كانت تجلس بين العشرات من النساء الجالسات فوق الكراسي الخشبية المنتشرة حول محكمة قضاء الأسرة، وسط حديقة صغيرة محاذية للمحكمة.
كانت فتاة جميلة سمراء، شعرها أسود ومتموج، ترتدي لباسا أنيقا، وتحمل حقيبتها بين يديها، لا تكلم أحدا وتجلس بمفردها، وتنظر حولها يمينا ويسارا وكأنها لا تفهم شيئا، النساء من حولها من مختلف الأعمار انخرطن في حديث مطول، في انتظار أن يفتح الباب الكبير لمحكمة قضاء الأسرة، وبين الفينة والأخرى يرمقنها بانتباه شديد، حتى الفتيات الصغيرات منهن يراقبن تحركاتها، فقد كانت تبدو مختلفة عنهن، كانت تجلس تارة وتقوم تارة أخرى، وتتجه نحو الباب الرئيسي للمحكمة، ثم تعود إلى مكانها، وتنظر إلى ساعتها اليدوية.
فتح الباب الحديدي الخارجي للمحكمة، وتسارعت النساء والرجال للدخول، وكالعادة منعهم الشرطي من الاقتراب وهددهم بعدم فتحه أو السماح لهم بالدخول في حالة عدم انتظامهم. أما المرأة الشابة فوقفت بعيدا عنهم، وانتظرت دخول الجميع قبل أن تترجل بخطى متثاقلة نحو إحدى قاعات المحكمة، وتقف بالمحاذاة معها .
كانت المحكمة كباقي الأيام ممتلئة عن آخرها، والضجيج يعم أرجائها، نساء يحملن أطفالهن على ظهورهن، وأخريات تمنحن بعض الياغورت والخبز لإفطارهم، والبعض الآخر منشغل بالإجراءات القانونية داخل المحكمة، بل منهن من دخلت في شد وجدب مع بعض الموظفين، احتجاجا على تأخر الإجراءات أو عدم وجود من يدلهن على القسم المحدد لوضع شكاية أو دعوى قضائية، أو التوجه نحو مصلحة الأختام .... وغيرها، ووسط هؤلاء النسوة وباقي المتقاضين، كانت المرأة الشابة تراقب كل ذلك، وتلف بعينها جميع أرجاء المحكمة، تنظر لساعتها من جديد وتنتظر دخول هيئة الحكم إلى قاعة الجلسات، غير مكثرة بباقي النسوة المنشغلات بالتسابق نحو الكراسي الخشبية، التي تؤثث فضاء القاعة، للحصول على مكان والهروب من الوقوف وسط الزحام.
اقتربت المرأة الشابة من إحدى النساء الجالسات بالمحاذاة مع قاعة الجلسات أيضا، وطلبت منها أن تجلس إلى جانبها، كانت امرأة في الخمسينات من العمر، وسألتها عن الموعد الذي ستنطلق فيه الجلسة، فأشارت إليها السيدة أنها ستبدأ بعد ربع ساعة تقريبا، وأنها عرفت ذلك من خلال خبرتها الطويلة بهذه المحكمة، فهي تحضر بشكل يومي، وكونت علاقات جيدة مع جميع الموظفين بمختلف أقسام المحكمة، حتى أنها تعرف إلى العديد من القضاة والمحامين، وبدأت تتحدث بصوت مرتفع وهي تخبرها عن عدد الزيجات التي ساهمت في إتمامها، وحتى دعاوى الطلاق، وأنها تقوم بهذا العمل، منذ أن رفعت دعوى للطلاق من زوجها قبل خمس سنوات.
بدت المرأة الشابة مرتبكة أمام كلمات السيدة الخمسينية، قبل أن تخبرها بأنها لم تتخيل أنها ستعود إلى المحكمة بسبب دعوى للتطليق ضد زوجها، الذي ارتبطت به منذ أربع سنوات، فهي ولجت المحكمة لأول مرة عروسا سعيدة بتحضير وثائق الزواج، واليوم تعود إليها امرأة حزينة تنهي فرحة قلبها، التي تمنت أن تدوم سنوات وتكون أسرة سعيدة.
كانت المرأة الشابة، في الثلاثينات من العمر، عادت إلى وطنها الأم منذ أسبوعين فقط، فهي تقيم بإحدى الدول الأوروبية، وسافرت إليها بعد الارتباط بمغربي مهاجر يكبرها بـ 15عاما، تقدم لخطبتها باقتراح من والدته، وبعد إتمام وثائق الزواج، أقيم الزفاف وسافرت إليه، ومنذ أول يوم عاشت جحيما كتمته في فؤادها ولم تخبر به حتى أقرب الناس إليها، فقد كان زوجها يعاني تشويها خلقيا يمنعه من ممارسة واجباته الزوجية، لتكتشف طيلة فترة الزواج أنها ما زالت عذراء. كما أنها ظلت مدة أربع سنوات تحاول مساعدته على العلاج وتخطي الأمر، لكنه حول معاناته النفسية إلى اعتداء عليها بالضرب، والقول إنه لم يكن يرغب في الزواج، ولكن إصرار والدته على ذلك جعله يوافق تفاديا للإحراج.
تنهدت المرأة كثيرا وهي تسمع قصة المرأة الشابة، وطلبت منها الصبر ومحاولة إعادة بناء حياتها، فقطع تنهيداتها صوت عون المحكمة، الذي نادى معلنا عن بدايتها، وكان أول ملف تنظر فيه الهيئة، ملف المرأة الشابة، التي مثلت أمام المحكمة، ونادى القاضي على زوجها، الذي حضر متأخرا، في حين جلست والدته في آخر القاعة.
سأل القاضي المرأة الشابة قائلا: هذا راجلك؟
المرأة الشابة: ويي السي القاضي
القاضي: ومالك معاه؟
المرأة الشابة: بغيت نطلق حيث متضررة من زواجي معاه
القاضي: كيفاش متضررة، واش كيضربك؟
المرأة الشابة، بصوت منخفض: ماشي ديما غير ملي كيتعصب شوية
القاضي: وعلاش كيضربك؟
صمتت المرأة الشابة أمام سؤال القاضي ولم تجب، فكرر القاضي سؤاله، مؤكدا أن المحكمة عليها أن تعرف سبب الضرر، وأن عليها أن تتكلم بكل صراحة وألا تخاف من شيء
المرأة الشابة، بتلعثم شديد وبصوت منخفض: راني مزوجة بيه ربع سنين هاذي السي القاضي وراني مازال بنت
بدت على القاضي علامات الاستغراب، وعلى بعض الحاضرين الذين سمعوا البعض من أقوال المرأة الشابة، في حين طأطأ الزوج رأسه
فتوجه القاضي بالسؤال إليه قائلا: واش هادشي الي كتقول مراتك صحيح؟
الزوج: هادشي صحيح السي القاضي وراني ماتنلومهاش هادشي من عند الله، وهي راها صبرات معايا كثر من القياس
القاضي: واش دابا باغين تطلقو بصفة نهائية ولا نديرو جلسة للصلح
الزوجة: راني حاولت معاه كثير ولكن هاد المشكل مأتر عليه بزاف وتيخليه يضربني.
ظل الزوج صامتا ولم ينبس ببنت شفة، فنظر القاضي إليهما مطولا، قبل أن يأمر بتخصيص جلسة خاصة للزوجين، في محاولة لإصلاح ذات البين بينهما، أو الحكم بتطليقهما.