المتهم للقاضي: سخونية الراس خلاتني نهدد الركاب بالجنوي

السبت 13 دجنبر 2008 - 09:13

تدافع حشود المواطنين ببهو المحكمة الابتدائية بالمحمدية، الأسبوع الماضي، في انتظار الدخول إلى القاعة رقم 8. كان اليوم ممطرا وشديد البرودة، التصق بعض الحاضرين.

خاصة النساء، بالحائط من أجل الاحتماء من زخات المطر، التي بدأت تتكاثر، ما دفع الشرطي إلى فتح باب القاعة، حيث دخلوا مسرعين للجلوس فوق الكراسي، في حين وقف الكثير منهم في آخر القاعة متكئين على الحائط.

علت الأصوات المختلطة بصراخ الأطفال وصوت المطر، ما جعل الشرطي يأمر الحاضرين بالتزام الصمت، خاصة أن هيئة الحكم ستدخل القاعة، إلا أن أحد الرضع لم يكف عن البكاء، ما أثار غضب الشرطي، الذي صرخ في وجه أمه قائلا "لا أفهم لماذا تصطحبون أطفالا رضعا إلى المحكمة، خاصة في مثل هذه الأجواء الممطرة، ألا تخشين مرضه، عيلات آخر زمن". ثم أمرها بالخروج من القاعة إلى حين هدوء الطفل. دخل القاضي والمستشارون، فساد صمت رهيب، وبدأ القاضي، رئيس الجلسة، يتصفح الملفات المتراصة أمامه، فاختار أولها، ونادى، بصوت رخيم، المتهم، الذي يتابع، رفقة شابين آخرين، بتهم "السكر العلني والتخدير وحيازة سلاح أبيض والتهديد بواسطته وإحداث فوضى والسب والقذف" ليمثل أمامه، وبخطى متثاقلة، وقف أمام القاضي واضعا يديه خلف ظهره، مطأطئا رأسه. كان شابا في ربيعه الثاني، يبدو على ملامحه البدوية الحزن، وبعد التأكد من بياناته الشخصية، سأله القاضي عن سبب حمله السلاح وتهديد ركاب الحافلة رقم 900، ما أثار ذعرهم، فأجابه المتهم قائلا:

ما عقلتش على راسي، وسخونية الراس، أسي القاضي، خلاتني نهدد الركاب بالجنوي
القاضي: غير سكرتي وعربطي، ما ذنب الركاب، الذين تعرضوا لشتى أنواع السب والبصق، هل كان هدفكم السرقة ؟

المتهم: احتسينا الخمر الأحمر وقنينات الجعة وأخذ كل واحد منا حبتين من القرقوبي، وحين امتطينا الحافلة، كنا في حالة غير طبيعية، ولم نتحكم في تصرفاتنا حينها، كنا نرقص ونغني، ما أثار حفيظة بعض الركاب، الذين دخلوا في مشاداة كلامية معنا، فدافعنا عن أنفسنا.

القاضي: من أين اشتريتم الخمر والمخدرات؟

المتهم: اشترينا الخمر من أحد المراكز التجارية الكبرى بالمحمدية، أما أقراص "القرقوبي" اقتنيناها من أحد بائعي المخدرات بمدينة الدار البيضاء بـ 15 درهما للقرص.

القاضي: ما اسمه؟

المتهم: نجهل هويته، فنحن اشتريناها صدفة من أحد الأشخاص بالشارع.

القاضي: أي شارع؟

المتهم: شارع الشجر بحي سباتة.

القاضي: والسكاكين التي كانت بحوزتكم؟

المتهم: نستعملها استعمالات شخصية فقط.

باستغراب سأله القاضي: تستعملون سكاكين بأحجام كبيرة، ما نوع هذه الاستعمالات الشخصية؟

المتهم: نفتح بها علب السردين وأشياء مماثلة، لم تكن في نيتنا التهديد بواسطتها.
أمر القاضي بعودة المتهم إلى مكانه، وبالخطى المتثاقلة ذاتها، جلس الظنين فوق الكرسي الخشبي، وعلامات الندم بادية عليه.

نادى القاضي على شاهدة في الملف، شابة في الثلاثين من عمرها، كانت ترتدي جلبابا بني اللون وتضع على رأسها منديلا أسود، ترافقها امرأة مسنة، وطفل رضيع تلفه في منديل صوفي مخطط بالأبيض والأخضر تركته بين ذراعي المرأة، التي يبدو أنها أمها.

صرحت للقاضي أنها تسكن بحي سباتة في الدار البيضاء وقدمت، يوم الحادث، إلى المحمدية لزيارة صديقتها، وعند عودتها في نهاية اليوم، وعلى تمام الساعة السابعة والنصف، استقلت الحافلة رقم 900 الرابطة بين مدينتي الدار البيضاء والمحمدية. وبعد فشلها في إيجاد مقعد شاغر وقفت بين الحشود المتراصة وسط الحافلة، وبعد انطلاقها صعد ثلاثة أشخاص وقفوا بجانبها، وكانوا في حالة غير طبيعية، وتفوح منهم رائحة الكحول، فحاولت تجنبهم، إلا أنهم أحسوا بانزعاجها من مظهرهم فبدأوا بسبها والبصق عليها، ولم يكتفوا بذلك، إذ تهجموا على كافة الراكبين، رجالا ونساء وأطفالا، متلفظين بكلام قبيح، لاعنين كل من حاول التدخل لتهدئة الوضع. وأضافت قائلة "أشهر ذلك الشاب جنوي وهدد الركاب باستعماله في حالة تدمر أحدهم، لم يكترث ولا واحد منهم لتوسلات بعض النساء، اللاتي حاولن استعطافهم، لكنهم كانوا في حالة هستيرية، وكأنهم فقدوا عقلهم، ولم يهدأوا، إلا بعد حضور الشرطة".

ظل الجميع يتابع تصريحات الشاهدة باهتمام مبالغ فيه، ما جعل أحد الحاضرين يكسر صمت القاعة بكلمات رددها همسا وكأنه يخاطبها "برافو عليك منين شهدتي، ما خفتيش يضربوك". ثم سكت بعد أن أشار إليه الشرطي.

بعد الاستماع إلى باقي المتهمين، حجز القاضي الملف إلى آخر الجلسة للحكم فيه.

اختلفت فصول جرائم الملفات المعروضة ذاك اليوم، ما بين السرقة والضرب والجرح والمتاجرة في المخدرات واستهلاكها، ما استهوى العديد من الحاضرين، الذين لم يبرحوا قاعة المحكمة منذ بداية الجلسة حتى نهايتها. وبحركات سريعة، أجل القاضي النظر في ملفات عدة إلى جلسة الاثنين المقبل، تحت طلب هيئة الدفاع. كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة حين رفع القاضي الجلسة للاستراحة 5 دقائق، استغلها الحاضرون في الخروج إلى بهو المحكمة بعد أن توقفت الأمطار، وبزغت في كبد السماء شمس مستحية عن الظهور، في حين استغلت امرأة فترة الاستراحة لإرضاع طفلها، الذي كان يطلق صرخات من حين إلى آخر أثناء الجلسة.




تابعونا على فيسبوك