سارع المتقاضون والحاضرون بالدخول إلى قاعة الجلسات بمحكمة القطب الجنحي بالدارالبيضاء، وجلست النساء والفتيات في الكراسي الأمامية، وجلس الرجال والشباب خلفهم
في حين فضل العديد منهم الوقوف بالمحاذاة مع جدران القاعة الواسعة.
كان الجميع يتسارع من أجل الحصول على مكان داخل القاعة لتتبع أطوار الجلسة، والهرب من الجو البارد الذي يلف جدران المحكمة، والاحتماء من بعض الزخات المطرية التي تخترق سقف المحكمة، وتسقط بالقرب من القاعة.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة بعد الظهر، الجميع ينتظر دخول هيئة الحكم من أجل النظر في عدد من الملفات، التي رصها عون المحكمة بانتظام شديد فوق منصة الحكم، كانت الملفات ذات لون أخضر فستقي، جلبها عون المحكمة في عربة حديدية بمساعدة أحد رجال الأمن.
راقب الحاضرون داخل القاعة، نساء ورجالا وحتى الأطفال، عمل العون باهتمام شديد، قبل أن يحولوا نظراتهم باتجاه الباب الذي يدخل منه المتهمون إلى قفص الاتهام، وكل واحد منهم يترقب حضور الابن أو الزوج أو الأب أو البنت، في حين ينشغل بعض رجال الأمن المرابضين داخل القاعة، بمراقبتهم والبعض الآخر بحفظ الأمن داخل القاعة.
أحد رجال الأمن كان ممتعضا جدا، وطرد أحد الحاضرين لأنه ضبطه وهو يتكلم في الهاتف المحمول بصوت خافت، وكلمه بلهجة شديدة وهو يمسك هاتفه المحمول بين يديه، ووبخه بضرورة احترام النظام داخل القاعة.
أما شرطي آخر، فلم يخف أيضا عصبيته بسبب طلبات المتهمين، التي وصفها بأنها لا تنتهي، وانزعج كثيرا من طلبهم المتكرر بالذهاب إلى الحمام، لكن أفراد العائلات لا يأبهون بكل ذلك، ويبقى همهم الوحيد استغلال أي فرصة لإبلاغ التحايا للمتهمين وسؤالهم عن أحوالهم داخل السجن أو إعطائهم أكياسا بلاستيكية، غالبا ما تحمل الأكل والسجائر.
كثيرات هن الأمهات اللواتي يحضرن إلى قاعة المحكمة لمؤازرة فلذات أكبادهن فيتأثرن لمشاهدتهم داخل قفص الاتهام تحت رقابة رجال الشرطة، ما يدفعهن إلى التعبير عن رفضهن الوقوف في هذا المأزق الحرج بإطلاق العنان لدموعهن، التي تنساب غزيرة على خدودهن.
دخلت هيئة الحكم بعد 20 دقيقة، ووقف الجميع احتراما لها، قبل أن يأمر القاضي الجميع بالجلوس، فتح رئيس الجلسة أولى الملفات المتراصة أمامه، ثم نادى على أربعة متهمين، تتراوح أعمارهم ما بين 19 و24 سنة، كان من بينهم شاب قصير القامة وضعيف البنية، يرتدي ملابس رياضية، وما إن وقف أمام القاضي حتى التفت نحو أمه، فنظرت الأخيرة إلى امرأة أخرى تجلس بقربها، وقالت بصوت مرتفع تتخلله حشرجة البكاء "والله ايلا ولدي مظلوم، غير جروه فهادشي"، ثم انتصبت واقفة من بين صفوف النساء، فانتبه إليها القاضي، وأمرها بالتزام الصمت، بعد أن أدرك أنها والدة المتهم، في حين أسرع أحد رجال الأمن وأخذ يهدئ من روعها ويردد على مسامعها عبارة " راه ولدك ايلا كان ما داير والو راه غيمشي فحالو"، ارتفعت آهات الحاضرين لمشهد الأم التي انهمرت الدموع من عينيها، ما جعل الشرطي من جديد يتدخل لإعادة الهدوء والانضباط فاسحا المجال أمام رئيس الجلسة لمواصلة النظر في القضية.
سأل القاضي المتهمين الأربعة، كل واحد منهم على حدة، الأسئلة المعتادة:
اسمك ...؟ بن من ....؟ سبق ليك تشديتي في الحبس..؟ واش عندك المحامي؟، كان هناك محام واحد يدافع عن المتهمين الأربعة، وقدم نفسه للقاضي، وبعد تسجيل اسمه، ردد القاضي على مسامعهم التهم المنسوبة إليهم "السكر العلني، الضرب والجرح، وإحداث الفوضى بالشارع العام، والاعتداء على رجل أمن"، وتوجه القاضي إليهم بالسؤال: "أنتوما عارفين باش متهمين، عاودو ليا دابا أش طرا ديك الليلة الي تشديتو فيها، هضروا بصراحة راه محاضر الشرطة كتقول أنكم معترفين".
طأطأ المتهمون رؤوسهم أمام القاضي، قبل أن يجيب أصغرهم، الذي لم تتوقف والدته عن البكاء منذ انطلاق المحاكمة: "السي القاضي راه ماتنعرفوش بعضياتنا، غير كل واحد فينا كان شارب وجمعونا هاديك الليلة"
القاضي: "دابا انتوما عند البوليس قلتو أنكم كنتو مقصرين كاملين وتتشربو الشراب في الزنقة"
المتهم الثاني: "والله السي القاضي ايلا غير كنا مقصرين"
القاضي: "وقصارة زينة هادي الي كملتوها بالمضاربة وتعديتو على الطوموبيلات الي كانت واقفة، ومنها الطوموبيل ديال البوليسي الي ضربتوه"
أحد المتهمين: "لا ما ضربناهش السي القاضي"
القاضي:"في المحضر كاين مجموعة ديال الشهود، الي غادي يحضرو للجلسة، شافوكم وانتوما سكرانين ومحيحين في الدرب وضربتو البوليسي"
أحد المتهمين: "كنا سكرانين ومعقلناش ولكن راه والله ما تعدينا على البوليسي"
وأضاف متهم آخر: "راه غير جمعونا ما كناش مع بعضياتنا"
القاضي: "هي دابا البوليس ماعندهم ما يدار غير يجمعو كل واحد فيكم من الزنقة ويلصقو ليكم هاد التهم"، وأضاف بلهجة غاضبة "وهادوك الطوموبيلات والبوليسي شكون الي ضربهم البوليس حتى هما؟
صمت جميع المتهمين، وتدخل دفاعهم ليطلب من القاضي استدعاء بعض الشهود غير المصرح بهم في المحاضر، ملتمسا تأجيل مواصلة المناقشة إلى حين بت المحكمة في الطلب. فاستجاب القاضي لطلب الدفاع، وتسلم منه ورقة بها أسماء هؤلاء الشهود، ثم سلمها إلى كاتب الجلسة، وفتح ملفا قضائيا جديدا يتابع فيه متهمون بالاتجار في المخدرات وحيازتها وترويجها.