عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرا، محكمة القطب الجنحي بالدارالبيضاء تعج بالمتقاضين والزائرين وحتى الفضوليين، تعرف المحكمة الواسعة وقاعاتها الكبرى، زيارة عدد كبير من البيضاويين وغيرهم يوميا، منهم من يحضر لمتابعة أطوار محاكمة قريب له.
ومنهم من يحضر لحبه الشديد في اكتشاف عالم الجلسات والقضاة، ومنهم من يبحث عن مصلحة الشكايات لوضع شكاية ضد خصمه، الكل منشغل وردهات المحكمة مزدحمة، ويتنقل وسطها أناس مختلفون، نساء ورجال وشباب وفتيات وحتى الأطفال والرضع.
إحدى النساء جلست في أحد الكراسي الإسمنتية، المحيطة بجنبات قاعات الجلسات، لترضع صغيرتها أمام زوار المحكمة، منهم من امتعض من تصرفها، ومنهم من كان يقبل الرضيعة ويذهب لقضاء أغراضه، قبل أن يحضر رجل أمن ويطلب منها أن ترضع ابنتها في مكان آخر، وتختبئ عن أعين زوار المحكمة، أو أن تغادر بشكل نهائي المحكمة، بدأت الأم في التوسل لرجل الأمن، وقالت إنها تريد أن تتابع محاكمة زوجها المتابع بتهمة السرقة وحيازة المخدرات، بل أخذت تبكي وهي تلعن القدر الذي ربطها بزوج لا يتحمل مسؤولياته، حتى أنه لم يحضر إلى ولادة ابنته بسبب اعتقاله، ومضت قائلة "أسيدي الله يخليك راه غير باش تسكت لي البنت من لبكا، راه باها ولد لحرام خلاها في كرشي، الله ياخد فيه الحق.."، أمرها الشرطي بالسكوت، ووافق على بقائها بشرط أن تغطي ثديها عن المارة.
بالمحاذاة مع قاعتي الجلسات 2 و8، كانت تقف امرأة وثلاث فتيات ترتدين جلابيب مزركشة، مظهرهن يثير انتباه كل زائر للمحكمة، وكانت واحدة منهن تدخل إلى قاعة المحكمة ثم تخرج منها بعد دقيقة واحدة لتخبرهن أن المتهمين لم يحضروا بعد إلى القاعة، وكانت المرأة، وهي في الأربعينات من عمرها، أم أحد المتهمين الذين سيمثلون ذلك اليوم أمام المحكمة، بتهمة السكر العلني، وإحداث الفوضى، وإزعاج الجيران دون وجه حق، وحضرت لمتابعة الجلسة رفقة شقيقاته الثلاث.
وكانت الأم تمسح دموعها بمنديل ورقي، وهي تقول لإحدى النساء الجالسات بالقرب منها، كيف أنها كانت تنصح ابنها بالعودة للعيش في منزل والده، وألا يعيش بمفرده، ويبتعد عن رفقاء السوء، إلى أن انتهى به المطاف وراء القضبان.
عندما أشارت عقارب الساعة إلى الثانية عشرة والنصف ظهرا، سارع الجميع إلى داخل المحكمة، وبدأ رجال الأمن في إحضار المتهمين إلى قاعة الجلسات، بينما كان عون المحكمة رفقة كاتب الضبط، يرصان ملفات خضراء اللون فوق منصة الحكم قبل دخول هيئة الحكم.
ما إن رمقت المرأة الأربعينية ابنها حتى انتفضت من مكانها وأشارت إليه بيديها، ونادت عليه ووقفت إلى جانبها شقيقاته، فسارع نحوها أحد رجال الأمن بالقاعة غاضبا، وخاطبها بلهجة حادة وهو يأمرها بالتزام الصمت والعودة إلى مكانها، فأجهشت في البكاء من جديد وهي تقول "الكبدة صعيبة أولدي غير سمح ليا الله يخليك.. راني أم وماصبرتش، راه ملي تشد وداروه في الحبس ماشفتو"، أمرها الشرطي من جديد بالجلوس واحترام نظام القاعة، لكنها اكتفت بالإشارات والإيماءات لابنها، الذي كان ينظر إليها تارة ويطلب منها الكف عن البكاء مرة أخرى.
كان من بين المتهمين، وأغلبهم من الشباب في مقتبل العمر، رجل عات الشيب في رأسه، كان يرتدي جلبابا أسود اللون، وقبعة تقليدية ويحمل كيسا أسودا بلاستيكيا في يديه، لم يكن كباقي المتهمين ينظر نحو المكان المخصص للحاضرين أو لرجال الأمن، بل كان يطأطئ رأسه نحو الأرض، ويهمهم بكلمات بصوت خافت غير مكترث بما يدور حوله.
فجأة دخلت هيئة الحكم، نادى عون المحكمة بأعلى صوته "محكمة"، وأمر رجال الأمن داخل القاعة جميع الحاضرين بالوقوف احتراما للهيئة.
افتتح القاضي الجلسة، وشرع في النظر في أولى القضايا، ونادى على الرجل الكهل ومتهم شاب، يتابع إلى جانبه في القضية ذاتها، وقفا الواحد خلف الآخر ، لكن القاضي وقبل أن يطرح عليهما أسئلته، أمرهما بالوقوف جنبا إلى جنب، وشرع في توجيه الأسئلة للمتهم الشاب حول التهمة الموجهة إليهما، وكانا متابعين بتهمة "السكر العلني وحيازة المخدرات"، وسأل القاضي المتهم الثاني الكهل قائلا: واش عارف أنت التهمة الي متابعين بيها بجوجكم؟
المتهم: إيه السي القاضي، ولكن والله العظيم ما كنت باغي نشرب ديك الليلة
القاضي: شحال فعمرك أنت؟
المتهم: 65 عام
القاضي، رفع نظره إلى المتهم، بعدما كان منهمكا في الاطلاع على وثائق ملفه، وسأله قائلا: 65 عام وباقي كتدير هادشي؟
المتهم: والله السي القاضي ايلا هادي والتوبة راني شحال هادي ما سكرت وملي جا عندي صاحبي وقال لي نمشي معاه يجيب الشراب مشيت
القاضي: وشحال عندك من ولد؟
المتهم: 5 ديال لولاد.
القاضي: وماحشوماش عليك ها أنت شعرك شايب، وفعمرك 65 عام وعندك 5 لولاد، وعندك سوابق، وباقي زايد فيه.
المتهم: والله السي القاضي ايلا هادي والتوبة، وحق هاد المكان المقدس ايلا باقي قربت للشراب ولا الحشيش، الله يرحم الوالدين، والله ما نبقى نعاود ضحك القاضي ومستشاروه وحتى ممثل النيابة العامة من أقوال المتهم وحلفه بكل الأيمان بألا يكرر فعلته ، قبل أن يذكر القاضي أن ما يقوله أمام المحكمة، يكرره جميع المتهمين، وعليه أن ينتبه لأولاده وأسرته ويبتعد عن الخمر، ثم أجل البت النهائي في القضية إلى تاريخ لاحق.