وقف الحاضرون أمام قاعة الجلسات بمحكمة قضاء الأسرة في الدار البيضاء، متزاحمين أمام الباب الرئيسي للقاعة، نساء ورجالا.
بعضهم لم يجد مكانا يجلس فيه بعد أن امتلأت القاعة عن آخرها بمجرد أن فتح الباب الرئيسي في وجوههم، وهرول الجميع للظفر بمقعد ضمن الكراسي الخشبية الطويلة، التي تؤثث فضاء القاعة.
كانت عقارب الساعة تشير إلى التاسعة والنصف صباحا، كان يوما ماطرا وباردا،
جميع المتقاضين كانوا ينتظرون منذ الصباح الباكر فتح أبواب محكمة الأسرة, وبدأت الاستفسارات والأسئلة بينهم عن المرحلة، التي وصلت إليها ملفاتهم قبل الدخول إلى قاعات المحكمة.
كانت من بين الحاضرين، الذين فسحوا لها المجال للدخول إلى قاعة الجلسات، امرأة بدينة في عقدها الستين، ترتدي جلبابا ومعطفا أبيض اللون، تبادلت التحايا مع عدد من الحاضرين، ويبدو أن هناك معرفة سابقة بينهم، فهي تعطي نصائحها الفريدة حول المحامين والقضاء بهذه المحكمة، وتدعي معرفتها بكل شيء يدور داخلها، فالمرأة الستينية رفعت ثلاث قضايا نفقة ضد أزواج بناتها، بعد استحالة العيش معهم تحت سقف بيت الزوجية, واكتسبت خبرة كبيرة في هذه القضايا وخباياها، وتضحك المرأة البدينة كثيرا حين يطلب أحد مساعدتها في ذلك وهي تقول "إن أصعب القضايا يمكن حلها في أقرب الآجال, شرط أن يكون مقابل الخدمة مرتفعا".
ولفتت صاحبة المعطف الأبيض انتباه الحاضرين أمام محكمة الأسرة بصوتها المرتفع، وجرأتها في الإجابة عن جميع الاستفسارات بما فيها غير الموجهة إليها.
خارج قاعة المحكمة، جلست شابة كانت ترتعش من شدة البرد, وجهها شاحب وتغطي رأسها بمنديل صوفي، وإلى جانبها كانت تجلس طفلتها، التي لم تتجاوز ربيعها الخامس، كانت تمسك بقوة على أصابع يدي طفلتها، وتنفخ فيهما بين الحين والآخر، في محاولة لتدفئتهما.
حضرت الأم الشابة إلى المحكمة لتمثل أمام القاضي، بعد رفعها لدعوى إهمال الأسرة ضد زوجها، الذي رفض أن يصرف عليها وعلى أبنائه الثلاثة منذ سنتين, واعترفت الأم لإحدى النساء، التي كانت تجلس إلى جانبها، أنها لا تتوفر على دخل قار لتغطية مصاريف دراسة أبنائها واحتياجاتهم اليومية، كما أنها تعاني المرض ولا تستطيع العمل بشكل متواصل خادمة للبيوت لإعالة أطفالها.
شرعت إحدى الشابات في الولوج والخروج من قاعة المحكمة، كان شعرها طويلا, وقوامها رشيقا, ويبدو أنها لفتت انتباه بعض الحاضرين، في حين لم يخف البعض الآخر انزعاجه من لباسها المثير، لكنها كانت فقط تبحث عن إحدى صديقاتها، التي ستنظر المحكمة في قضيتها ذلك اليوم، وبادرت المرأة البدينة الأم الشابة رفقة طفلتها بالقول "إنها شابة شجاعة, بدأت مهنة التجارة بعد رفعها قضية طلاق خلع ضد زوجها, الذي كان يضربها ويرفض الإنفاق عليها".
لم تجد سيدة مسنة جوابا عن استفساراتها حول ما تضمنه استدعاء كانت تحمله في يدها، وتقدمه للحاضرين بمحاذاة مع قاعة الجلسات، قبل أن تلتحق بها ابنتها, التي قادتها إلى القاعة رقم 2 ، التي تتداول فيها قضايا تصحيح الأسماء وتواريخ الميلاد.
داخل قاعة الجلسات، جلست الأم العجوز إلى جانب ابنتها الشابة، وشرعت في سرد مأساة ابنتها لإحدى النساء الجالسات إلى جانبها، وكانت الأخيرة تطلب منها باستمرار أن تخفض صوتها.
بعد ربع ساعة تقريبا، دخلت هيئة الحكم إلى القاعة، وشرع القاضي بعد الإعلان عن انطلاق الجلسة، في المناداة على الأشخاص الذين طرحت ملفاتهم أمامه, وكان الأشخاص الجالسون في الصفوف الخلفية لا يسمعون جيدا بسبب عدم وجود مكبر للصوت داخل القاعة، إضافة إلى الضجيج الذي كان يعم الممرات المحاذية لقاعة الجلسات, وهو ما تطلب تدخل بعض الأعوان.
كان القاضي ينظر في الملفات المتراكمة أمامه بسرعة، وبعد نصف ساعة تقريبا، ضرب بقوة فوق منصة الحكم، آمرا الحاضرين بالتزام الصمت، ثم نادى على الأم الشابة، التي كانت رفقة ابنتها، ونادى على زوجها، الذي حضر ومثل بدوره أمام القاضي.
طلب القاضي من الأم الشابة أن تعطي ابنتها إلى أحد الحاضرين إلى حين انتهاء النظر في ملف القضية، لكن الأخيرة لم ترغب في فراق أمها وشرعت في البكاء، فسكت القاضي لبرهة قبل أن يسمح لها بمثولها أمامه برفقتها، وتوجه بالسؤال إلى الأب: مالك مع مرتك؟
الزوج: وهو ينظر إليها وإلى ابنته "والو السي القاضي"
القاضي: كيفاش والو وهي رافعة عليك دعوى ديال النفقة والإهمال"
الزوج: راه غير وقعو بيني وبينها شي مشاكل وخرجت من الدار
والتفت القاضي نحو الزوجة، وسألها: واش هادشي الي تيقول راجلك صحيح؟
الزوجة: لا السي القاضي، راه عامين هادي وهو هاجرني ومخليني غير بوحدي تنخدم على ولادنا
القاضي: وعلاش
الزوجة: باغي يتزوج مرة اخرى قاليك أنا مريضة ومابقيت قادة عليه، وشرعت في البكاء وهي تحتضن طفلتها الصغيرة، ثم استطردت قائلة: من بعد ما ولدنا ثلاثة ديال الولاد وفنيت صحتي في خدمة الديور باش نعاونو ونربي لولاد، وغير مرضت رماني وبغا يتزوج عليا.
ساد الصمت داخل القاعة الممتلئة عن آخرها، وانطلقت الهمهمات وأصوات الشجب داخل القاعة، في حين، طاطأ الزوج رأسه نحو الأرض.
نظر إليه القاضي من تحت نظارته، وسأله عما سيجيب به على أقوال زوجته، فصمت قليلا ثم قال "ماعندي مانقول السي القاضي، الله يسامح، وراني مستعد ندير معاها اللازم".
أجل القاضي الحكم في القضية إلى الأسبوع المقبل، ورفع الجلسة، لكن العديد من المتقاضين هرولوا نحوه ليستفسروا عن ملفاتهم، التي لم يسمعوا عن مصيرها بسبب الضجيج وغياب مكبر الصوت.