قالت الشاعرة والروائية فاتحة مرشيد, إن مشاركتها في مهرجان المتنبي الشعري العالمي الثامن, كانت متميزة لأنها أكدت أن الإبداع ليست له حدود جغرافية أو عرقية.
وأضافت في حوار مع "المغربية" أنها إذا لم تكن شاعرة في الحياة فإنها لا تصلح أن تكتب الشعر, موضحة أنها ترفض المفاضلة بين كتاباتها الروائية وكتاباتها الشعرية, لأن التجربتين تتداخلان في انسجام تام.
وأشارت إلى أن المثقف العربي يحمل مسؤولية تصحيح نظرة الآخر تجاه الثقافة العربية والإنسان العربي بشكل عام, مؤكدة أن العولمة خدمت الإبداع عامة, والشعر بشكل خاص, إذ برزت أقلام عدة عبر شبكة الأنترنت, كان من المستحيل أن تجد فرصا لها للنشر في كتاب.
- في البداية, كيف كانت مشاركتك في مهرجان المتنبي الشعري العالمي الثامن بسويسرا؟
- كانت تجربة متميزة بالنسبة لي على جميع المستويات, خصوصا وأنني فوجئت بقارئة سويسرية, تبدي اهتماما كبيرا بديواني "أي سواد تخفي يا قوس قزح" الصادر باللغتين العربية والفرنسية, الذي ترجمه الأستاذ عبد الرحمن طنكول.
هذه القارئة سبق لها أن زارت مدينة طنجة, حيث اقتنت كتابي, والجميل أنها كانت حاضرة في المهرجان والتقتني هناك مبدية إعجابها, وأنها اقتنت نسخا من الكتاب هدية لأصدقائها. هذه من بين الأشياء التي أسعدتني كثيرا, وأعتقد أنه جميل أن تجد قراء لك خارج الوطن.
من جهة ثانية, هذا الحدث الجميل يجعلني أؤكد على أهمية الترجمة, التي أعتبرها تساهم بشكل كبير في التعريف بالمبدع, وأعتقد أنه لولا وجود الترجمة الفرنسية لكتابي لما تعرفت على القارئة السويسرية.
- المهرجان عرف حضور أسماء من مختلف بقاع العالم, فهل تساهم مثل هذه اللقاءات في تقريب الآراء؟
- كنت المرأة العربية الوحيدة, التي حضرت إلى جانب أصوات نسائية وذكورية في هذه الاحتفالية العالمية, والأكيد أن مثل هذه اللقاءات تتيح إمكانية التلاقح والحوار بين الثقافات, وإثراء التجارب من خلال الانفتاح على الآخر. لقد كان الشعر نقطة اللقاء لهذا الحوار الثقافي والإنساني, حيث تأكد من جديد أن الإبداع لايعترف بالمحلية, كما لايعترف بالتسميات الضيقة, شعر نسائي وشعر رجالي. لقد كان المهرجان بمثابة لحظة بوح سيطر فيها الإبداع في تجلياته الإنسانية, التي ترى المستقبل في تحقيق التعايش ونبذ كل أشكال الحقد, والابتعاد عن الرؤى الضيقة, التي صنفتنا نحن العرب في خانة الإرهابيين. وأعتقد أن "المتنبي" استطاع أن يجعل الآخر ينظر إلينا نظرة مغايرة, كما جعلنا نحن العرب أيضا نرى الوجه الآخر للثقافات الأخرى.
- ألا تعتقدين أن المثقف العربي يتحمل جزء من المسؤولية في تغيير نظرة الآخر تجاهنا؟
- هذا أكيد, لأن المثقف يستطيع أن يحقق ما لم يستطع السياسيون تحقيقه, خصوصا فيما يتعلق بتعريف الآخر بما هو جميل في الثقافة العربية, وبما هو جميل في الإنسان العربي. من مسؤولية المثقف أن ينخرط في التغيير وأن يكون له حضور وازن في مختلف القضايا التي تهمه داخليا أو خارجيا.
- هل الشعر اليوم بخير؟
- أنا متفائلة, وأقول أن الشعر بخير, يكفي أن نقف على كم الإصدارات الموجودة الآن, من دون أن نتحدث عن الكيف لأنها مهمة موكولة للنقاد. أعتقد أن وتيرة الإصدارات تتصاعد باستمرار, وهناك أقلام جديدة, وإبداع متواصل, وهذا دليل على أن الشعر حاضر وسيبقى ضدا على كل الآراء التي تقول بتراجعه أو موته. نحن في حاجة إلى الشعر, مثل حاجتنا إلى كل أنواع الإبداع من سينما وموسيقى وتشكيل وغيرها, فهذا ما يجعلنا نرقى ونسمو إلى أعلى درجات الإنسانية. إن الإبداع هو الذي يميزنا عن الحيوان, إنه غذاء روحي, وأنا أعترف هنا أن الشعر سيبقى خالدا مادامت هناك إبداعات تتجدد.
ورغم ما يقال عن سلبيات العولمة فأنا أعتقد أنها خدمت الإبداع عامة, والشعر بشكل خاص, إذ برزت أقلام عدة عبر شبكة الأنترنت, كان من المستحيل أن تجد فرصا لها للنشر في كتاب.
- ما هي حدود الذات المبدعة في كتابات فاتحة مرشيد؟
-أومن بأن الكتابة هي كتابة الذات أولا, لأنها الشرارة الأولى التي ينطلق منها الكاتب نحو العام.
إن الكاتب كما قال أحدهم, يحفر في ذاته, بمعنى أنه ينطلق من ذاته, وكتابته لا تبلغ مداها إلا إذا استطاع أن يقطع ذلك الحبل السري بينه وبين ذاته, ليخاطب العالم ككل. لذلك فأنا أرى أن الكتابة, هي كتابة الذات قبل كل شيء, من دون أن تبقى منحصرة فيها. فالذات تعطيها المصداقية التي يتطلبها الإبداع, وأعتقد أن الكاتب كلما كان صادقا مع نفسه كلما وصل بشكل صحيح إلى الآخر.
- ما هي الحدود الفاصلة بين الكتابة الروائية والكتابة الشعرية في إبداعاتك؟
- لا أحب المفاضلة بين الشعر والرواية, بالنسبة لي عناصر الإبداع كلها تصب في بعضها البعض, وتغتني من بعضها البعض, ليست هناك حدود بينها, أنا أقول إنني شاعرة في الشعر, وشاعرة في الرواية, وشاعرة في الحياة, وشاعرة في ممارستي للطب, يبقى فقط أن هذا الشعر قد يتمثل مرة في الرواية, ومرة في القصة أو في شكل لوحة تشكيلية, أو يظهر في اليومي من خلال تعاملي مع الآخر في نظرتي للعالم, ولأنني كتبت الرواية وكتبت الشعر, فأنا أعتقد أن الفكرة هي التي تفرض علي صيغة الكتابة. إننا لا نختار أن نكون شعراء أو أن نكون روائيين.
وهنا أسترجع أحد اللقاءات التي أجريتها سابقا, وسئلت ساعتها هل أفكر في كتابة الرواية, فقلت "لست صالحة لكتابة الرواية", لكن مع الوقت وجدت أن الرواية فرضت نفسها كما فرض الشعر نفسه من قبل, من دون استئذان, ما جعلني أومن الآن بأن لافرق بينهما, ففي رواياتي يحضر الشعر كثيرا, كما يحضر السرد في أشعاري. وأعتقد أنني إذا لم أكن شاعرة في الحياة فلا أصلح أن أكتب الشعر.
- هل هناك مشاريع جديدة؟
- هناك ديوان قيد الطبع لدى المركز الثقافي العربي عنوانه "آخر الطريق أوله", يضم 10 قصائد, ذات نفس طويل, أبدأها بقصيدة طويلة كتبتها في رثاء والدي رحمه الله " يوميات الحزن بجدة", تتكون على الأقل من ثلاثين صفحة, إضافة إلى قصائد أخرى ذات نفس طويل أيضا وبعضها يحمل نفسا سرديا, وهو ما يؤكد قولي سابقا أن لا حدود عندي بين الرواية والشعر.
الجديد أيضا, عبارة عن قصيدة في ديوان, قصيدة واحدة تحتل مساحة الديوان كله, نشتغل حاليا على رسم الغلاف وبعض الرسومات الداخلية له, كما أنني بصدد إنهاء كتابة رواية ثانية.
ابتدأت الشاعرة فاتحة مرشيد سلسلة القراءات الشعرية التي تضمنها مهرجان المتنبي الشعري الثامن, الذي يقيمه سنويا المركز الثقافي العربي السويسري في خمس مدن سويسرية هي, زيورخ، وبازل، وبيرن، وجنيف، ولوكانو, إذ قرأت عدداً من نصوصها القصيرة المعتمدة على مفارقة المعنى بلغة شفافة لامست إشكاليات حياتية للمرأة الإنسان, في علاقتها بالآخر الرجل والآخر المجتمع, وصاحبتها في الترجمة الألمانية التيأنجزها روديغر فيشر, الممثلة النمساوية أنـا كارغر.
وتقول مرشيد في قصيدة رشفات:
أسر
لماذا
كلّما اسْتهواني المَدى
يأسِرُني الجسد؟
كي تحيا
كما الموجُ
ينفثُ
أنفاسه الأخيرة
على الرّمل
الذي لا يرتوي
أموتُ مرّاتٍ
لكي تحيا