كانت فاطمة تعالج من مرض الصرع داخل ضريح بضواحي قلعة السراغنة، ولما أرادت الترويح عن نفسها بجواره، ضلت الطريق ووقعت في قبضة شاب كان مبحوثا عنه لتورطه في عدة جرائم.
كما أنه كان معروفا بكثرة سوابقه القضائية، فاحتجزها وقام باغتصابها، قبل أن يتخلص منها في ساعة متأخرة من الليل. لكن سرعان ما افتضح أمر هذه الحادثة المأساوية بفضل التحقيق الذي باشرته الشرطة، والذي أفضى إلى سقوط الجاني وإدانته.
كانت فاطمة فتاة جميلة، مزهوة بشبابها، تحمل من سمات الرقة والرشاقة ما جعلها تثير غيرة قريناتها من فتيات الحي، لكن "حتى زين ما خطاتو لولا" كما يقول المثل الشعبي،
ففاطمة التي لم تكن تتجاوز العشرين ربيعا، كانت تعاني منذ طفولتها من اضطرابات عصبية حادة، ظلت تدخلها من حين لآخر في غيبوبة شبه تامة، ولم تكن تستفيق منها إلا بعد يوم أو يومين كاملين.
بذلت الأسرة قصارى جهودها من أجل علاج الإبنة من اضطراباتها النفسية والعصبية، فزارت أكثر من اختصاصي وقصدت الكثير من الدجالين، لكن آمال الأسرة خابت في وصفات الأطباء والمشعوذين...
أصيبت الأم بالإحباط، بعدما عجزت عن الاهتداء إلى طريق الخلاص، إلا أنها لم تيأس من الأمل في العلاج لابنتها، مهما سيكلف ذلك من ثمن.
وفي خضم هذه المعاناة، جرى إخبار الأم من قبل إحدى قريبات الأسرة بأن ابنتها يحتمل أن تكون مصابة بمس من الجن، وعليها أن تتردد على أحد الأضرحة طلبا للشفاء.
وهي الوصفة التي نزلت بردا وسلاما على قلب الأم، وعزمت على التردد صحبة ابنتها على أحد الأضرحة المشهورة بنواحي قلعة السراغنة، لعل الفرج يأتي، خاصة بعد أن جاءت الرغبة نفسها، على لسان الفتاة في إحدى لحظات إصابتها بهستيريا المرض، بحسب قول والدتها.
كان ذلك اليوم يتزامن مع الموسم السنوي الذي دأبت مدينة قلعة السراغنة على احتضانه، حين توجهت فاطمة صحبة والدتها في ساعة مبكرة من الصباح نحو الضريح المعروف بالمنطقة، والمختص في صرع الجن، و كلها أمل في التخلص من المرض.
أمضت الشابة وأمها ثلاثة أيام في الضريح، التزاما بطقوس الزيارة. لكن الأم لم تمكث طوال هذه المدة مع ابنتها، ففي اليوم الموالي تركتها لوحدها داخل الضريح، على أساس العودة إلى مدينة مراكش من أجل تدبير بعض الأشغال الخاصة والرجوع إلى الضريح في المساء، وهي محملة بالزاد الذي يكفي لقضاء اليومين المتبقيين من الزيارة.
بقيت فاطمة لوحدها داخل الضريح صحبة عدد من المرضى المصابين بالصرع، فأحست طوال فترة غياب والدتها بالاغتراب والاكتئاب، وفجأة بارحت الضريح صوب فضائه الخارجي في انتظار مقدم والدتها، لكنها في تلك اللحظة لم يكن يخطر ببالها أنها ستبتعد عن الضريح وستتوه عن طريقه، وسيقودها المسار في نهاية المطاف إلى الوقوع في يد شاب متهور، انبهر بجمالها واستغل مرضها وعمل على اقتيادها إلى مكان خلفي بضواحي المدينة، إذ عمل على اغتصابها، قبل أن يتخلص منها في ساعة متأخرة من الليل.
عادت الأم المنهكة في المساء إلى الضريح وكلها لهفة من أجل رؤية ابنتها، لأن الهاجس الوحيد الذي كان مسيطرا على الأم هو هل بدأت ابنتها تتحسن أم لا؟، لكنها ما إن ولجت الضريح حتى انتابها إحساس داخلي بأن أمرا ما حدث، فبحثت في كل ركن داخل المبنى عن ابنتها، وخرجت تبحث عنها في الأماكن المجاورة، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، ولم تهتد الأم إلى مكان ابنتها، فانفطر قلبها بكاء ونحيبا.
في تلك اللحظات كانت فاطمة تتعرض لأبشع اعتداء، حينما وقعت فريسة سهلة في يد شاب ذي سوابق قضائية، لم يرق قلبه لحال هذه الفتاة ولا راعى طبيعة مرضها وتوسلاتها، فنجح في الإيقاع بها ونال من شرفها، بعد أن احتجزها لأزيد من أربع ساعات، افتض خلالها بكارتها، ثم أخلى سبيلها في مكان خال بجوار الضريح.
نجح الجاني في النيل من الفتاة، كما نجح في التخلص منها، بعدما لم يترك أي اثر يحيل عليه. لكن الفتاة ما إن وجدت نفسها في العراء، حتى انتابها شعور بالصدمة والانكسار، فأطلقت العنان للصراخ من أجل النجدة، فتناهت استغاثتها إلى آذان رواد الضريح وهب الكثير منهم إلى المكان الذي يأتي منه الصراخ، وقاموا بنجدة الفتاة وتقديم المساعدة لها، فحملوها في بداية الأمر إلى الضريح، وبعد أن لاحظوا تدهور حالها، نقلوها على وجه السرعة إلى المستشفى الإقليمي بمراكش، في ذلك الوقت كانت الأم غائبة بعد أن فقدت الأمل في العثور على ابنتها في مركش، واعتقدت أنها اعتمدت على نفسها للعودة إلى المنزل، وبعد أن عادت ولم تجدها باشرت رفقة أقاربها البحث عنها في مختلف المواقع.
عادت الأم إلى مراكش في صباح اليوم الموالي، وكلها لهفة في العثور على ابنتها، وما ان اقتربت من الضريح حتى جرى إخبارها بأن ابنتها جرى العثور عليها في ساعة متأخرة من الليل في حالة صحية متدهورة، وجرى نقلها إلى المستشفى.
باشرت عناصر الأمن تحرياتها في الموضوع، بالاستماع بداية إلى تصريحات الأم، وتصريحات الشهود الذين عثروا على الفتاة ونقلوها إلى المستشفى، وجرى الاستماع إلى الفتاة التي سردت بتفصيل ما حصل لها، وذكرت صفات الجاني وحددت مكان اغتصابها.
هذه المعطيات ساعدت الشرطة على فتح تحقيق موسع، أفضى إلى التوصل إلى الجاني بعد يومين من البحث، وتقديمه للعدالة التي ادانته بـ 20 سنة سجنا نافذة، وغرامة مالية لفائدة الضحية، بتهمة الاحتجاز والاغتصاب.