المتهم للقاضي في الحبس تناكل ونشرب بلا ما نحط حتى درهم

السبت 17 يناير 2009 - 09:04

تجمعت النساء في حلقات بالحديقة المحادية لمحكمة قضاء الأسرة بالدارالبيضاء، في انتظار فتح باب المحكمة.

كان الجو شديد البرودة، والغيوم تحجب أشعة الشمس الباهتة، اقتربت شابة في مقتبل العمر من إحدى الحلقات، محاولة مشاركة باقي النسوة في الحديث، الذي كان يدور حول ظلم الرجال لهن، ومعاناتهن في تربية الأولاد، ناهيك عن المجهود اليومي، الذي يبذلنهن بين الأشغال المنزلية والعمل، مقابل جحود الزوج. تنهدت الشابة، وهي تلف المنديل الصوفي فوق رأسها، قائلة "الرجالة كلهم بحال بحال، تصحبني غير أنا اللي تقولبت".
التفتت النساء بدهشة إلى الوافدة الجديدة، التي أقحمت نفسها داخل الحديث، وردت عليها امرأة غزا الشيب شعرها وعصفت السنوات بنظارة وجهها فبدا شاحبا، "مالك أبنيت، باق صغيرة على هاذ التنهيدة الحارة"، فاستطردت الشابة "كبرت قبل من الوقت، ومشاكل الحياة علمتني أن عمر الإنسان لا يحسب بالسنوات، بل بما عاشه من معاناة"، لملمت خصلات شعرها وأضافت "تزوجت وأنا لم أبلغ بعد سن الرشد، في حين يكبرني زوجي بحوالي 25 سنة، كنت أظن أن بارتباطي برجل أكبر مني سنا سأعيش حياة سعيدة، لكنه أراني العذاب أشكالا وألوانا وذقت منه مرارة الحياة، فأصبحت أشتهي الموت وأفضلها على الحياة بجانبه، كان كثير الشك يحاسبني على كل حركة ولا يتوجه إلي بالحديث إلا آمرا، فضقت ذرعا به، وحين لجأت إلى منزل عائلتي لأحتمي ب من ظلمه، نهرتني أمي وقالت لي إن فكرة الطلاق في العائلة ليست واردة، وعلي أن أتحمل زوجي إلى أن ينتهي أجل أحدنا، فعدت إليه مرغمة. أحس زوجي بمساندة عائلتي له، فتمادى في جبروته وأصبح يتلذذ في تعذيبي، إذ كان يضربني لأتفه الأسباب، بالإضافة إلى ممارساته الجنسية الشاذة، دون أن أتمكن من فعل أي شيء، بحيث كان يشبعني شتما، إذا ما رفضت الإذعان لطلباته متحججة بالمرض. وبعد سنة من العذاب، قررت اللجوء إلى القضاء، ورفعت دعوى للشقاق، رغم معارضة أسرتي".

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة و30 دقيقة، حين افتتح باب المحكمة، وتقدمت النساء الجالسات في حديقة "الحبوس" نحوه مهرولات، إلا أن قاعة الجلسات لم تفتح أبوابها بعد، ما جعلهن يتجمعن مجددا لاستكمال حديثهن المثقل بنبرات الحزن. بدأت إحداهن برواية قصة ابنتها، التي كانت ترافقها، شابة جميلة، ممتلئة الخدود،لم تتجاوز بعد الثلاثين من عمرها، طلقت منذ 12 سنة، إذ لم يستمر زواجها 6 أشهر، وتنتظر البت في قضية النفقة، التي يرفض زوجها تقديمها، متحججا بضيق حاله، وفي كل مرة، حسب الأم، يفضل الدخول إلى السجن بدل تنفيذ حكم قضاء النفقة. ولولا كرم أمها عليها لتشردت في الشارع، بعد أن أصبحت عالة عليها وعلى المجتمع الذي لم يرحمها بالكلام الجارح، ووجدت زوجة أخيها في المنزل ولم ترحب أبدا بعودتها. وعادت مجددا لتلتجئ إلى العدالة بعد وفاة والدها، لإنصافها وحفظ حقوقها، وأضافت أنه لم يسدد لها حتى نفقة العدة.

وفي حدود التاسعة والنصف، افتتح باب قاعة الجلسات، وتدافع المتقاضون من أجل الدخول إلى القاعة، التي امتلأت عن آخرها، ووقف أكثر الموجودين في جنباتها، من بينهم نساء يحملن أطفالهن الرضع. عم صوت رهيب، حين دخلت هيئة الحكم القاعة، وبدأ القاضي في تفحص الملفات الموضوعة بجانبه، وبالصدفة، اختار النظر في نفقة قضية الشابة الجميلة، التي تقدمت أمامه بخطوات متثاقلة، في حين رافقها رجل ضعيف البنية،

يبدو أنه طليقها، سأله القاضي: أشنو عندك مع هاذ لمرة؟
المتهم: غير قضية النفقة

القاضي: علاش ما بغيتيش تعطي النفقة لمرتك ولولدك؟

المتهم: ما كرهتش أساعدت القاضي.

القاضي: كيفاش ما قدرتيش ؟

المتهم: ما عندي منين نعطيها، ما خدامش.

القاضي: ومنين تتعيش؟

المتهم: غير تنبريكولي مرة مرة.

القاضي: فاش؟

المتهم: تنبيع بياسات في درب غلف.

القاضي: وما حرامش عليك تخلي هاذ الطفل وأمه بلا نفقة. هاذي ماشي لمرة الأولى اللي كترفض تعطيها؟

المتهم: بصح، لكن راني ماكرهتش، وتندخل للحبس علا هاذ شي، فيه تناكل ونشرب بلا ما نحط حتى درهم.

القاضي: وهاذ المرة غاذي تعطيها ؟


المتهم: غادي نحاول نتسلف من عند الأصدقاء ونعطيها.

أجل القاضي الحكم في القضية إلى الأسبوع المقبل، وتابع النظر في باقي الملفات، التي تضمنت أكثرها قضايا مماثلة، بين النفقة والطلاق من أجل الشقاق.




تابعونا على فيسبوك