تنظر غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء، في قضية متهم معاق متابع بجناية القتل دون نية إحداثه.
وتعود وقائع الحادث حين نشب نزاع بين المتهم والضحية لأسباب بسيطة، فرقت بين الصديقين وقادت أحدهما إلى السجن والآخر للمقبرة.
غادر محمد المدرسة مبكرا، بعدما حالت إعاقته دون مواصلته دراسته، لأنه كان يوميا يتحمل عناء التنقل من منزله إلى الإعدادية التي تبعد عن مقر سكنه، بعد مدة وجيزة، تحول محمد من تلميذ إلى بائع متجول للخضر، ليدخل عالم التجارة من بابه الواسع. تعرف محمد على أصدقاء جدد أغلبهم باعة متجولون كان من بينهم عبد الحكيم الذي سرعان ما تعرف على محمد وتوطدت العلاقة بينهما، بعد أن تعرف كل واحد منهما على ظروف الآخر وأسرته.
كان محمد يتحدى دائما إعاقته، محاولا إخفاء عجزه أمام أصدقائه، خاصة عبد الحكيم، الذي كان بين الفينة والأخرى يستهزئ منه بنعته "العرج"، غير أن محمد كان ينجح دائما في إخفاء مشاعر التذمر والإحباط، التي تنتابه بابتسامة خفيفة تخفي أشياء كثيرة.
توالت اللقاءات بين الأصدقاء، وخلال ليلة باردة اجتمع الكل في منزل مهجور لاحتساء النبيذ وتبادل أطراف الحديث، غير أن جلسة السمر سرعان ما تحولت إلى معركة حامية الوطيس دارت رحاها بين محمد وعبد الحكيم، هذا الأخير الذي نعته بـ"العرج" أمام أصدقائه، ما جعل المتهم يدخل في صراع بالأيدي مع عبد الحكيم، الذي لم يعر اهتماما لإعاقة صديقه وعنفه، قبل أن يتدخل الأصدقاء لفض النزاع.
انصرف الجميع، لكن عبد الحكيم لم يستسغ مقاومة محمد المعاق ومبارزته له، فقرر الانتقام منه، إذ لحق به، ودون أي مقدمات حاول خنقه بيديه، لكن محمد تمكن من الإفلات من قبضته وفر هاربا نحو منزلهم، حيث حمل سكينا قصد تخويف الضحية الذي هاجمه وشدد الخناق عليه، قبل أن يطعنه المتهم دون عمد لتنتهي فصول مواجهة دارت بين صديقين لأسباب بسيطة.
اندهش محمد عندما رأى الدماء تنزف من جسد الضحية، فحاول مساعدته بنقله إلى منزله لتقديم الإسعافات الضرورية، لكن عبد الحكيم خارت قواه فتمدد على الأرض، وفي تلك الأثناء ركض محمد باتجاه منزل سائق سيارة الإسعاف، متوسلا إياه لإنقاذ عبد الحكيم، وهو يتذكر الدماء التي غطت ملابسه وأنينه الذي ظل لا يفارق أذنه طيلة المسافة الفاصلة بين مسرح الحادث وسكنى السائق، قبل أن يقرر التوجه إلى مصلحة الأمن لإخبار عناصره بتفاصيل الحادث، مركزا على أن الجريمة وقعت بالصدفة.
دقائق معدودة، وقفت سيارة الإسعاف أمام جثة عبد الحكيم الذي تبين أنه فارق الحياة، متأثرا بجراحه.
قبل الاستماع للمتهم من طرف عناصر الشرطة القضائية، ظل محمد يتذكر علاقته المتينة بعبد الحكيم والليالي التي كان يقضيها بمنزل عائلته، إضافة إلى السهرات التي كانا يقضيانها معا، متذكرا أوقات جميلة قضاها، ومتناسيا إعاقته التي كانت دائما حاجزا بينه وبين الكثيرين من أبناء حيه.
أخذ يسترجع شريط ذكرياته مع صديق حميم كان يعول عليه كثيرا بعد أن غادر أسوار المدرسة.
وتذكر اليوم الأول الذي جمع بينهما في السوق، وكيف رحب به وحببه في التجارة، وساعده على كسب مورد رزق جديد، وفجأة انهمرت الدموع من عينيه بعد أن اختفت الابتسامة من وجهه وقال أمام الشرطة: "لم أقصد قتله.. هو الذي دفعني لهذا"
صرح محمد أمام عناصر الشرطة القضائية، أنه لم تكن لديه نية القتل العمد وأن الضحية صديقه كان يستهزئ دائما من إعاقته، وأن كلام عبد الحكيم الجارح وقهقهات الأصدقاء المتعالية جعلت محمد يتضايق لينشب النزاع بينهما ويتحول إلى جريمة قتل غير متعمدة.
أحيل محمد بعد إنهاء الاستماع إليه وتعزيز المحاضر الرسمية بأقوال العديد من الشهود، متابعا بتهمة الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه.