ستبقى ذاكرة سكان المدينة القديمة بالدارالبيضاء، تجتر على مدار أيام الصيف الحارة، قصة مقتل محمد، الشاب الذي عاش بينهم وتقاسم معهم أوجه مختلفة من حياتهم اليومية.
كان الشاب مفعما بالنشاط والحيوية، كان دائما يتجنب أن يكون طرفا في المشاحنات اللفظية الحادة أو النزاعات المفضية إلى تبادل الضرب والجرح، لكنه ذات يوم وفي لحظة غضب بسيطة لم تتعد الإعلان عن احتجاجه على تصرف أرعن لشابين كادا يدهسانه بدراجتهما النارية، تطورت الأمور في لحظة خاطفة إلى الأسوأ.
وعمدا الشابان إلى استعمال السلاح الأبيض لحسم هذا الشنآن، ليتسببا في نهاية مأساوية، لطخ آخر فصل فيها بدم الضحية، وكبلت أيدى المتهمين بالأصفاد الحديدية، للمثول أمام القضاء من أجل محاكمتهما بتهمة جريمة قتل والمشاركة، قد ترهن أزهى سنين عمرهما خلف القضبان.
نسج قدر أحمق خيوط وقائع جريمة قتل وصف العديد من سكان الحي العتيق أسبابها بالتافهة، ورسم بدقة معالم زمان ومكان محددين، واختار شخوصا من فئة الشباب لتنفيذ تفاصيل القصة المأساوية، إذ كانت إحدى أزقة المدينة القديمة بالدارالبيضاء، نقطة التقاء الضحية محمد والمتهمين يوسف وأمين، ومسرحا لنزاع بسيط في الشارع، ليسقط الأول قتيلا بطعنة سكين مباغتة ويتورط الآخران في جناية سترهن سنين طويلة من عمرهما في غياهب السجن.
تلقى الأب خبر سقوط ابنه محمد قتيلا بطعنة سكين في القلب بذهول كبير، فلم يكن يتوقع على الإطلاق أن تنتهي رحلة عمر فلذة كبده بهذه الصورة العبثية، خصوصا أن حسن سيرة الضحية وأخلاقه الحميدة المعروف بها في حيه بالمدينة القديمة، كانت تضعه في منأى عن آي خصومات أو نزاعات مع أقرانه، لكن الأب غير المصدق في بادئ الأمر للحقيقة المؤلمة، انتقل إلى مسرح الجريمة القريب من مسكنه.
ووقف ببصره وأحاسيسه على مشهد جثة ابنه المدرجة في دمائها، وهي ممددة على إسفلت الطريق، واستوعب بعد يومين من وقوع جريمة القتل ملابسات الحدث الدامي، حين استدعته الشرطة القضائية لقطاع أنفا لمعاينة المتهمين، اللذين ألقي عليهما القبض بعد تحريات مكثفة، إذ اكتفى والد الضحية بالنظر في عيون الشابين المكبلين بالأصفاد، وهو يردد ملء شفتيه المرتعشتين عبارات الأسى والحزن على ضياع فلذة كبده.
كانت أجواء بداية الصيف في أحياء المدينة القديمة تتسم بحرارة مفرطة ترمي بقيظ نورها على رؤوس المارة العابرين للأرصفة المزدحمة، والأزقة الضيقة الغاصة بالباعة والراجلين وبعض أصحاب الدراجات المسرعين، حيث رتبت الصدفة الغريبة موعدا بلون الدم بين شاب في الخامسة والثلاثين من العمر، يخطو بتثاقل صوب مسكن والديه، وبين آخرين أصغر منه سنا كانا يمتطيان دراجة نارية، ويعبران زقاقا بدرب "الكباص" بسرعة مفرطة، في إحدى الملتقيات وقع احتكاك بين أبطال قصة الموت والندم، وكاد بأس العجلات الجامحة أن يلحق الأذى الجسدي بعابر الطريق على أقدامه، كما اضطر راكب الدراجة أن يستعمل الفرامل اليدوية بقوة لتجنب الاصطدام.
هذا السيناريو المعتاد يوميا في طرقات المدينة كان سببا في تكسير قيود الغضب، حيث بادر محمد إلى تصريف رجة الفزع الذي أصابه ببعض عبارات اللوم والمؤاخذات، بينما اشتد حنق الشابين المتهورين ولم يتقبلا أن ينتقد هذا الراجل طريقة قيادتهما للدراجة النارية في شارع مكتظ بالعابرين، تحولت المشاداة الكلامية إلى ملاسنات حادة وكلام نابي جارح.
وانفلتت حركات الأيدي من التلويح بإشارات قدحية إلى تدافع ومسك بالتلابيب، ولم تنفع تدخلات بعض الحاضرين بعين المكان من فك هذا التشابك بين ثلاث شباب في أوج غضبهم، أو تهدئة الأجواء المحتقنة بعبارات "الله يهديك.. ونعلو الشيطان"، إذ كان الفصل غير المتوقع في هذا النزاع البسيط هو طعنة سكين مباغثة، فاجأ بها صاحب الدراجة النارية جميع المتدخلين والمتحلقين، وسقط على إثرها محمد صريعا فوق الإسفلت، وهو يتحسس بكفيه جرحا غائرا بصدره من شدة الألم.
شاع في كل أحياء المدينة القديمة خبر وفاة محمد متأثرا بجرح نافذ في القلب، بعد تلقيه طعنة غادرة من طرف شابين، كانا يترددان بين الفينة والأخرى بواسطة دراجة نارية على المنطقة، إذ تعرف على ملامحهما العديد من سكان درب "الكباص"، وأصبح الكل بعد فرار الجناة من مكان الحادث يتحرق شوقا وغضبا أن يقع المتهمان في قبضة الشرطة.
وشاءت الصدف أن يعود القاتل ورفيقه في اليوم نفسه إلى مسرح الجريمة لاستطلاع الأمر ومعرفة تبعات فعلتهما الشنيعة، إذ لمحهما أحد حراس السيارات بحي كوبا، وحاول بدافع حنقه وشجاعته أن يلقي القبض على أحدهما، لكنه تلقى هو الآخر طعنة في أسفل البطن من طرف سائق الدراجة النارية، فأطلق العنان لصرخاته واستنجاده بأبناء الحي، ما أثار انتباه المارة والسكان واشتد الركض وراء المتهمين في أزقة المدينة القديمة، ووصل بعض عناصر الشرطة القضائية إلى موقع الحدث، وشاركت في المطاردة على أقدامهم دون أن يستعملوا أسلحتهم النارية، تجنبا لإصابة بعض الأبرياء، ما أتاح الفرصة للهاربين إلى الإنفلات والتواري عن الأنظار في وجهة غير معلومة.
استلم والد "محمد" جثة هذا الأخير من مستودع الأموات، وبدأ في تلقي التعازي من الأهل
والأقارب والجيران في مأتم حزين، في هذه الأثناء كانت مصالح الشرطة القضائية لقطاع أنفا، توصلت، من خلال تحرياتها المكثفة بمعلومات عن المتهمين ليجري اعتقالهما، وتحت وابل من الاستنطاقات والتحقيقات، اعترف رفاق التسكع بالدراجة النارية في شوارع المدينة، تلقائيا بتفاصيل جريمة قتل عبثية ولأسباب تافهة، ذهب ضحيتها شاب أتم بالكاد الخامسة والثلاثين من عمره، وسوف يدفع المتهوران الثمن من عنفوان عمرهما المتراوح بين الثامنة والعشرين والواحد والعشرين ربيعا.