توفي مصطفى بعد أن ألقت به صديقة حبيبته من الطابق الثاني لشقة مشبوهة، كانت توجد بها رفقة معشوقته.
ولم يكن يجد الشاب مصطفى العاطل عن العمل، غير ربط علاقة مع سيدة يفوق عمرها الأربعين، تحترف التسول. ولأنه كان على علاقة غرامية معها فقد غضب إثر توصله بخبر مفاده أنها كانت مع صديقاتها في ليلة ماجنة رفقة بعض الأغراب، لذلك انتقل إلى الغرفة وطلب من صديقتها أن تنادي على عشيقته، لكنها رفضت ذلك، فصفعها، فقامت هي بدفعه بقوة جعلته يسقط عبر السلالم من الطابق الثاني ليلفظ أنفاسه، بعد ان ارتطم رأسه بالأرض.
انقطع الضحية مصطفى، من مواليد 1977، عن متابعة دراسته بعد أن كرر الجذع المشترك الثانوي التأهيلي بمراكش، وكان حلمه الوحيد هو الهجرة نحو عاصمة الأنوار فرنسا، وما زاد من هوس هذا الحلم أن والده سبق أن وعده بأنه سيعمل كل ما في جهده من أجل مساعدته على تحقيق أمنيته، وسيتكفل بمناقشة الموضوع المتعلق بالتأشيرة وأوراق الإقامة بما فيها العمل، مع أحد جيرانه المقيمين بالديار الفرنسية بحكم العلاقة والجيرة التي تربط بينهما، شريطة أن يتعلم مصطفى مهنة الجزارة ما دام الأب يمتهن هذه المهنة ويمارسها بمجموعة من الأسواق الأسبوعية.
استحسن الابن الضحية فكرة الوالد، والتحق بالعمل كمساعد له، لكنه سرعان ما بدأ ينحرف شيئا فشيئا، من خلال تأثره بمجموعة من رفاق السوء، الذين كانوا ينتظرون عودته من السوق مساء كل يوم، لإقامة ليال حمراء بأحد المنازل الفارغة، التي جرى كراؤها لهذا الغرض، وتؤثث فضاءها نساء يحترفن الدعارة، وقنينات النبيذ الأحمر، ومخدر الشيرا حتى انبلاج ضوء الصباح.
تدخلت العائلة لإسداء النصح للابن، مع تحذيره من مغبة الإسراف في الإدمان وما يترتب عنه من أمراض مزمنة كسرطان الجهاز التنفسي... إلا أن جميع محاولاتهم باءت بالفشل، وكان دائما يردد على مسامعهم وهو يبتسم : "كاينة غير موت وحدة"، فتركه الوالدان على هواه لأنه رفض العمل بنصائحهما، اعتقادا منهم أنه سيعود لرشده ويستقيم من تلقاء نفسه، ومع مرور الأيام بدأت حالته تسوء بفعل الإهمال، وصار بالكاد يتدبر ثمن لتر من ماء الحياة، ونادرا ما كان يعود إلى البيت، وأصبح السجن مكانه المفضل لكثرة ما تردد عليه.
وشاءت الظروف أن يربط علاقة غير شرعية بامرأة يفوق عمرها الأربعين سنة، تحترف التسول في الأسواق الأسبوعية، وهي بدورها مدمنة على شرب الخمر وتمتهن الدعارة ، من أول نظرة أحب أحدهما الآخر لدرجة الجنون، وشكل الإثنان ثنائيا وظلا يعيشان حياتهما بشكل عادي في الغرفة المكتراة، لكن العلاقة بينهما ستتأثر وستحدث بينهما عدة خلافات وشجارات.
ادعت العشيقة أن الضحية أصبح يعاملها بعنف وأنه حاد الطباع، ويستولي على المبالغ المالية التي تتحصل عليها عن طريق التسول، أما الضحية فكان يحكي لأصدقائه أنها لم تعد تحبه كما في السابق، وصار يشك في أنها تخونه مع آخر.
حاول بعض الأصدقاء حثه على قطع علاقته بها والبحث عن أخرى تعوضها، إلا أنه لم يأخذ هذا الكلام على محمل الجد، وظل يتردد عليها بعد منتصف الليل، فكانت تصده فينهال عليها بالسب والشتم، ويعود من حيث آتى.
في إحدى الليالي، وبينما كان مصطفى يحتسي ماء الحياة، رفقة مجموعة من رفاقه، تلقى مكالمة هاتفية فحواها أن عشيقته توجد رفقة صديقتيها مع ثلاثة أشخاص، وأنهم يقضون سهرة ماجنة يحتسون خلالها الخمر ويرقصون ويمارسون الجنس، فتملكه الغضب، ولم يعد يسيطر على نفسه أو يتحكم فيها، وتوجه مباشرة إلى مكان وجود العشيقة ورفاقها، وبمجرد وصوله دق باب غرفتها ففتحت له صديقتها التي كانت في حالة سكر مفرط، وطلبت منه الرحيل إلا أنه أصر على ضرورة لقاء عشيقته وطلب منها المناداة عليها، إلا أنها رفضت فوجه إليها صفعة قوية، وما كان منها إلا أن ألقت به من الطابق الثاني ليرتطم رأسه بالأرض ويفارق الحياة.
غادر الجميع الغرفة والمنزل تاركين الضحية على حاله، وتوجهوا إلى إحدى المقاهي لاحتساء كؤوس القهوة وتدخين السجائر.
وخلال الساعات الأولى من الصباح، حضرت عناصر الشرطة إلى المكان، وجرى العثور على جثة الضحية وهي ممددة عند نهاية السلم الإسمنتي للمنزل، وبعد التقاط صور للجثة، جرى نقلها إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي في مراكش للتشريح ومعرفة أسباب الوفاة.
وانطلقت عملية البحث من طرف عناصر الشرطة بمساعدة بعض المواطنين، وجرى القبض على من كن بالغرفة لحظة وقوع الجريمة، وأخضع الجميع للتحقيق لمعرفة ظروف وملابسات الجريمة، فاعترف الجناة بالمنسوب إليهم ليجري اعتقالهم وإحالتهم على المحكمة لتقول كلمتها.
تصريحات الجيران أجمعت على أن المنزل، الذي وقعت فيه الجريمة، تعود ملكيته لزوجة أحد أعيان المدينة، وتكتري غرفه للنساء والأمهات العازبات اللواتي يحترفن الدعارة.
وسبق أن كان مسرحا لمجموعة من الجرائم، من بينها طعن فتاة مراكشية بالسلاح الأبيض لتخرج منه جثة هامدة، كما تعرضت فيه أخرى لضرب مبرح تسبب لها في عاهة مستديمة، وشكل المنزل مع توالي الأيام ملجأ للزبناء من الباحثين عن اللذة وعن فضاء آمن لممارسة الجنس، وغالبا ما كانت تسلب فيه ممتلكات الوافدين عليه بعد أن ينال منهم السكر، ونظرا لخوف الضحايا من اعتقالهم كانوا لا يتقدمون بشكايات.