هل كان يدور في ذهن العلاّمة ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع وهو عاكف على الكتابة طوال الساعات والايام والشهور والسنين
حتى انتهى من كتابه الأهم في حياته، بل وفي تاريخه كله »كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر بمجلداته السبعة، أن ذاكرة الزمن لن تبقي من صفحات هذا الكتاب الضخم سوى مقدمته، وأن هذه المقدمة سوف تنسلخ عن الكتاب الأم لتحيا حياة خاصة مستقلة بعيدا عن الأصل
ترى ما الذي كان سيفعله لو تخيل ما سوف يحدث بعد رحيله؟ هل كان يكتفي فقط بالمقدمة دون الكتاب؟ أم أنه كان يفصلهما بيده لا بيدي عمرو كما يقول المثل؟ هذه الأسئلة وغيرها تدور في خاطري كلما رأيت طبعة جديدة من المقدمة التي كتبها ابن خلدون لكتاب العبر، والتي يستعرض فيها الموضوعات التي يحويها الكتاب الذي تعرض للاجتزاء أكثر من مرة، فمن اجتزاء المقدمة إلى اجتزاء مؤخرة الكتاب ونشرها في كتاب قائم بذاته يسمى »التعريف بابن خلدون ورحلاته شرقا وغربا« وهو في الحقيقة نهاية كتاب العبر أراد فيه ابن خلدون التعريف بنفسه وبكتبه ورحلاته في ما يشبه السيرة الذاتية
والطبعة الجديدة من المقدمة نشرتها سلسلة مكتبة الأسرة التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، ولا شك في أنها طبعة مهمة، خاصة وقد تصدى لتحقيقها العالم الجليل الدكتور »علي عبدالواحد وافي« وربما كانت هذه الطبعة التي جاءت في ثلاثة أجزاء هي الأوفى والأكمل في تاريخ نشر المقدمة، فقد طبعت لأول مرة طبعتين رئيسيتين ظهرتا في سنة واحدة وهي سنة 1858م
احداهما الطبعة المصرية التي أشرف عليها الشيخ نصر الهوريني، وعن هذه الطبعة نقلت جميع الطبعات المتداولة في مصر والعالم العربي والأخرى الطبعة الباريسية التي أشرف عليها المستشرق الفرنسي كاترمير وقد اعتمد الهوريني في طبعته على نسختين خطيتين اشتهرت احداهما باسم النسخة التونسية، وهي النسخة التي أهداها ابن خلدون ـ وهو في تونس قبل هجرته الى مصر ـ إلى السلطان أبي العباس سلطان تونس سنة 784هـ واشتهرت الأخرى باسم النسخة الفارسية، وهي النسخة التي أهداها ابن خلدون ـ بعد أن أتم تنقيح المقدمة في مصر وأضاف إليها زيادات كثيرة ـ إلى السلطان أبي فارس عبد العزيز سلطان المغرب الأقصى حوالي سنة 799 هـ لتحفظ في خزانة الكتب بجامع القرويين ويقول المحقق د علي عبد الواحد وافي في مقدمته لهذه الطبعة، أنها زائدة في متنها الأصلي نحو ثمانين صفحة عن جميع الطبعات المتداولة الآن في مصر والعالم العربي، وشاملة لجميع ما كتبه ابن خلدون نفسه في مقدمته، سواء في ذلك ما كتبه في تونس، وما زاده عليها في مصر قبل أن يهديها إلى السلطان أبي فارس، وما زاده عليها بعد ذلك في السنين الأخيرة من حياته، ومستوعبة لجميع ما جاء في نسخها الخطية وفي طبعتيها الرئيسيتين وحياة ابن خلدون يمكن تقسيمها إلى أربع محطات أو مراحل رئيسية
المرحلة الأولى، وهي مرحلة النشأة والتلمذة والتحصيل العلمي، وتمتد من ميلاده سنة 732هـ لغاية سنة 751هـ، فتستغرق ما يقرب من عشرين عاما قضاها كلها في مسقط رأسه بتونس، وقضى منها نحو خمسة عشر عاما في حفظ القرآن وتجويده بالقراءات والتلمذه على الشيوخ وتحصيل العلوم أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة الوظائف الديوانية والسياسية، وتمتد من أواخر سنة 751هـ إلى أواخر سنة 776هـ فتستغرق زهاء خمسة وعشرين عاما قضاها متنقلا بين بلاد المغرب الأدنى والأوسط والأقصى وبعض بلاد الأندلس، وقد شغلته الوظائف الديوانية والسياسية في هذه المرحلة ثم تأتي المرحلة الثالثة، وفيها تفرغ للتأليف، وتمتد من أواخر سنة 776هـ الى أواخر سنة 784هـ، فتستغرق نحو ثماني سنين، قضى نصفها الأول في قلعة ابن سلامة، ونصفها الأخير في تونس، وقد تفرغ في هذه المرحلة تفرغا كاملا لتأليف كتاب »العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر« ويطلق الآن على القسم الأول من هذا الكتاب اسم مقدمة ابن خلدون، وهو يشغل مجلدا واحدا من سبعة مجلدات يشغلها هذا الكتاب بحسب طبعة بولاق، ولم يستغرق تأليف هذا القسم في وضعه الأول إلا خمسة أشهر فحسب
أما المرحلة الرابعة من حياة ابن خلدون، فهي مرحلة انشغاله بالتدريس والقضاء، وتمتد من أواخر سنة 784هـ الى أواخر سنة 808هـ وتستغرق أربعا وعشرين سنة قضاها كلها في مصر، وقد استأثرت وظائف التدريس والقضاء بأكبر قسط من وقته وجهوده أثناء هذه المرحلة
انتهى ابن خلدون من كتابة مقدمته في منتصف سنة 779هـ، وقد استغرق في كتابتها خمسة أشهر فقط كما يذكر هو في خاتمة المقدمة اذ يقول قال مؤلف الكتاب ـ عفا الله عنه ـ أتممت هذا الجزء الأول بالوضع والتأليف قبل التنقيح والتهذيب في مدة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة ثم نقحته بعد ذلك وهذبته ويبدي ابن خلدون دهشته من أنه انتهى من كتابة المقدمة في هذا الوقت القصير، اذ نراه يقول »فأقمت بها ـ يقصد قلعة ابن سلامة ـ أربعة أعوام متخليا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة منه على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت اليه في تلك الخلوة، فسألت شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجهاوالقارىء لمقدمة ابن خلدون سوف يجد أنها تشتمل على الأبواب التالية أولا خطبة الكتاب، وفيها يعرض المؤلف لبحوث المؤرخين الذين جاءوا قبله، وذكر طوائفهم، ووجوه النقص في بحوثهم، ويشير أيضا إلى الأسباب التي دعته إلى تأليف الكتاب كله، وبين طريقته ومنهجه الذي سار على هديه
ثانيا، مقدمة في فضل التاريخ وتحقيق مذاهبه والالمام بما يعرض للمؤرخين من المغالط والأوهام وذكر شىء من أسبابها، ثالثا، الكتاب الأول في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما الى ذلك من العلل والأسباب، وهذا هو القسم الرئيسي في ما يسمى بالمقدمة، وهو يشتمل على تمهيد تكلم فيه عن التاريخ وموضوعه وأسباب الخطأ في رواية حوادثه، والأسباب التي دعته الى البحث الذي يتضمنه هذا الكتاب الأول من مؤلفه، ثم يلي ذلك ستة بحوث رئيسية تدرس ظواهر الاجتماع الإنساني هي الباب الأول »في العمران البشري على الجملة« ويبحث فيه ابن خلدون علم الاجتماع الانساني ويبين ضرورته، وأيضا يبحث في الجغرافيا وأثر البيئة الجغرافية في ألوان البشر وأخلاقهم وطرق معاشهم، وفي الوحي والرؤيا، وفي أصناف المدركين للغيب من البشر بالفطرة أو الرياضة، وفي حقيقة النبوة والرؤيا والكهانة والعرافين أما الباب الثاني فهو »في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل ويشتمل على تسعة وعشرين فصلا فرعيا يتحدث فيهم عن الشعوب البدوية ونشأتها وبعض شؤونها الاجتماعية وأصول المدنيات وطوائف نظم الحكم والسياسة المتعلقة بالشعوب البدوية وغيرها
ثم الباب الثالث في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية أما الباب الرابع »في البلدان والأمصار وسائر العمران« فيتعرض فيه لنشأة المدن والأمصار ومواطن التجمع الإنساني وما تمتاز به المدن عن غيرها من مختلف الوجوه العمرانية والاجتماعية والاقتصادية واللغوية الباب الخامس في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال أما الباب السادس والأخير في العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال فيتعرض فيه ابن خلدون لمختلف فروع العلوم والفنون والآداب ونظم التربية والتعليم إلى آخره
يحاول ابن خلدون في مقدمته من خلال دراسته للظواهر الاجتماعية الكشف عن القوانين التي تخضع لها هذه الظواهر في نشأتها وتطورها وما يعرض لها من أحوال، وهو بذلك يعد أول من اكتشف القوانين الحاكمة لتلك الظواهر، فانه لم يفطن أحد من قبل ابن خلدون الى جبرية حوادثها وخضوعها لقوانين ثابتة مطردة كالقوانين التي تخضع لها ظواهر الطبيعة والرياضة، لذا فقد استحق لقب »رائد علم الاجتماع« عن جدارة واستحقاق الراية