كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية والنصف بعد الظهر، جلست فتاة القرفصاء أمام باب المحكمة، لا يتجاوز عمرها 15 سنة، بيضاء البشرة، ملتهبة الوجنتين والشفتين، احتارت معها عيناها لا تدريان أين تستقران
احتار معها قوامها الناضج، إلى أي الأوضاع يرتكز، كانت خصلات شعرها الأشقر تتطاير في اتجاه الرياح، التي هبت بشدة في ذلك اليوم. كانت تحمل حقيبة كبيرة تسقطها على الأرض، ثم ترفعها فوق ركبتيها الممتلئتين لتعانقها بيديها، وتلمس نهديها، اللذين تجمع فيهما شبابها، فبرزا في استدارتين. كانت تبتسم تارة، ثم ما تلبث أن تطأطئ رأسها، فتشرد عيناها بعيدا، وكأنها تفكر في هم كبير يثقل كاهلها.
نهرتها امرأة بلغت من العمر عتيا، كانت تجلس بجانبها، قائلة "أمالك، ما كاين باس؟ فين سرحتي؟" فردت عليها "والو ماما، غير ما قدراش نواجه بابا في المحكمة، الوقفة قدام القاضي صعيبة، شاداني لخلعة في قلبي، حاسة بيه غادي يسكت". أجابتها أمها "ما كنتش باغ الأمور توصل لهاذ الدرجة، وليني باباك هو اللي دفعني لهاذ الشي، عمرني ما دخلت المحاكم، ولا الكوميسارية، كنت تنمشي ليها غير باش ندفع لكارط، ولايني الزمان تيخليك ديري اللي عمرك ما كنت ناوية ديريه، ما شاء الله وخلاص، غير صبري، راك غادي تقولي غير 2 كلمات قدام القاضي، وتخرجي فساع". تنهدت الفتاة عميقا، وقالت "ما شفتوش شهرين، ومنين غادي نشوف غادي نتلقاو في المحكمة".
ردت الأم، وهي تربت على كتفيها "هذا هو نصيبك، ملي تزوج من امرا خرا وولد ولاد أخرين ما بقاش تيزورنا كيف ما كان، وتخلى علينا، جاب الله كاين عائلتي معاونيني، ولا كون خرجت نطلب قدام باب الجامع". أثار حديث الفتاة الجميلة وأمها أنظار نساء تجمهرن قرب حائط إعدادية ابن ياسين المقابل للمحكمة، في انتظار فتح بابها، وبدء الجلسات المسائية، وسألت إحداهن الأم قائلة "مالك الحبيبة؟ قضية نفقة ولا شقاق؟".
ردت عليها " ، داعية راجلي على النفقة الحبيبة، وأنت؟"، فأخبرتها أنها أتت إلى المحكمة من أجل الأسباب نفسها، وحكت، والدموع تملأ عينيها، أن زوجها طلقها، قبل أربع سنوات، وأن لها منه طفلة صغيرة تبلغ من العمر ثلاث سنوات، ومنذ طلاقها لا ينفق لا عليها ولا على الطفلة، رغم أنه يسير الحال، وباءت كل محاولاتها لإثنائه بالإنفاق عليها، كما تدخل أفراد العائلة من أجل إرغام طليقها بالإنفاق على الطفلة، لكن باءت كل محاولاتهم بالفشل.
وأضافت قائلة "كون ما خوتي كون خرجت نطلب ببنتي، دار علي الراجل دورة الزمان، وما عقل على عشرة ولا على حب، عاطيها غير لسكرة ومالة ولالي، تيقولوا لي الناس كل ليلة في بار، وكل يوم مع بنت في شكل، فلوسو خاسرهم غير على بنات الزنقة ومخلي بنتو، ما تيجي حتيشوفها"، ردت أم الفتاة "قصتي تتشابه مع قصتك، الرجالة بحال بحال، ما تيعقلوش على المرا واخة ما عرت أش دير ليهم، غير تيشوف ليهم شوفة أخرى، وتيقلبو وجوههم"، قطعت شابة في الثلاثين من عمرها حديث المرأة.
وقالت إن مأساتها لا تقل أهمية عن مشاكلهما، إذ اضطرت للعمل خادمة في البيوت، لتتمكن من إعالة أبنائها وبناتها الخمسة، بعد إهمال طليقها لها، ولأطفالها الخمسة، وعدم التزامه بحكم المحكمة، التي قضت بضرورة إنفاقه عليهم، وحجته أنه عاطل عن العمل. وتساءلت: هل من المعقول حدوث هذا، لاسيما أن طليقها تزوج بأخرى وأهمل الإنفاق على أبنائها.
تتبعت الفتاة حديث أمها مع المرأة، التي كانت تمسك بيد طفلة، تبدو وكأنها مريضة، وعلامات الحزن بادية على وجهها، ثم رفعت يدها اليسرى، متفحصة الساعة، التي قاربت الثالثة بعد الظهر، وأشارت إلى أمها بالنهوض للدخول إلى المحكمة من أجل حجز مقاعد داخل القاعة، قبل أن تمتلئ بالمتقاضين. وبخطوات سريعة، دخلتا إلى القاعة رقم 8.
زاد توتر الفتاة، بعد أن أعلن العون القضائي ببدء الجلسة ودخول هيئة الحكم، وبدت عليها علامات الخوف، عندما سمعت القاضي ينادي على اسم أمها، وأبيها واسمها من أجل المثول أمامه. ارتبكت خطوات الشابة، التي وقفت وراء أمها، حيث سألها.
القاضي: مالك مع هاذ الراجل؟
المرأة: ما تيعرفنا، لا أنا ولا بنتي حتى بدرهم؟
القاضي: شحال هذا مابقاش تينفق عليكم؟
المرأة: عام وهو قاطع علينا الما والضو.
القاضي: ومنين تتعيشي؟ خدامة؟
المرأة: امي واخوتي هما اللي تيصرف علينا.
القاضي: وعلاش بقيت عام عاد رفعت الدعوة؟
المرأة: ما كانش عندي باش نرفع الدعوة، وحاولت ندخل لحباب باش يحشم ويديها في بنتو، ويصرف عليها ساعة ما دار بوجه تواحد، وزاد في التعنتيت ديال القاضي، متوجها إلى الزوج:
أش تدكول في هاذ لكلام، بصح ما تتنفقش على مرتك وبنتك.
الرجل: ايه أسي لقاضي.
القاضي: شحال هذا؟
الرجل: غير شي شهور ما حاسبش، كنت كنعطيهم ديما.
القاضي: وعلاش ما بقيتيش تتعطيهم؟
الرجل: غير شي ظروف وصافي.
القاضي: آش من ظروف؟
الرجل: دازت علي واحد الأزمة مالية، ومالقيتش حتى باش نخلص كرا داري، وعاد عندي ولاد مع امرا اخرى.
القاضي: واش ذنب هاذ البنت؟
طأطأ الرجل رأسه، وسكت عن الكلام. أمر القاضي الابنة بالتقدم أمامه، وسألها: شحال ما شفت باك؟
الفتاة: شهرين هاذي ما شفتو.
القاضي: وكان تيصيفط ليكم شي فلوس؟
الفتاة: لا، شحال هاذي ما وصلتنا شي حاجة منو، وشفتو قبل غير بالصدفة في الشارع.
القاضي للرجل:
ما حشمتيش مخلي هاذ البنت في هاذ السن بلا ما تنفق عليها ولا تهتم بيها، ما خيفش عليها الضيع؟
الرجل: غير مع الوقت وصافي، كنت ديما تنطل عليهم، والزمان غلا وصعاب.
القاضي: البنت ما عليها حتى ذنب، ومن واجبك عليها تصرف عليها، وإلا ما تلوم غير راسك.
الرجل: آخر مرة، أنا ماشي ديال التبهديل.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة والنصف، حين رفع القاضي الجلسة للاستراحة 5 دقائق، بعد أن أدرج قضية نفقة المرأة للمداولة في آخر الجلسة.