بدت قاعة الجلسات بالمحكمة الابتدائية بالمحمدية ممتلئة عن آخرها، بعض الحاضرين جاءوا من قرى مجاورة لتتبع ملفات أغلبها قضايا أحوال الأسرة.
نساء يقفن متكئات على جنبات القاعة، يحملن أطفالهن على ظهورهن، وعلامات الحزن بادية على وجوههن المصبوغة بلون الشمس. استغلت إحداهن غياب الشرطي قبل بدء الجلسة، لتسرد حكايتها مع زوجها، الذي خانها بعد زواج دام 20 سنة، فقدت خلالها زهرة شبابها، وقالت متنهدة "رماني عظما بعد أن أكلني لحما، كما يقول المصريون، سنوات من النضال، كنت أساعده في مصروف البيت، وكنت أعمل منذ زواجي به في شركات الخياطة، كم انكببت على آلات "السورجي" لساعات من أجل توفير المزيد من المال، إلى أن أصبت بمرض عرق النسا (السياتيك)، فاضطررت إلى الجلوس في البيت، بعدها تغيرت معاملة زوجي، الذي بدأ يتغيب عن البيت، ويتحجج بالعمل، لكنه كان يواعد امرأة أخرى، وأصبت بصدمة قوية بعد أن أخبرتني إحدى صديقاتي أن زوجي يعاشرها، وأنه اكترى لها بيتا بالحي المحمدي بالدارالبيضاء، ونصحتني بأن أتروى وأن أكون حكيمة في تصرفاتي. لم أستطع الصبر، وذهبت أبحث عن منزلها، لأكتشف أنه أنجب منها طفلة تبلغ سنتين.
وتأكدت أن علاقتها به غير شرعية، إذ لم يتمكن من إبرام عقد الزواج بها، دون إخباري".
أثارت المرأة انتباه الحاضرين، خاصة النساء منهم، واغرورقت عيون بعضهن، اللاتي كن يتنهدن ويحركن رؤوسهن حركات دائرية، ورددت إحداهن "أحياني، الرجال ما فيهم أمان، ما تيعقل على والو". وبفضول، طلبت أخرى من المرأة الاسترسال في قصتها قائلة "وأشنو عملت الحبيبة ؟"، فأجابتها أنها واجهته بالأمر، فاعترف بأنه تعرف على خليلته منذ 3 سنوات، ولا يمكنه هجرها، لأنه أنجب منها طفلة لا ذنب لها، فرفعت ضده دعوى لمتابعته بالفساد، وأخرى للطلاق من أجل الشقاق.
ومع انتهاء كلام المرأة، دخل الشرطي، وفرق النساء، اللاتي كن متجمعات حول المرأة، وأمرهن بالتزام الصمت، والجلوس في مقاعدهن، استعدادا لبدء الجلسة.
وقبيل دخول هيئة الحكم، أثار حضور امرأتين أجنبيتين اهتمام الكثير من الموجودين داخل القاعة، الذين التفتوا بعد أن سمعوا حديثهما بلغة غريبة، لا بالفرنسية ولا الإنجليزية ولا الإسبانية، فتساءل البعض بهمسات عن هويتهما، وسبب حضورهما إلى المحكمة. لم يدم الاستغراب طويلا بعد بدء الجلسة، إذ تبين أنهما رفيقتا أظناء من الجنسية الرومانية، متابعون بالمتاجرة في المخدرات والفساد، اعتقلوا مع مغاربة، من بينهم أربعة نساء، وهم يحضرون لعملية تهريب 200كيلو غرام من مخدر الشيرا، وجد جزء منها محشوا في قطع حلوى تقليدية، في حين وضع جزء آخر في علب بلاستيكية على شكل لفافات كانت معدة للتصدير نحو إسبانيا.
ولم تخلو القاعة من محادثات باللغة الرومانية بين الأضناء 3 والرومانيتين الجميلتين. و بدت من ملامحهما، رغم أناقتهما ولباسهما الضيق على أحدث صيحات الموضة والإكسسوارات التي تزين ذراعيهما و عنقيهما وحتى شفتيهما، إذ تضع إحداهما حلقة في شفتها السفلى، علامات التوتر والارتباك، في حين بدت الأخرى، كانت تشرب من حين لآخر من قارورة صودا وتضرب برجلها الأرض، قلقة وهي تحاور أحد المتهمين. كان الشرطي متساهلا معهما، ولم يأمرهما بالسكوت، إلا بعد أن دخلت هيئة المحكمة القاعة.
وبحركات اعتيادية، بدأ القاضي، رئيس الجلسة، يتصفح الملفات المتراصة أمامه، ونادى على ملف شبكة الرومانيين والمغاربة المتهمين بالمتاجرة في المخدرات والفساد، وتقدم مجموعة من المحامين لتسجيل إنابتهم على الأظناء، إضافة إلى حضور أستاذ جامعي لترجمة أقوال الرومانيين. وبعد التأكد من هوية إحدى المتهمات، سألها القاضي عن المخدرات، التي ضبطت داخل أكياس للحلوى، فأجابت قائلة: لم أكن على علم بوجود المخدرات في المنزل.
القاضي: لم تشاركي في صنع الحلوى، التي كانت محشوة بالشيرا ؟
المتهمة: اعترف أنني أتيت لمضاجعة الروماني المدعو (ن.و)، وأني مارست معه الجنس من الدبر، لأني عذراء، أما المخدرات فلا أعلم عنها شيئا، كما أنني لم أصنع في حياتي حلوى تقليدية، حتي في المناسبات الدينية.
القاضي: كم المبلغ، الذي حصلت عليه مقابل ذلك؟
المتهمة: قضيت معه الليلة كاملة مقابل 250 درهما.
القاضي: تمارسين الدعارة وأنت لم تتجاوزي 20 سنة،كما أنك مازلت تلميذة، والمستقبل أمامك؟
المتهمة: ظروف أسرتي قاسية، عائلتي تسكن في سيدي قاسم، في حين أعيش وحدي في القنيطرة، حيث أتابع تكويني في مجال المعلوميات، وأمارس الدعارة لأعتمد على نفسي، فأسرتي فقيرة ولا تستطيع توفير مصروفي.
لم تتمالك إحدى المتهمات نفسها، فانهارت بكاء وانتابتها حالة نفسية ظهرت، خلالها، وكأنها ستسقط مغشى عليها، لولا تدخل رئيس المحكمة، الذي أمر بإخراجها من القاعة المكتظة بعشرات الأشخاص، ورفعت الجلسة للاستراحة. لترجع بعد انطلاق الجلسة والدموع تكاد تفر من عينيها. وازداد توتر المتهمة بعد رفض المطالب بالحق العام السراح المؤقت، وكان قاسيا مع المتهمات الثلاثة في مرافعته، إذ نعتهن بـ "العاهرات"، قائلا: "أمثالهن يشوهن صورة المرأة المغربية لدى الأجانب، إذ مقابل حفنة من الدراهم، يستسلمن لأجانب يعلم الله من أين جاءوا، غير آبهات بعواقب تصرفاتهن، ولا بالأمراض التي يمكن أن يصبن بها، لذلك، لا يجب التساهل معهن، وأطالب بأقسى العقوبات ضدهن".
و أكد دفاع المتهمات أنهن يتعرضن لشتى أنواع التنكيل والشتم داخل جدران السجن المحلي بمدينة المحمدية وهو ما يزيد من معاناتهن، خاصة و أن ليس لهن سوابق عدلية، والتمس السراح المؤقت لجميعهن رأفة بهن.