في مساجلة يبدو أنها مع الغياب إذا حضر

درويش ليس على الشاعر من حرج

الخميس 14 شتنبر 2006 - 13:02

يقولون : لا تبعد وهم يدفنوني. وأين مكان البعد إلا مكانيا؟ بهذا البيت الشعري المليء بالقلق الوجودي، الذي يعود في أصله إلى الشاعر مالك بن الريب، افتتح الشاعر محمود درويش نصه الأخير الذي جاء بعنوان »في حضرة الغياب«، بعد أن صدر أخيرا عن دار رياض الريس ووصل إ

درويش الذي امتلأت كلماته الجديدة بمسامرة الغائب، لم يبتعد في نثره عن الشعر، والفرق أنه أحب أن يكون ساردا، ومشدودا إلى حرية التعبير بذهنية غير تطريبية في هذه المرة ليصل إلينا كما يقول »من النثر المصفى على حجر«"

حيث تبدأ غواية النثر مع درويش بقوله الاول : سطرا سطرا انثرك أمامي بكفاءة لم أوتها إلا في المطالع، ليخاطب التي يقف باسمها ويشكر مشيعيها الى السفر الأخير ويدعوهم الى اختصار الوداع ثم يلم ما نسي وهو يقول : "ولنذهبن معا أنا وأنت في مسارين : أنت الى حياة ثانية وعدتك بها اللغة في قارئ قد ينجو من سقوط نيزك على الأرض وأنا في موعد أرجأته أكثر من مرة مع موت وعدته بكأس نبيذ أحمر في قصائدي فليس على الشاعر من حرج إن كذب وهو لا يكذب إلا في الحب لأن اقاليم القلب مفتوحة للغزو الفاتن أما الموت فلا شيء يهينه كالغدر : اختصاصه المجرب" في شبه خصوصية تجمع ما بين متناقضين وتحت دمعة واحدة : الحب والموت بين كلمات شاعر وصلت به حكمة الشعر إلى الاعتراف بكذبه في الحب وتوصيف الموت بطبعه الغادر والقفز عليه.

لعل درويش في مغامراته النصية هذه قد استسلم اخيرا لغواية معنى ينتظر ان يصوغه بأي شكل من الاشكال ولعله أيضا قد عثر على الاستعارة مع كل مصادرها ليجدد نطقه دائما ويزرع درويشا اخر لا عدو له ولاصديق ويرى نفسه في حرائق البرق مصفى من شوائب التشبيه بما ليس موتا يحيي وحياة تحيا على حصة العاشق من سخاء المودة بين المخلوق والخالق ليقول بملء فمه : لاجنة معلنة بالحواس والحدس سوى العاشق ولا جحيم الا خيبة العاشق.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا كان على درويش ان يصبح عاشقا على غير عشقه الاول لفلسطين الذي ترجمه في ديوانه »عاشق من فلسطين«، في صيغة اخرى بعد الستين؟ في حين يتبلور سؤال آخر هو هل يعشق المرء بعد الستين ام انه يصوغ ماضيه بطريقة مليئة بالحرارة ثم يكتفي؟ قد تكون هذه الاسئلة صعبة امام شاعر ينظر كثيرا الى منحدرات الجبال المنهوبة ثم يقول : »لاجهنم أخرى في انتظارك، ما كان لك صار عليك"

ومن هذه العبارة الاخيرة تحديدا وفيها ايضا يتجمع الغياب الذي يكتبه درويش وتتجمع المجازات التي يلعب بها : "مهما نأيت ستدنو ومهما قتلت ستحيا فلا تظنن انك ميت هناك وانك حي هنا فلا شيء يثبت هذا وذاك الا المجاز المجاز الذي درب الكائنات على لعبة الكلمات المجاز الذي يجعل الظل جغرافيا"

ليثبت لنا وله بما لا يدع للشك مجالا ان شعره ونثره يتجمهر، في قالب واحد لا اسم له سوى القصيدة التي بدأت تتفلت من ماض متخم بالمعارك والتصنيفات التي لم يسلم منها درويش نفسه وهو يقيم ويقيس.

»يا لها من لعبة يا له من سحر يولد العالم تدريجيا من كلمات هكذا تصير المدرسة ملعبا للخيال« وبما أنه قد أدرك في هذه المساجلة لعبة بناء العالم من الكلمات وأصل بدايتها فلا عجب ان يبني عالمه الشعري سواء كان في حضرة الغياب او في حضرة الوجود الذي نعتمد عليه كلما تذكرنا عبارة ديكارت "أنا أفكر أنا موجود" وتداعياتها التي استسلم لها درويش وهو يناجز رزنامة العمر ليقول هامسا : "يوقظونك في زمنك الخاص ويقولون لك : "أكبر الآن معنا في زمن القافلة واركض معنا لئلا يفترسك الذئب فلا وقت لنا لنودع أي شيء ساخن فاترك بقية منامك نائما على نافذة مفتوحة ليلحق بك حين يصحو عند الفجر الازرق، الحلم هو الذي يجد الحالمين وما على الحالم إلا أن يتذكر"




تابعونا على فيسبوك