مستشار فلاحي معتمد: 90 في المائة من اللحوم الحمراء يؤمنها صغار المربين.. وحملات المقاطعة الرقمية تضرب الحلقة الهشة أكثر مما تستهدف المضاربين
الحملة، التي انتشرت عبر مقاطع فيديو ومنشورات ساخرة تدعو إلى مقاطعة شراء الأضاحي، قدمها أصحابها كشكل احتجاجي ضد ارتفاع الأسعار وتعدد الوسطاء والمضاربين، غير أن الجدل سرعان ما تجاوز الجانب الاقتصادي ليأخذ أبعادا دينية واجتماعية، وسط اتهامات بتحويل شعيرة دينية إلى مادة للسخرية والمزايدات الافتراضية.
وفي هذا السياق، قال عبد الحق بوتشيشي، مستشار فلاحي معتمد لدى وزارة الفلاحة، في تصريح لـ"الصحراء المغربية"، إن الحملة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار "خليه يبعبع" تثير الكثير من المغالطات، محذرا من تداعياتها المباشرة على صغار مربي الماشية ومنتجي اللحوم الحمراء بالمغرب، الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع.
وأوضح بوتشيشي أن المعطيات الرسمية تؤكد أن حوالي 90 في المائة من إنتاج اللحوم الحمراء بالمغرب مصدره صغار الكسابة، سواء في قطاع تربية الأغنام أو الأبقار أو الماعز، مشيرا إلى أن أي دعوات عشوائية لمقاطعة اقتناء الأضاحي ستنعكس، بالدرجة الأولى، على هذه الفئة الهشة من المربين الذين يعتمدون على موسم عيد الأضحى كمورد أساسي لتغطية تكاليف التربية والإعاشة وتسديد الديون المتراكمة.
وأضاف أن عيد الأضحى "شعيرة دينية وسنة مؤكدة لمن استطاع إليها سبيلا"، معتبرا أن جزءا من الإشكال المطروح اليوم مرتبط، بحسب تعبيره، بـ"تحويل هذه الشعيرة من عبادة ذات أبعاد دينية واجتماعية إلى مجرد عادة استهلاكية تخضع لمنطق السخرية والمقاطعة"، وسجل المتحدث ذاته أن المتضرر الحقيقي من هذه الحملات ليس كبار المضاربين أو الوسطاء، بل "الكساب الصغير الذي يملك عشرة أو خمسة عشر أو عشرين رأسا من الأغنام، ويقضي سنة كاملة في تربيتها والعناية بها"، موضحا أن هذا المربي يتحمل على امتداد العام كلفة شراء التبن والشعير والذرة والصوجا والنخالة، إضافة إلى مصاريف التطبيب البيطري والنقل، في سياق ارتفاع أسعار الأعلاف والمواد المستوردة.
وأشار بوتشيشي في التصريح ذاته إلى أن أسعار الأعلاف شهدت زيادات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مبرزا أن النخالة، على سبيل المثال، ارتفع سعرها بشكل ملحوظ، إلى جانب الذرة والشعير والصوجا، وهي مواد مرتبطة أساسا بالاستيراد وتقلبات السوق الدولية، وهو ما ضاعف الأعباء المالية على المربين الصغار.
وأكد بوتشيشي أن الخروف يغادر عند الكساب بثمن معين، غير أن تعدد الوسطاء والسماسرة و"الشناقة" يرفع السعر النهائي بما يتراوح أحيانا بين ألف وألفي درهم قبل وصول الأضحية إلى المستهلك، داعيا المواطنين إلى التوجه مباشرة نحو الكسابة بالبوادي من أجل تقليص المضاربة ودعم الفلاحين الصغار، قائلا في هذا الصدد إن "المغاربة إذا أرادوا فعلا محاربة المضاربة، فعليهم التمييز بين الكساب البسيط الذي يعيش الهشاشة، وبين الوسطاء الذين يرفعون الأسعار بشكل مبالغ فيه"، مضيفا أن "التضامن مع العالم القروي يقتضي دعم المربين لا استهدافهم بحملات المقاطعة".
وفي ما يتعلق بالإشاعات المتداولة حول صحة الأضاحي واستعمال الأدوية البيطرية، شدد المستشار الفلاحي على أن قطاع تربية المواشي يخضع لمراقبة صحية مستمرة من طرف الأطباء البيطريين والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، موضحا أن عمليات التلقيح والعلاج تتم وفق برامج وقائية معروفة وتحت إشراف مختصين.
وأوضح أن استعمال الأدوية البيطرية يخضع لما يعرف بـ"فترة الانتظار"، وهي المدة الزمنية التي تمنع خلالها عملية استهلاك اللحوم أو الحليب بعد العلاج، وقد تمتد من 24 ساعة إلى عدة أيام أو أسابيع حسب طبيعة الدواء، مؤكدا أن هذه المعايير معروفة ومؤطرة قانونيا داخل القطاع.
وانتقد البوتشيشي ما وصفه بـ"الترويج غير المسؤول للإشاعات من طرف أشخاص يفتقرون إلى المعرفة التقنية والعلمية"، معتبرا أن بعض المحتويات المنتشرة عبر المنصات الرقمية تسعى فقط إلى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة وإثارة الجدل دون مراعاة انعكاسات ذلك على المربين والقطاع الفلاحي عموما، وأضاف أن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية يقوم بمراقبة جودة الأعلاف والمياه والمنتجات الحيوانية، إلى جانب تتبع الأدوية المستعملة في تربية المواشي والدواجن والأبقار، مؤكدا أن المنظومة الرقابية قائمة وتشتغل وفق معايير صحية دقيقة.
ودعا المستشار الفلاحي في ختام تصريحه إلى التحلي بالمسؤولية في تداول المعلومات المرتبطة بالقطاع الفلاحي، وعدم الانسياق وراء الإشاعات أو المعطيات غير العلمية، لما لذلك من تأثير مباشر على استقرار قطاع تربية المواشي وعلى أوضاع آلاف الأسر القروية التي تعيش من هذا النشاط.