فاطمة الأيوبي تنفض الغبار عن ذاتها

عاملة نظافة بباريس تلج عالم الكتابة

السبت 30 شتنبر 2006 - 16:49

لم تكن المغربية فاطمة الأيوبي التي حملها قدرها يوما للعيش إلى جانب زوجها المقيم بفرنسا وعملت لأكثر من ست عشرة سنة كخادمة بيوت في تنظيف غبار المكاتب والشقق والمستشفيات، أنها بعد حادث أليم، إذ أسقطتها مكنستها الكهربائية من أعلى درج عمارة، يضع هذا الحادث حدا

كانت عاملة نظافة بباريس، وهو عمل (نبيل) مارسته بـ (فن) في كتاب لها بالفرنسية أصدرته دار نشر (بشري) الباريسية وهو بعنوان (صلاة للقمر) تتحدث فيه عن الفقر والزواج عكس الرغبة، وعن المنفى ومعاناة كل العاملين في الظل المهملين من قبل مشغليهم.

لقد أدت فاطمة الأيوبي ثمنا غاليا لتفانيها في عملها الذي لم يتفهمه أحد، فخلال ست عشرة سنة (من 1983 إلى 1999) غسلت وكوت الملابس ورتبت الكنبات والمقاعد، اشتغلت مثل رجل تسع ساعات من العمل يوميا، مرت عند خمس مشغلين، قطعت الكثير من المسافات، الاستيقاظ كل يوم على الساعة الخامسة صباحا، العودة إلى البيت في الساعة الثامنة مساء، حيث التفكير في الغد.


كل هذا والخوف يمسك بأحشائها : الخوف من عدم التمكن من أداء واجب الكراء الشهري، عدم التمكن من إطعام طفلتيها.


اضطرت إلى تعاطي الأقراص المسكنة، لتنسى التعب، الألم، الخوف، الأرق وهي تقول : "استيقظ الساعة الثانية صباحا وأنا أقول : إلهي هناك ثلاث ساعات تفصلني عن الذهاب للعمل!".

ظلت على هذه الحال وفي هذه الدوامة إلى اليوم الذي انقطع فيه هذا الحبل المستمر، بتاريخ 12 يناير 1999 على الساعة السادسة مساء وقعت من أعلى درج ومكنستها الكهربائية في يدها، جسدها "ديبلومها الوحيد" كما تقول تخلى عنها.

هل كان هذا بداية الخلاص من رحلة العذاب هذه، لكنها لم تدرك بداية ذلك، وفي انتظار هذا كانت الاستفاقة قوية وقاسية، وعندما خرجت من المستشفى لم تكن تستطيع الحراك إلا بصعوبة، جانبها الأيسر كان يعاني من الألم.

معذبة لكن بدون تفسير طبي لهذا، وهكذا "حل الألم محل الخوف".

أول رحلة لفاطمة الأيوبي مع الأطباء، كانت عبارة عن حوار أصم، أحدهم نصحها بـ "التوقف قليلا« وآخر »بتغيير العمل« كيف؟ لم يعد لها دخل مالي، وكان المؤجر مع العون القضائي على الأبواب وابنتها الكبرى اجتاحتها المصيبة، وهي تهوى نحو الانحراف والجنوح »كل شيء يمر بخير مع الأطفال حتى سن العاشرة، ومن بعدها التمرد، إنهم يطرحون أسئلة، في المدرسة يسألونهم ماذا تفعل أمهاتهم، ويجب أن يكونوا فخورين بنا، فهنا يصاب الآباء بالحرج، والطفل بالغضب« تقول الأيوبي وهي مستاءة »منذ اللحظة التي انزلقت فيها، وُضعت في ركن جانبي".

في هذا الكتاب تتذكر فاطمة أنها كانت طفلة سعيدة، ذكية وفاتنة، تحلم بالتعلم، لكنها توقفت عن الذهاب إلى المدرسة بعد ثلاث سنوات في مغرب هذا الزمن كانت عشرة أخطاء في مادة الإملاء تساوي ثمن 2 كيلو من الدقيق، وفاطمة كانت طفلة وإخوتها الثلاث تابعوا دراستهم، أحدهم أصبح نائب وكيل الملك، وهي تعلمت الطرز، وتزوجت وتبعت زوجها إلى فرنسا عام 1983 .

كانت تعيش في بيت متواضع لكنه(نظيف) وبين عائلتها، لكنها وجدت نفسها وهي في فرنسا في غرفة مساحتها سبعة أمتار مربعة، مع طفلتين وزوج غير مبال، وكان عليها أن تعمل، لتكتشف أنها غير مؤهلة لذلك "أكبر ألم ـ تتذكر ـ كان هو عدم إتقاني للغة الفرنسية، من قبل كنت أتكلم بشكل طبيعي، لكن هنا، لا أعرف كيف أتواصل".

أن تتواصل، معناه أن تشفى وقد فهمت هذا مؤخرا، في مستشفى (نانتير)، وبذلك تكون حققت إنجازا، من 2001 إلى 2005 كانت تكتب كل الليالي وباللغة العربية "كتاب فاطمة" (le livre de FATIMA) لمدة أربع سنوات إلى جانب طبيبتها المعالجة، ونقلته إلى اللغة الفرنسية، وتشجعت لبيع كتابها بصالون الكتاب بباريس، متسلحة بتوصية وحيدة للدكتورة (ماري بيري) رائدة الاستشارات في "الألم والعمل" وطبيبة نفسانية في التكوين وكانت في الاستماع للأيوبي حتى تتمكن من وضع خطة للتداوي والمعالجة.

طافت فاطمة الأيوبي وهي تحمل في يدها كيسا بلاستيكيا بداخله بضعة نسخ من كتابها مكتوبة بخط اليد على كل أروقة العرض، ليستجيب لطلبها ناشر وحيد (بشري BECHARI) وتحول اسم الكتاب من "كتاب فاطمة"إلى "صلاة للقمر"(Prière à la lune) .

فاطمة الأيوبي تبلغ من العمر اليوم 55 سنة لها شخصية قوية، كما أن قوامها وهيئتها تفرض الاحترام والكرامة، تبدو في هذا الكتاب كمدافعة عن حقوق وكرامة الآخرين
و"صلاة للقمر" كتاب غريب وجميل يتراوح بين الاعتراف ومحاولة التشافي، لأن الأيوبي لا تتحدث فقط عن حياة فاشلة طبعها الفقر والزواج ضد الرغبة والمنفى، إنها تتحدث أيضا باسم كل هؤلاء (الصغار) على الخصوص النساء، والمهاجرين، وكل جيوش النمل العاملات من الصباح إلى المساء يكنسن وينظفن ويرتبن البيوت والمكاتب، يسهرن على كل هذا حتى يتمكن آخرون من العمل والعيش والنوم في ظروف مريحة ـ وهم لا يطالبون بمال، أو وضعية قانونية، أو امتيازات، كل ما يطالبون به هو الاهتمام والاعتبار.

المشكل تقول الأيوبي »هو هذه النظرة" التي يرى بها آخرون عملنا، إن التنظيف هو عمل (نبيل) فغسل وكي قميص بحب، وتحويل خربة إلى سكن لائق يتطلب الكثير من الشجاعة ونوعا من الحنكة والموهبة "عملت دائما وأنا أبحث عن الأناقة في ما أقوم به، حتى ولو أنني أكوي قميصا أريد أن أشعر داخلي بتناسق جمالي« لكن المؤلم أن هذا (الفن) لا أحد يراه"إنه مثل من ينهي تشكيل لوحة فنية، لكن لا أحد يقول له »إنه جميل« وكل الأيام نمحيه".

هل كان هذا قدرا محتوما هذا ما تراه فاطمة الأيوبي وقد مارست مهنة النظافة بحب وتفان "عندما لا نقوم بعملنا، نشعر بالألم، وعندما نحسن القيام بذلك لا أحد يعيرنا اهتماما".

إنها أيضا حالة غير عادلة فماذا سيكون حال البيوت والمكاتب والشوارع بدون هذا العمل الصعب؟ النساء المستعجلات والموظفات والمحاميات والطبيبات.

والنائبات اللواتي لا يمكن أن يعملن بالخارج أو يحتضن أطفالا يلاحظن هذا بالتأكيد لكن لا أحد يتحدث عنه »إننا كلنا نريد أن نترك بصماتنا، وأنا في حاجة إلى نصيبي في التقدير والاعتراف، ابتسامة رضا خالصة : "صباح الخير أنا في حاجة إليك" تريد أن تسمع فاطمة الأيوبي من مشغلها.




تابعونا على فيسبوك