القاضي لمتهمة بالابتزاز : واش هو أستاذ جامعي وغادي يديها فيك نتي

السبت 25 أبريل 2009 - 15:57

انطلقت الجلسة عندما اقتربت عقارب الساعة من الواحدة وخمس وعشرين دقيقة، محكمة، صرخة مدوية أطلقها العون، فأطل القاضي بشارب كث ووجه حليق، تبعه المستشاران وممثل النيابة العامة، وكان كاتب الضبط آخر الوالجين.

غصت القاعة بالمتتبعين لأطوار المحاكمات، واختلفت تقاسيم الملامح، شباب لم تفارقهم الابتسامة، لم يكن أحد يعلم سبب وجودهم بالقاعة رقم 8، وآخرون وقفوا مشدوهين وعلامات الحسرة والأسف ترتسم على وجوههم.

بدأ المتهمون المعتقلون يلجون تباعا إلى القاعة، استوطنوا مقاعد القسم الأيسر المقابل لرئاسة الجلسة، الذي حشروا به تمييزا لهم عن المتابعين في حالة سراح.

كانت إحدى الجالسات ترتدي جلبابا برتقاليا وتضع منديلا من اللون نفسه، إلا أن تفاصيل محاكمتها لم تكن برتقالية.

تجاوزت العقد الثالث من العمر، إلا أن من يراها لأول وهلة يعتقد أنها بالكاد تعد السنوات الأولى من بعد العشرين، نحيفة الجسم، بيضاء البشرة، خصلات الشعر البادية من تحت منديل رأسها تدل على أن شعرها أسود ناعم، وقفت منحنية الرأس أمام منصة المحكمة، ترد في استحياء على أسئلة صارمة ومحددة كانت تنبعث من فم القاضي كالسهام، لأن إطلاعه على تفاصيل ملفها، وإلمامه بالجنحة التي أوقفت من أجلها أمامه جعله يدرك فداحة ما كانت تقترفه من جرم في حق ضحاياها المفترضين.

كانت الأنثى الوحيدة بين عشرات الذكور، شيبا وشبابا، قلب القاضي ملفها ونادى باسمها فهرولت في مشيها صوب منصة الهيئة، سرد القاضي على مسامعها صك اتهامها.
وفاء متهمة بالابتزاز والتهديد بآلة حادة والفساد.

في أحد مساءات الشهر المنصرم، عندما كانت تسارع الخطو في شارع محمد الخامس بعاصمة الاقتصاد، أبصرت سيارة توقف صاحبها لتنظيف زجاجها الأمامي، كان الضباب كثيفا يلف المدينة، فاضطر الأستاذ الجامعي للتوقف بعد أن استحالت الرؤية لديه من داخل السيارة، لم ينتبه إلا وسيدة تفتح باب السيارة وتجلس بالمقعد الجانبي له.

آش بغيتي ؟ قالها الأستاذ بنرفزة عندما أبصر جليسا لم يستدعه ولم يرغب في التودد إليه، "دور معايا وننزل" ردت وفاء.

حاول الأستاذ المقاومة وإبداء التعنث في الاستجابة للطلب، إلا أنه أدرك أن وفاء ليست من طينة من تخشى أو تهاب شيئا. أخرج حافظة نقوده سلمها تسعمائة درهم، لكن وفاء التي أبصرت البطاقة الإلكترونية لحسابه البنكي، طالبت بالمزيد وهددته بإحداث عاهة بوجهه إن لم يرضخ لطلبها، بعد أن استلت شفرة حلاقة كانت تضعها بفمها.


أدار الأستاذ محرك السيارة بحثا عن أقرب شباك، وما هي إلا مسافة قليلة قطعها حتى أبصر دورية أمنية اتجه نحوها، اقتيدت وفاء بعد إلقاء القبض عليها إلى السجن وأدانتها المحكمة بسنة سجنا نافذا، علها تكون سبيلا لإقلاعها عن انحراف سكن دواخلها ورمى بها إلى التسكع في أركان شوارع البيضاء في لياليها الحالكة، ولم تؤازر في أطوار محاكمتها

بمحام، وإنما ظلت مطأطأة الرأس عند كل مثول أمام الهيئة.

طوى القاضي ملف هذه السيدة ونادى على قضية أخرى، إذ تحدث دفاع شاب متهم، عرض ملفه على أنظار المحكمة الابتدائية القسم الجنحي، ليبين عدم صحة ما ذهبت إليه الضابطة القضائية، عندما حررت محضرا تتهمه فيه بترويج الخمور. وقال "أخطأت الضابطة القضائية عندما أشارت في محضرها إلى أن المتهم الماثل أمامكم له سوابق قضائية...".

وقف الشاب ذو الأربعة والعشرين عاما في قفص الاتهام منحني الرأس، وكان يرتدي بذلة رياضية، وشذب شعر لحيته بطريقة حددت معالمها خطوط متوازية.

تلا عليه القاضي صك اتهامه، فأدرك الحاضرون إلى القاعة أن رشيد يتابع بتهمة الاتجار في الخمور.
نفى رشيد، التهم المنسوبة إليه، وبعدها شرع دفاعه في المرافعة، إذ أكد أن المتهم لم يضبط وهو يتاجر في الخمور، وإنما اعتقل عندما كان يتابع مقابلة في كرة القدم، بحيث اقتحمت عناصر الشرطة بيت الأسرة، وقامت باعتقاله واقتياده إلى المركز الأمني، وقبل أن يغادر رجال الشرطة بيت أسرة رشيد، قاموا بتفتيش غرفه ومختلف أركانه، فلم يتمكنوا من العثور على قنينة واحدة من التي ادعى المحضر أن المتهم يتاجر فيها، كما لم يحجزوا أي شيء يمكن أن يشكل موضوعا للمتابعة، التي يقف بموجبها المتهم أمام الهيئة، بل ذهب الدفاع إلى أن الأمر اختلط على الضابطة القضائية، باعتبار أن تحريك المتابعة ومداهمة مقر سكنى المتهم كان بناء على معلومة توصل بها رجال الأمن، مفادها أن شخصا يدعى رشيد، يعمد إلى ترويج الخمور بأحد الأحياء الشعبية، ولأن الدفاع يعرف المتهم جيدا كما أوضح ذلك أمام رئاسة الجلسة. لأنه صديق لوالده، فأثبت أن الأمر يتعلق بخلط في الأسماء وقعت فيه عناصر الضابطة القضائية، فالمتهم حسب دفاعه، له عمل قار يغنيه عن الالتجاء للمتاجرة في المواد المحرمة، فهو يعمل حارسا للأمن الخاص، وتدر عليه هذه المهنة راتبا شهريا يكفيه لسد متطلباته في الحياة، كما أنه رياضي، يعشق الرياضة ممارسة ومتابعة.

بعد انتهاء المحامي من مرافعته، أعطى القاضي للمتهم فرصة أخيرة ليدلي بما لديه من أقوال، فاغتنم رشيد الفرصة مرة ثانية ليؤكد براءته من التهم المنسوبة إليه.

تبسم القاضي، الذي استمع بإمعان لحماس مرافعة الدفاع عن موكله، وهي الابتسامة، التي خلفت ارتياحا لدى المحامي الذي جمع أوراق ملف القضية ووضعها في حقيبته، وخرج منتشيا بنصر مبدئي وتوفق في الدفاع عن المتهم، في انتظار تأكيد النصر بعد المداولة.




تابعونا على فيسبوك