قدمت صحيفة "أخبار الأدب" الأسبوعية المصرية، التى يرأس تحريرها الأديب جمال الغيطاني، ملفاً واسعا حمل "تحية الوداع" لأديب نوبل الراحل نجيب محفوظ، وذلك فى أحدث أعدادها الصادر في العاشر من سبتمبر الحالي، اشتمل على العديد من المقالات والرثائيات في حب وتوديع مح
فقد كتب الطاهر بنجلون تحت عنوان "رجل في الوسط": كان نجيب محفوظ، وهو جالس إلى منضدته المعتادة فى مقهاه المعتاد، فى موعده اليومي الذي لا يلغيه إلا في حالة مرضه، يتابع جموع الناس الذين لا يعرفهم، وتعج بهم شوارع المدينة بعين متسامحة وإنسانية، ساخرة أو ماكرة أحياناً، ولكنها ليست شريرة على الإطلاق.
لقد كان صوت وذاكرة حياة أولئك الناس، سواء كانت معقدة أو صغيرة أو عظيمة أو باهرة أو متواضعة، بدءا من الطلبة الذين جاؤوا ليستشيروه وانتهاء بالنادلين الذين كانوا يقدمون له قهوته المعتادة.
وقد قال بلزاك إن الروائي الحقيقي يجب أن يكون قادرا على الغوص فى أعماق المجتمع، وذلك لأن الرواية هي التاريخ الخاص للأمم، ومحفوظ ينطبق عليه هذا الوصف تماماً، إذ لا يمكن أن تفهم مصر بدون محفوظ، بدون شخوصه الذين يمكن لأى قارئ - سواء كان عربياً أم لم يكن ـ إلا أن يتماهى معها.
وفى الأيام التى انقضت منذ مماته، لاحظ كثيرون كيف ساعد محفوظ القراء الغربيين على فهم العالم العربي، لكن ربما كان الأهم من ذلك أنه ساعد العالم العربى على أن يفهم ذاته.
فقبل محفوظ لم تكن الرواية كشكل من أشكال الأدب جزءا من الثقافة العربية، بل إن العرب لم يكتبوا الرواية حتى بداية القرن العشرين، وذلك يرجع إلى حد كبير إلى عدم اعتراف المجتمع العربي بالفرد.
ففى عام 1914 فقط ظهرت أول رواية عربية حقيقية، هي رواية "زينب" لهيكل، التي نشرت كسلسلة.
ولم تظهر حقاً الرواية العربية كنوع رئيسي من أنواع الأدب إلا فى خمسينيات القرن العشرين، مع صدور ثلاثية القاهرة التى كتبها محفوظ.
وفى تلك الثلاثية ـ بين القصرين وقصر الشوق والسكرية ـ وصف محفوظ حياة ثلاثة أجيال من أسرة ترمز إلى بلد يشهد تحولا ملحمياً خاصاً به، من التراث والتقاليد إلى شكل متعثر من الحداثة.
ويوضح الطاهر بن جلون، حسب ما ذكره موقع عرب اونلاين، أن محفوظ قد حاول كل أساليب الكتابة، ومن بينها أسلوب الرواية التجريبية، وكان هذا أمراً ممتعاً بالنسبة له
فلغته، التى كانت تقليدية ومحافظة فى البداية، أصبحت أكثر ابتكاراً، وصارت تتضمن ما كان يسمعه في حيه الذى لم يبرحه قط، فهو لم يسافر، ويقال إنه غادر مصر مرة أو مرتين لا أكثر.
ولكنه كان رحالة بغير حراك، مستكشفاً للروح الإنسانية وهو قابع فى مقهي.
وقيل أيضاً إن محفوظ كان روائياً واقعياً، وهذا ليس صحيحاً ــ يضيف الطاهر بن جلون ــ فالواقعية لا وجود لها، وذلك لأن الحياة، خصوصاً الحياة فى القاهرة، هى نفسها خيال، لا يمكن سبر أغواره، ولا يمكن أن ينضب، حياة تختلط فيها المأساة بالملهاة، وتنهمر فيها الدموع من المتعة أو من الأسى.
ولم يكن محفوظ بحاجة إلى اختراع مواقف أو شخوص، فقد كان يكفيه أن يراقب الناس من حوله.
وفى "السكرية" يشار إلى وفاة الشخصية الرئيسية ببضع كلمات فقط: لقد ترك السيد البيت، وهذه الكلمات تنطبق اليوم على رحيل نجيب محفوظ "سيد الرواية العربية".
من جانبه كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش تحت عنوان "مؤسس الرواية ومجددها" أن نجيب محفوظ ـ أمس واليوم وغداً ـ هو أحد معالم مصر الكبري، حى وشامخ فى وجه الزمن، ودع جسده النحيل، أما روحه المتجلية فى إبداعه الكبير فتبقى حية فى ذاكرة الأدب العربى الذى أوصله محفوظ إلى العالمية، فبفضله اعترف لنا العالم بدور ما في الإبداع الإنساني.
وقال درويش في مقاله: "نحن لا نستطيع الكلام الجدى عن الرواية العربية قبل نجيب محفوظ.
كانت هناك محاولات وبدايات بارزة، لكن محفوظ هو المؤسس النوعي للرواية العربية بمعناها الحديث.
وكان فى الوقت ذاته مجددها ومطورها.
نادراً ما يكون المؤسس الرائد هو المجدد، لكن نجيب محفوظ كان ذلك النادر.
لم يتوقف عن تطوير أساليبه وأشكاله الروائية، فلم يقع فى نمط روائي واحد، إذ كان شديد الإصغاء إلى حركة الزمن المتغير، فكتب ملحمته الروائية بفصولها المتعددة، من الكلاسيكية إلى الحداثة، وصار سيد الكتابة الروائية العربية، ومؤرخ التحولات الاجتماعية والسياسية في تاريخ مصر المعاصر.
وأشار محمود درويش، يضيف موقع عرب اونلاين، إلى أن نجيب محفوظ أعاد ـ من أحياء القاهرة القديمة بطبقتها الوسطى وبعض فئاتها الشعبية ـ خلق عالم أغناه عن السفر إلى العالم، عالم مزدحم بكل أسئلة الحياة اليومية والوجودية، وبرهن للجميع على أن عالمية الأدب تبدأ من المحلي، من حارة مغمورة، وأن مفهوم الأدب العالمى لا يتحدد بمركزية ما، بل هو مجمل نتاج الكتابة الإنسانية وتعددية ما يكتبه البشر فى كل مكان.
وقال درويش: أحببت فى أدبه نظرته العبثية إلى فكر التاريخ، وما يفعله التاريخ والقدر بالبشر، وأحببت لغته السردية المتخففة من البلاغة الشعرية التي أغرت بعض الروائيين أن يكونوا شعراء في الرواية.
وأدهشتني فيه طريقته فى إدارة الموهبة، فهو يعرف أن عبقريته لن تتحقق إلا بإخضاعها لنظام عمل النمل الصارم، لذلك كان دقيقاً فى كل المواعيد، وبخاصة في العلاقة بين الإلهام والكتابة، إذا كان ثمة إلهام فعلى الكاتب أن يكون شديد الوفاء في التعاون المنضبط معه، وعليه أن يعمل على استحضاره.
ويتساءل الكثيرون: كيف استطاع الموظف البيروقراطي نجيب محفوظ أن يكون ذلك المبدع الكبير نجيب محفوظ؟ الجواب يكون في الكيفية التي احترم بها الوقت، وقت للعمل الوظيفي، وقت للعبث والسهر، وقت للحرافيش، وقت للمقهى، ووقت مقدس للكتابة.
وإذا كنا لا نستطيع الكلام عن رواية عربية حديثة قبل نجيب محفوظ، فإننا وبفضل دوره الكبير فى تأسيسها وتطويرها وتوسيع ضفافها نستطيع أن نتكلم عن الرواية العربية بعد نجيب محفوظ، وما بين ما قبله وما بعده يبقى هو المعلم الأكبر.
أما الطاهر وطار فقد كتب بعنوان "سيظل بيننا" مشيراً إلى أن نجيب محفوظ استغل ملكته وقدراته ومواهبه، حتى آخر لحظة من حياته، وبصمت وبتواضع وباستقامة ضحى من أجل الجميع.
ويقول وطار : "لقد أسس محفوظ فناً حديثاً فى الأدب العربي، وفى رأيى أنه أسس مدرسة أخلاقية فى تعاطى الإبداع، ولقد رفع رأسنا بين الأمم، وإنى لفخور بأنى أول من رشحه لجائزة نوبل.
الناس يداعبون كل ما يداعب من متاع الدنيا، ونجيب يداعب الأفكار والصور والخيالات، وأبطاله وهم يتحايلون عليه ويتحايل عليهم.
عاش كذلك إلى أن أطال خطوته، فلحقهم في عالم الغيب".