هناك كثير من الأحكام المسبقة حول طبيعة الفكر السياسي الإسلامي تؤطر رؤى بعض المهتمين بهذا الفكر تدفعهم في عدد من الأحيان إلى التعاطي معه بكيفية تخرجه من إطاره الموضوعي وتفرض عليه الإجابة عن أسئلة لم يكن في الأصل بإمكانه أن يطرحها.
إن هذا التعاطي يلزمنا بإبداء بعض الملاحظات التي نراها ضرورية، وبإمكانها أن تساعد على فهم أفضل لطبيعة الفكر الإسلامي، وأن تساهم على استيعاب أمثل لبعض إشكالياته.
تتعلق الملاحظة الأولى بتحديد موضوع الفكر السياسي بشكل عام فالمقصود بالفكر السياسي هو مجموع النصوص التي أنتجها مفكرون وينصب اهتمامها على موضوع السلطة السياسية الموكول إليها أمر تدبير الشأن السياسي، وعليه فتاريخ الفكر السياسي هو تاريخ تطور نظرية السلطة السياسية، إن هذا التعريف يجعلنا ونحن نبحث في الحقل السياسي الإسلامي مضطرين لرصد وتتبع الطريقة التي يتعاطى من خلالها المفكرون الإسلاميون مع إشكالية السلطة السياسية، سواء على صعيد أسسها أو على صعيد مشروعيتها أو على صعيد آليات اشتغالها.
ترتبط الملاحظة الثانية بنوعية الخطاب الذي يعبر من خلاله الفكر الإسلامي عن إشكالياته، منذ البداية فسارع إلى القول بأن الفكر السياسي منذ اليونان لم يعبر عن نفسه عبر خطابات سياسية، وإنما عبر عن نفسه من خلال خطابات في السياسة، فمعلوم أن الفكر السياسي اليوناني عبر عن قضاياه من خلال خطاب فلسفي في السياسة جسده فلاسفة أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو، كما أن الفكر السياسي الروماني صرف إشكالياته من خلال خطاب قانوني في السياسة جسده مفكرون أمثال "بوليب" و"سشرون".
إن الفكر السياسي الإسلامي لم يشذ عن هذه القاعدة، بحيث أنتج عديدا من الخطابات في السياسة، كان هناك أولا خطاب فقهي في السياسة نجده عند فقهاء مسلمين أمثال "الماوردي" و"الفراء" و"الغزالي".
وهذا الخطاب هو الذي اصطلح على تسميته بـ "السياسة الشرعية"، وكان هناك ثانيا خطاب أديب في السياسة نجده لدى أدباء مسلمين أمثال "ابن المقفع" و"ابن أبي الربيع"، وهو الذي اصطلح على تسميته بـ "مرايا الأمراء" أو "الآداب السلطانية".
وكان هناك ثالثا خطاب فلسفي في السياسة نجده لدى فلاسفة مسلمين أمثال "الفارابي" و"ابن سينا" و"ابن رشد"، وكان هناك رابعا خطاب إخباري في السياسة نجده لدى مؤرخين مسلمين كان أبرزهم "ابن خلدون".
تتمثل الملاحظة الثالثة في كون المفكر السياسي الإسلامي لم يكن يتحدث عن السياسة بالمفرد، بل استطاع التمييز بين العديد من أنماط السياسة، فالغزالي في (إحياء علوم الدين) ميز بين أربعة أنماط :
ـ سياسة الأنبياء التي تسوس العامة والخاصة وهي سياسة شاملة تعم ظاهر الإنسان وباطنه.
ـ سياسة الخلفاء والملوك والسلاطين التي تسوس العامة والخاصة، وهي سياسة تقتصر على الظاهر ولا تطال الباطن.
ـ سياسة العلماء التي تطال خاصة الناس دون عامتهم وباطنهم دون ظاهرهم.
ـ سياسة الوعاظ التي تطال عامة الناس دون خاصتهم وباطنهم دون ظاهرهم.
إن الفكر السياسي الإسلامي رسم لنفسه حدود مجال اشتغاله، فهو لم يهتم بسياسة الأنبياء أو سياسة العلماء أو سياسة الوعاظ، وإنما انصب جل اهتمامه على سياسة الخلفاء والملوك والسلاطين، تلك السياسة التي تنحصر وظيفتها في تدبير معاش الناس من مأكل ومشرب ومسكن وملبس.
تتجلى الملاحظة الرابعة في كون الفكر السياسي الإسلامي، كان أكثر انشدادا إلى الواقع بكامل إكراهاته وعليه، فقد كان أكثر قدرة على إدراك الحدود الفاصلة بين أسس السلطة السياسية وبين أنماط مشروعيتها، لقد قدم ابن خلدون مثالا واضحا عن ذلك، فحدد أسس السلطة في مجال العصبية وحدد مشروعيتها في مجال الدين، وهو تصور لامسه وإن بشكل مختلف الإمام "الغزالي" الذي تحدث عن مفهوم "الشوكة" ونحا قريبا من ذلك الإمام "بدر الدين بن جماعة".
تتحدد الملاحظة الخامسة في كون المفكر السياسي الإسلامي كان ينتج نصوصه وفق الزاوية التي يرغب في تناول موضوعه من خلالها، فإذا رغب في التركيز على مسألة مشروعية السلطة، تحدث من خلال خطاب "السياسة الشرعية" وإذا أراد التركيز على أسس السلطة، يتحدث عبر خطاب "الآداب السلطانية"، من خلال الخطاب الأول يكون هناك تركيز على الخليفة ومستلزمات الخلافة، وعبر الخطاب الثاني، يكون هناك تركيز على السلطان ومتطلبات الملك، وهذا التعدد في زوايا النظر هو الذي يفسر إقدام بعض المفكرين الإسلاميين على إنتاج نصوص منها ما ينتمي إلى دائرة السياسة الشرعية ومنها ما ينتمي إلى دائرة الآداب السلطانية كحالة "الماوردي" و"الغزالي".
تكمن الملاحظة السادسة في كون المفكر السياسي الإسلامي استطاع التمييز بين مجال "الدين" ومجال "الدنيا"، فقد أجمع فقهاء السياسة الشرعية على تعريف الخلافة بكونها نيابة عن صاحب الشرع في "حراسة الدين" و"سياسة الدنيا"، وهذا التمييز لا يفيد فصلا مطلقا بين المجالين، غير أنه في الآن نفسه لا يفيد استتباعا مطلقا، وهنا يصبح تقسيم الإمام الغزالي لأنواع السياسات ذا دلالة.
تعود الملاحظة السابعة إلى كون المفكرين السياسيين الإسلاميين من خلال مختلف خطاباتهم في السياسة سواء كانت فقهية أو أدبية أو فلسفية أو إخبارية أدركوا سبب استمرار السلطة السياسية المتمثل في قيامها على "العدل"، فالعدل أساس الملك والعدل في نظر هؤلاء المفكرين لا دين له، فلسلطة عادلة تستمر ولو بوجود "كفر" وسلطة جائرة تسقط ولو بوجود "دين".
كاتب مغربي