد بجوار الإقامة، وبمجرد شروع الضحية في تناول وجبة العشاء، باغته القاتل بضربة سكين على مستوى البطن، وقام بتكبيله من اليدين والرجلين، وكمم فمه بواسطة قطعة من قماش، واستولى على مبالغ مالية كانت بحوزة الضحية، وحين الانتهاء من جريمته، حاول مغادرة العمارة فاكتشف أن بابها مغلق.
وأمام حالة التخدير والارتباك التي كان يوجد عليها، لم يتمكن من الاهتداء إلى المفاتيح ما جعله يقفز من إحدى نوافذ شقة الضحية ليصاب بكسر في رجليه، الأمر الذي دفعه للاستغاثة بأصدقائه، الذين حملوه إلى المستشفى لتلقي العلاج، وكان الهدف الذي دفع المتهم لارتكاب جريمته هي تلك المعلومات التي توصل بها من أصدقائه، والتي تفيد أن الضحية يتوفر على مبالغ مالية مهمة. وبعد تنفيذه للمهمة بنجاح، فر المتهم وجرى اكتشاف الجثة من خلال تسرب الروائح الكريهة الصادرة من الشقة.
ومن خلال المعاينة الأولية التي قام بها رجال الدرك، اتضح أن تاريخ مقتل الضحية يعود لحوالي ثلاثة أيام، من تاريخ العثور على الجثة، لتنطلق حملة من الاستنطاقات والاعتقالات في صفوف كل من له صلة قرابة أو عداوة مع الضحية، خصوصا أن الأخير كان مثلي الجنس، وشملت التحقيقات كذلك مختلف المكالمات الواردة أو الصادرة عن هاتف الضحية، إذ تمكن المركز القضائي عبر هذه الطريقة من تحديد هوية مجموعة من الأشخاص، وتمكن من التوصل إلى المتهم الرئيسي الذي أرشد المحققين إلى باقي شركائه في الجريمة، الذين يتحدر ثلاثة منهم من مدينة المحمدية، أما الرابع فيقطن بمنطقة بني يخلف.
في حدود العاشرة والنصف صباحا، بدا الحي المعروف بهدوئه يشهد توافد مجموعة من سيارات رجال الدرك الملكي، على رأسهم قائد سرية المحمدية ونائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالمحمدية، ليشرع رجال الدرك في إحاطة المواقع المحاذية للشقة بشريط لمنع تجاوزه من طرف العموم، فيما كانت سيارة تابعة للدرك الملكي من نوع "تويوتا" تقل على متنها المتهمين الأربعة، من ضمنهم شخص يضع جبيرة في رجله اليمنى ويعتمد في السير على عكازين، سيتضح لاحقا أنه مرتكب الجريمة، وأن سبب وضعه للجبيرة ناجم عن سقوطه من شقة القتيل بالطابق الثاني حين قفز من النافذة بعد أن تعذر عليه فتح الباب الذي كان مغلقا حين تنفيذ جريمته.
كان موقع الجريمة يعج بمجموعة من أعوان السلطة بعمالة المحمدية، من بينهم رئيس الدائرة بالمحمدية وخليفة باشا عين حرودة ومقدمون وشيوخ وعنصر تابع لمصلحة الاستعلامات الخاصة، وبمجرد استكمال كافة الإجراءات المتعلقة بإعادة تشخيص وقائع الجريمة، التي تطوع فيها شخصان من سكان عين حرودة أحدهم مثل دور الضحية، والثاني جسد دور القاتل كون هذا الأخير كان يعاني صعوبات في المشي، إذ كان مسنودا من طرف بعض الدركيين عند ترجله من سيارة الدرك للدخول أو الخروج من الشقة.
كان الانشراح باديا على وجوه رجال الدرك الملكي، بعد تمكنهم من تحديد هوية القاتل وشركائه، واتضح ذلك جليا من خلال بعض المستملحات، التي كان يوجهها رجال الدرك للشخص الذي جسد دور الضحية، خصوصا أن الهالك كان معروفا بشذوذه الجنسي، فيما كان بعض رجال الدرك الملكي يدردشون مع المعتقلين بداخل السيارة، من بينهم أحد المتهمين، الذي كانت الابتسامة بادية على محياه، أما باقي زملائه فكان بعضهم غارقا في التفكير فيما كان أحدهم يضع رأسه بين أيديه وعلامة الندم بادية على محياه.
بعد التعرف على هوية المتهم، أفاد سكان الحي أن هذا الأخير عرف بعدوانيته وبطشه الشديد داخل أسرته ووسط الحي الذي نشأ فيه، وبسبب هذا الانحراف أدين بعقوبات سجنية عديدة من أجل تهم مختلفة، فقد عشق السجن ولم يكن يغادره حتى يتعمد اقتراف جريمة أخرى ليعود إليه، لكنه هذه المرة سيعود إليه للمرة الأخيرة، بعد أن أدين بالمؤبد من أجل القتل العمد في حق الضحية، إذ لم يكن السجن، حسب بعض سكان الحي، عالما غريبا بالنسبة لـ"ع س"، فقد تعرف عليه حين كان مراهقا، ثم تقوت علاقته به بعد ذلك، ولم تستطع الأسرة، ولا المدرسة، ولا العقوبات السجنية المتكررة، النيل من علاقته الوثيقة بالانحراف، ولا تقويم سلوكاته الشاذة والحد من رعونته.