هذا الكتاب لمؤلفه الدكتور مختار الفجاري يمثل محاولة جريئة غير مسبوقة لنقد مشروع نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون، وهو نقد تأتي أهميته من أنه من داخل المشروع وليس خارجه، فالمؤلف وفي إطار نقده لما توجد عليه الثقافة الإسلامية وما يعتبره عقمها
، ألا وهو العقل الإسلامي المنتج للمعرفة وهو هنا فإن المؤلف يشير إلى أهمية تناول أركون بالنقد إنطلاقا من أنه واحد من الذين جمعوا بين ميزتين هما استيعاب المدونة المفهومية الضخمة للفكر النقدي المعاصر من ناحية والإلمام بتاريخ الفكر الإسلامي وتشعباته وتعقيداته من ناحية أخرى، فضلا عن أنه يندرج ضمن مرحلة معينة من مراحل الفكر العربي الإسلامي المعاصر هي مرحلة نقد الأسس المكونة لهذا الفكر
فإن المؤلف يشير إلى أهمية تناول أركون بالنقد إنطلاقا من أنه واحد من الذين جمعوا بين ميزتين هما استيعاب المدونة المفهومية الضخمة للفكر النقدي المعاصر من ناحية والإلمام بتاريخ الفكر الإسلامي وتشعباته وتعقيداته من ناحية أخرى فضلا عن أنه يندرج ضمن مرحلة معينة من مراحل الفكر العربي الإسلامي المعاصر هي مرحلة نقد الأسس المكونة لهذا الفكر
وهو النقد الذي غاب عن نصوص الفكر العربي الحديث في مرحلتيه السابقتين النهضة والثورة اللتين استمرتا على امتداد قرن انشغل خلاله المفكرون بنقد المجتمع في أبعاده التنظيمية وتجلياته الأدبية وبناه المختلفة من دون النظر إلى المبادئ والقوانين التي ولدتها وإزاء اتساع الكتابات التي قدمها أركون من خلال مقالاته باعتبار أنه، كما يذكر الكتاب، لم يؤلف كتبا بقدر ما كان كاتب مقالات على امتداد فترة زمنية تقارب الثلاثين عاما، يشير الفجاري إلى أنه سيعتمد في نقد مشروع أركون الفكري ثلاثة أعمال هي »في سبيل نقد للعقل الإسلامي«، و»قراءات في القرآن، والفكر الإسلامي نقد واجتهاد
وفي تناوله للعقل الإسلامي عند أركون فإن المؤلف لا يلتزم البناء الذي قدمه أركون من خلال كتبه أو مقالاته وإنما تتبعه في ثنايا نصوصه التي أشار اليها وتمثلها ثم أعدها وفق رؤية وتصور شخصيين واعتمده منطلقا لتحديث الفكر الإسلامي وإصلاحه
في هذا الإطار يعرض المؤلف لمنهج أركون الموسوم بـ الإسلاميات التطبيقية مخالفا بذلك الإستشراق والمناهج التقليدية، ثم مفهوم العقل الإسلامي متطرقا إلى مفهوم العقل عموما وعلاقته بـ الإسلامي منتقلا إلى مفهوم العقل الإسلامي التأسيسي ثم البنية الخارجية للعقل الإسلامي وكيف يدرج أركون هذه البنية ضمن بنية أشمل هي بنية العقل الديني عموما ساعيا بذلك إلى اعادة توحيد الوعي الديني ثم تطرق الفجاري إلى البنية الداخلية للعقل الإسلامي عند أركون محددا البنى المتعددة للعقل الإسلامي ليتناول بعد ذلك مظاهر تحديث العقل الإسلامي المعاصر
ومن استعراض العقل الإسلامي عند أركون وانتقاداته له يسعى المؤلف إلى تقديم رؤية شاملة لنقد نقد العقل الإسلامي تماثل تلك التي قدمها جورج طرابيشي في نقد نقد العقل العربي لعابد الجابري ويقدم المؤلف تشريحا كاملا لمشروع أركون تجعل القارئ يتساءل حول مدى تماسكه من الأصل ومن ذلك ما يشير إليه المؤلف من أن أركون إنما يتعامل مع مفاهيم ومناهح غربية المنشأ والأصل عن موضوع البحث فهو يقتطعها من سياقها المعرفي والحضاري ويطبقها على مجال مغاير تماما لمجال انبثاقها، فالمناهج الغربية هي مناهج منقولة غير مأصولة ويقيد المؤلف حديثه مشيرا إلى أن ذلك لا يعني الاعراض عن العلم الحديث كما هو في الغرب بل يعني ضرورة تأصيل هذه المفاهيم في الخطاب النقدي العربي وعلى خلفية هذا النقد يتساءل المؤلف عن الفرق
بين الإسلاميات الكلاسيكية كما يحلو لأركون أن يسمي الاستشراق والإسلاميات التطبيقية« إذا كان الاستشراق يرمي إلى التبعية الاقتصادية وهو يرمي إلى التبعية المعرفية؟ مضيفا ألا نستطيع القول ان خطاب نقد العقل الإسلامي من خلال منهج الإسلاميات التطبيقية هو الوجه الآخر للاستشراق أو بالأحرى هو الوجه الجديد له، في ظل النظام العالمي الجديد؟
في محاولة لتفسير إصرار أركون على هذه التسمية يشير إلى احتمال أن يكون ذلك في مسعى منه لسحب البساط من تحت أقدام المستشرقين وأن يجلب الأنظار إليه في فرنسا بعد أن يجر الفكر الاستشراقي إلى معركة فكرية من خلال اعتماده مصطلح الإسلاميات التطبيقية ونقده الحتمى للاستشراق لأن النقد هو الوحيد الذي يشرع له اعتماد المصطلح بمحتوى جديد
وأما الاحتمال الثاني فهو أن أركون باعتباره باحثا فرنسي الجنسية أراد لخطابه أن يؤدي وظيفة فكرانية ـ أيديولوجية ـ لثقافة بلده الاستعمارية معتمدا ما يوفره الخطاب من مغالطات وتمويهات وحيل، فهو في الظاهر يرفض المركزية الأوروبية وينقدها ولكنه في الباطن يؤكد قدرة هذه الثقافة نفسها وتفوقها في النقد، نقد العقل الإسلامي بالذات
الأمر الذي ينتهي معه الفجاري إلى التأكيد على أن أركون يبقى يدور في فلك الفكر الاستشراقي الذي يقر بعجز الثقافة العربية معرفيا
من ناحية ثانية يشير المؤلف إلى خطورة المنهجية التعددية التي اعتمدها أركون وأنها قد تكون محفوفة بالمزالق اذ قد تنتهي بالباحث إلى التناقض لأنه يجمع بين فلسفات مختلفة اختلافا بنيويا وأصوليا، ومن ذلك ما يشير إليه من وقوع أركون في هذا النوع من الخطأ عندما جمع بين فلسفتي فوكو وهابرماس
وهنا فإنه في إشارة إلى ما يمكن اعتباره تكليفا من أركون لنفسه ما لا تطيق يشير الفجاري إلى أن نقد العقل الإسلامي إنما يتطلب الاهتمام بموضوعات عديدة ولكن إذا كان هذا الاهتمام من شخص واحدة فهو يؤدي إلى الإساءة إليه وهنا فإن الفجاري يتهم أركون بالسطحية في بعض المواضع
إذ يأخذ من كل موضع بطرف ليسارع بضبط المبادئ والأصول العامة التي توحد كل تلك المواضيع جميعا باعتباره القوانين التي تحكم العقل الذي أنتجها وينتهي المؤلف من ذلك إلى نتيجة مفادها أن أركون لم ينقد العقل الإسلامي بقدر ما اكتفى بتقديم ملاحظات عامة واقتراحات وآفاق وقد اعترف هو بأن مشروع نقد العقل الإسلامي يتجاوز طاقة الفرد
وفي نقد لمحاولة أركون بناء حداثة إسلامية أصيلة واعتماده لذلك التوحيدي وما مثله من تجربة إنسية رائدة يلحظ الفجاري نقطة هامة تتمثل في إشارة أركون إلى أن الحداثة التي تضمنها فكر التوحيدي قامت على عقلانية منفتحة ومتعددة وعلى فهم متقدم للإنسان لا نجده في الحداثة الغربية إلا عند المتأخرين من رواد ما بعد الحداثة مثل فوكو ودريدا وغيرهما هنا يذهب المؤلف إلى أن ذلك إنما يعكس اختيار فكراني ـ أيديولوجي ـ من قبل أركون فهو يبحث عن موطئ قدم في التراث بقصد إضفاء المشروعية على خطابه التحديثي، وعلى ذلك فإن أركون لم يجد إلا أن يركب فكر ما بعد الحداثة على نموذج من التراث الإسلامي، فضلا عن ذلك فإن أركون في إشارته لعقلانية التوحيدي على شاكلة رواد ما بعد الحداثة، انخرط في خطاب جعله لا يختلف عن الفكر السلفي نفسه الذي يرى أن القيم الإنسانية الغربية قد وجدت في التراث بل فاقتها تقدما ونضجا
من ناحية ثانية يشير المؤلف إلى ملحوظة تخص كتابات أركون الأولى وتتمثل في استعماله عبارة عقل عربي بدل عقل إسلامي وهو ما يفسر المؤلف باحتمالين هو أن أركون كان يريد نقد العقل العربي في بداياته ثم عدل عن ذلك بعد أن ظهر ما يسمى بمشروع الجابري لنقد العقل العربي في بداية الثمانينات، أو أن الأمر يعبر عن عدم حرص على تدقيق المفاهيم
وقد يدحض هذا الرأى الإتهام الذي وجهه أركون للجابري بأنه في مشروعه لنقد العقل العربي إنما كان يمارس نوعا من التقية، وهى التقية التي مارسها هو نفسه واعترف بها في إشارته إلى تغيير عنوانه في الفرنسية من »نقد العقل الإسلاميإلى تاريخية العقل العربي الإسلامي في الترجمة العربية باعتبار أن ذلك ربما لم يبد أمرا مقبولا للقارئ العربي المسلم آنذاك