لم يعد تأثير براهيم دياز مع المنتخب المغربي يقاس فقط بعدد الأهداف التي يسجلها، بل أصبح يقاس أيضا بما يصنعه لزملائه. ففي كرة القدم الحديثة، لا يكفي أن تكون هدافا، بل أن تكون قادرا على رؤية المساحات قبل الآخرين، وأن تمنح زملاءك الكرة في اللحظة المثالية. وهذا بالضبط ما يفعله نجم ريال مدريد مع "أسود الأطلس".
اختيار براهيم في مارس 2024 تمثيل المغرب بدل إسبانيا لم يكن مجرد قرار عاطفي مرتبط بجذوره، بل تحول إلى واحد من أنجح القرارات في مسيرته. وبعد أكثر من عامين، تؤكد الأرقام أن المنتخب المغربي كسب لاعبا استثنائيا يغير شكل الفريق كلما لمس الكرة.
الأرقام وحدها تكفي لرواية القصة. فمنذ ظهوره الأول بقميص المغرب في 22 مارس 2024، خاض براهيم 31 مباراة، حقق خلالها المنتخب 26 انتصارا و5 تعادلات، دون أي هزيمة داخل أرضية الملعب. وحتى المباراة النهائية لكأس إفريقيا أمام السنغال، التي انتهت في بدايتها بخسارة ميدانية، احتسبت رسميا بفوز المغرب (3-0)، ليحافظ اللاعب على سجله الاستثنائي دون خسارة.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر في كأس العالم 2026 هو التحول الذي عرفه دوره داخل الملعب. فإذا كان قد سجل قبل المونديال 14 هدفا وقدم تمريرتين حاسمتين في أول 26 مباراة مع المنتخب، فإنه اختار في البطولة العالمية أن يرتدي ثوب "صانع الألعاب".
خلال خمس مباريات فقط في المونديال، قدم 4 تمريرات حاسمة، أي بمعدل 0.8 تمريرة حاسمة في المباراة الواحدة، وهو من أعلى المعدلات في البطولة. والأكثر دلالة أن 50 في المائة من هذه التمريرات الحاسمة جاءت في مباراة واحدة أمام كندا، عندما صنع هدفين من أصل ثلاثة انتصر بها المنتخب المغربي، مؤكدا أنه قادر على حسم المباريات حتى دون أن يسجل.
وباحتساب جميع مبارياته الدولية مع المغرب، أصبح رصيد براهيم 14 هدفا و6 تمريرات حاسمة في 31 مباراة، أي أنه ساهم بشكل مباشر في 20 هدفا، بمعدل مساهمة تهديفية يبلغ حوالي 0.65 هدف في كل مباراة. أما إذا أضيفت مساهماته في كأس العالم فقط، فإن تأثيره في صناعة اللعب يبدو أكبر من أي وقت مضى.
ما يميز براهيم ليس فقط الأرقام، بل طبيعة تمريراته. فهو لا يكتفي بتمرير الكرة، بل يمنح زملاءه أفضلية حقيقية أمام المرمى. تمريراته غالبا ما تكسر خطوط الدفاع، وتضع المهاجم في مواجهة مباشرة مع الحارس، وهو ما يفسر ارتفاع مردودية الخط الأمامي للمغرب خلال هذه البطولة.
هذا التطور يعكس أيضا نضجا تكتيكيا كبيرا. فبراهيم لم يعد يبحث عن المجد الفردي، بل أصبح يقرأ المباريات بعين صانع الألعاب، ويختار الحل الذي يمنح المنتخب أفضل فرصة للتسجيل، حتى وإن كان ذلك على حساب إضافة هدف جديد إلى رصيده الشخصي.
وربما لهذا السبب، لم يعد الحديث عن براهيم داخل المغرب يقتصر على مهاراته الفردية، بل أصبح مرتبطا بتأثيره الجماعي. فوجوده يجعل زملاءه أكثر خطورة، ويمنح المنتخب حلولا هجومية متنوعة، وهو ما يفسر استمرار المغرب في المنافسة على أعلى المستويات العالمية بعد إنجاز مونديال 2022 والتتويج القاري.