عاد فيروس "هانتا" إلى صدارة الاهتمام الصحي العالمي بعد تفشي بؤرة عدوى على متن السفينة السياحية الهولندية "MV Hondius"، في تطور أعاد إلى الأذهان أجواء القلق التي رافقت جائحة كورونا، خاصة مع تسجيل إصابات مؤكدة ووفيات وإجلاء عشرات الركاب نحو أوروبا وأمريكا الشمالية تحت مراقبة صحية مشددة.
وتحولت جزيرة تينيريفي الإسبانية خلال الأيام الأخيرة إلى مركز لعملية دولية معقدة أشرفت عليها السلطات الإسبانية بتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض، حيث تم نقل الركاب إلى بلدانهم وسط بروتوكولات صارمة للحجر الصحي وتتبع المخالطين.
وسجلت فرنسا إصابة مؤكدة لدى إحدى الراكبات اللواتي تم إجلاؤهن من السفينة، بينما أعلنت الولايات المتحدة عن حالة “إيجابية خفيفة” وأخرى ظهرت عليها أعراض طفيفة، في وقت وضعت فيه إسبانيا عشرات الركاب تحت الحجر الوقائي لمدة قد تصل إلى 42 يوما، بالنظر إلى طول فترة حضانة الفيروس.
وتعود بداية الأزمة إلى الرحلة البحرية التي كانت تقل ركابا من جنسيات متعددة، قبل أن يتم تسجيل حالات وفاة وإصابات مرتبطة بسلالة “أنديز”، وهي السلالة الوحيدة المعروفة حاليا بقدرتها المحدودة على الانتقال بين البشر عبر الرذاذ التنفسي وفي ظروف خاصة تتطلب مخالطة وثيقة ومطولة.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز سؤال أساسي داخل المغرب: هل يمكن أن يصل فيروس “هانتا” إلى المملكة؟
عمليا، لا توجد إلى حدود الآن أي حالة مؤكدة بالمغرب، كما لم تصدر وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أي معطيات تفيد بوجود إصابات أو إجراءات استثنائية مرتبطة بهذا الفيروس. غير أن اتساع حركة السفر الدولية، خاصة مع أوروبا، يجعل احتمال تسجيل حالات معزولة أمرا واردا من الناحية النظرية، وإن ظل خطر الانتشار الواسع ضعيفا للغاية وفق المعطيات العلمية الحالية.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور الطيب حمضي في تصريحه الخير لـ"الصحراء المغربية" أن المخاوف المرتبطة بالسلالة التي ظهرت على متن السفينة “مفهومة”، لكنها لا تعني بالضرورة أننا أمام تهديد وبائي عالمي جديد.
وأكد حمضي أن انتقال فيروس "هانتا" بين البشر يبقى "نادر وهامشي جدا"، مشيرا إلى أن العدوى تحتاج إلى احتكاك مباشر ومطول داخل فضاءات مغلقة ذات تهوية مشتركة، مثل السفن السياحية، وهو ما يجعل انتقاله أصعب بكثير مقارنة بفيروسات تنفسية سريعة الانتشار مثل كورونا أو الإنفلونزا.
وأوضح الباحث المغربي أن الفيروس ينتمي إلى عائلة Hantaviridae، وأن خزانه الطبيعي هو القوارض، خاصة الفئران والجرذان، حيث تنتقل العدوى غالبا عبر استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو فضلات القوارض، أو عبر ملامسة الأسطح الملوثة، بينما يظل انتقاله بين البشر استثناء نادرا مرتبطا أساسا بسلالة “أنديز”.
وأضاف حمضي أن أغلب بؤر “هانتا” المسجلة عالميا تكون بيئية مرتبطة بالقوارض، وليست بؤرا بشرية تنتقل فيها العدوى بشكل متسلسل بين الأشخاص، مشيرا إلى أن التحقيقات الجارية حاليا تهدف إلى تحديد ما إذا كانت الإصابات المسجلة على متن السفينة ناتجة عن انتقال مباشر بين الركاب أم عن تعرضهم جميعا لمصدر بيئي مشترك.
وتبدأ أعراض الفيروس، بحسب المختصين، بحمى وآلام عضلية حادة وإرهاق وصداع، قبل أن تتطور لدى بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة تشمل فشلا تنفسيا أو قصورا كلويا حادا. كما قد تصل نسبة الوفيات في بعض السلالات إلى 50 في المائة، في ظل غياب لقاح عالمي أو علاج مضاد مباشر للفيروس.
ورغم خطورة بعض الحالات، يرى خبراء أن الوضع الحالي لا يشبه سيناريو جائحة كورونا، بالنظر إلى محدودية انتقال العدوى بين البشر. كما أن السلطات الصحية الدولية سارعت إلى تطبيق إجراءات حجر وتتبع صارمة منذ اكتشاف البؤرة.
وبالنسبة للمغرب، أكد الدكتور حمضي أن المملكة تتوفر على منظومة وطنية لليقظة والرصد الوبائي، إلى جانب مختبرات مرجعية قادرة على تشخيص الحالات الوافدة والتعامل معها وفق البروتوكولات الدولية، وهو ما يعزز قدرة البلاد على احتواء أي حالة محتملة.
كما راكم المغرب، بعد تجربة كورونا، خبرة مهمة في تدبير الأزمات الصحية، سواء على مستوى المراقبة بالمطارات والموانئ أو أنظمة التتبع والتشخيص السريع والتنسيق مع الهيئات الصحية الدولية.
وفي ظل تصاعد القلق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يدعو مختصون إلى تجنب الشائعات والاعتماد على المعطيات العلمية الرسمية، مؤكدين أن خطر انتشار "هانتا فيروس" داخل المغرب يظل محدودا جدا في الوقت الراهن، رغم استمرار اليقظة الصحية الدولية لمتابعة تطورات هذا الفيروس النادر.