طارق علي مفككا جدلية "الإمبراطورية والمقاومة"

أزمة الغرب الأساسية تكمن في امتلاك ذاكرة قصيرة جدا

السبت 29 أبريل 2006 - 13:13

كاتب معروف بمواقفه الجريئة والشجاعة، دار نشر مرموقة، صراحة غير معهودة في تقييم أهم أحداث الساعة، ترجمة إبداعية كوكتيل من المقدمات لا يمكن إلا أن يُؤسس لعمل إبداعي متميز : نحن في ضيافة كتاب "طارق علي : عن الإمبراطورية والمقاومة"(دار الآداب بيروت، الطبعة


والكتاب عبارة عن مجموعة حوارات أجراها دايفيد بارساميان مع طارق علي بين الأعوام 2001 و 2005، وتدور بشكل خاص حول الإمبراطورية الأميركية والبريطانية، وتاريخ باكستان والهند، والمقاومة في فلسطين والعراق وأميركا اللاتينية، ونشوء الأصوليات الدينية، والبحث عن اشتراكية ديموقراطية بديلة.

ودايفيد بارساميان هذا، المحاوِر (بكسر الواو)، والحق يقال، يحتاج إلى من يحاورُه أيضا، نظرا لتمكنه من تفكيك القضايا التي خاض فيها مع طارق علي في هذا الكتاب أو مع أسماء وازنة في كتب أخرى، نذكر منها على وجه الخصوص إقبال أحمد وإدوارد سعيد ونعوم تشومسكي وهوارد زن، وأورنداتي روي، وغيرهم كثير.

ولمن لا يعرف بارساميان، فإنه يشتغل مديرا "للراديو البديل"(Alternative Radio) في بولدر بولاية كولورادو الأميركية أما طارق علي، فقد ازداد عام 1943 في لاهور، التي كانت آنذاك جزءا من الهند الواقعة تحت الحكم البريطاني ولكنها تقع اليوم في باكستان
وهو يعيش منذ عدة أعوام في لندن ويرأس تحرير مجلة "نيولفت ريفيو"(مجلة اليسار الجديد).

له أكثر من عشرة كتب في السياسة والتاريخ، ومنها "صدام الأصوليات"و"بوش في بابل"و"سنوات حرب الشوارع"(كتاب مذكرات) كما أن الرجل معروف عنه التأليف في مجالات الرواية والمسرح وهو أيضا منتج أفلام.

إعادة قراءة التاريخ
نبدأ برؤى طارق علي لبعض أسباب تعاطي الغرب الإمبراطوري مع قضايا العالم الثالث، ومنها القضايا العربية بالخلفية الذهنية والمفاهيمية التي تميزها أحداث الساعة، مشيرا إلى أن السبب في نجاح الغرب في الإفلات بهذه التصورات الكاريكاتورية الفجة ـ اتجاهنا على الخصوص ـ يعود إلى تعرض التاريخ للانتقاص التام.

ولهذا، يضيف علي، فإننا اليوم إزاء شعوب في الغرب تمتلك ذاكرة قصيرة جدا
وأحد أسباب ذلك هو أنه في السنوات الخمس عشرة الأخيرة حصل تراجع كبير في التغطية التلفزيونية لبقية أرجاء العالم، وفي الوقت ذاته تم إنتاج سلسلة من الأفلام المؤمثلة والوثائقية، التي لا تنتهي، عن الحرب العالمية الثانية.

كما أن التاريخ الحديث يتم تجاهله عمليا من قبل المؤسسات الإعلامية الأميركية، بحيث يقِل الاطلاع على ما يجري في باقي دول العالم : نحن حيال ثقافة ريفية جدا تنتج الجهل، ومثل هذا الجهل مفيد جدا في أوقات الحرب لأننا نستطيع إذاك أن نشعل غضبا سريعا في شعب فقير بالمعلومات وأن نشن حربا ضد أي بلد.

والمثير، أن كل هؤلاء "الصحافيين"العظام يسافرون في شتى أرجاء العالم لكنهم يغفلون عن أهم النضالات الحاصلة، لأن أعينهم لا تتركز إلا على ما يلزم أن يكتبوا عنه لجرائدهم ـ والإحالة واضحة هنا إلى توماس فريدمان وأمثاله ـ فتغطية الإعلام الأميركي للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، مثلا، منحاز إلى درجة يبدو معها وكأن الفلسطينيين هم الذين يحتلون أراضي يهودية وأن الإسرائيليين يقاومون قوة فلسطينية هائلة.

ليست الولايات المتحدة سوى الإمبراطورية الوحيدة المهيمنة على العالم، ولا تنقص الأدلة الميدانية التي تُزكي ما يذهب إليه هذا الناقد الجاد، فحرب الكوسوفو مثلا تمت خارج إمرة قيادة حلف "الناتو«، الذي هُمِّشَ تماما.

أما "التحالف ضد الإرهاب"فإنه يعني أساسا الولايات المتحدة التي لا تريد أن يتدخل في استراتيجيتها أحد وعندما عرض الألمان ألفين من جنودهم ـ إبان غزو أفغانستان ـ صرح دونالد رامسفلد إنه لم يطلب ذلك أبدا.

لا يتردد طارق علي في مسائلة الرأي العام الأميركي، ملاحظا أن أغلب المواطنين الأميركيين يعيشون في راحة ويعبون الوقود عبا، ولكن عليهم أن يفهموا من أين يأتي هذا الوقود، وعليهم أن يفكروا في الناس الذين يعيشون في تلك المناطق الأخرى من العالم، وكيف تؤذيهم السياسات الأميركية.

وعليهم أن يسألوا أنفسهم، من أجل أطفالهم وأحفادهم والأجيال المقبلة : "أنستطيع أن نواصل العيش في عالم قلبت أولوياته إلى هذا الحد؟".

خلافات حول غنائم الحرب
يطغى موضوع الحرب على العراق بشكل لافت في ثنايا الكتاب، ولا تخرج خلاصة صاحبه عن نتيجة يراها حتمية، ومفادها أن "الشيء الأكيد الذي لن تحققه الحرب هو وقف الإرهاب"، إن لم نقل إن "الحرب على العراق ستزيد الإرهاب، لأنه كلما ازدادت البلدان المدمرة ازداد طالبو الثأر".

والأدهى أن معظم أنصار بوش من كتاب الصحافة الأميركية يكادون لا يبذلون أدنى جهد لإخفاء هذه المشاعر، مستشهدا في هذا الصدد بالعديد من الأسماء، بدءا بكريستوفر هيتشز الذي يضع كلمة المقاومة (العراقية)للكلمة، وهي تتطور أسرع كثيرا من سابقتها في فرنسا، ونهاية بفريدمان طبعا، فهذا الأخير، وفي معرض حديثه عن أحداث العراق، نجده، حسب تقييم طارق علي، ينطق بالأمور جهرا، فهو يقول إنه سيكون مضحكا التظاهر بأن الحرب ليست من أجل النفط، والحقيقة هي أنها ليست من أجل النفط وحده، والأميركيون صرحاء في هذا الجانب، إنهم يقولون : "هذا هو الوضع، نحن أقوى قوة في العالم، وهذه هي مصالحنا الاقتصادية، وهذه هي مصالحنا الاستراتيجية، وهذه هي مصالحنا الجيوسياسية والأفضل، أيها الناس، أن تتنبهوا، لأننا سندافع عنها"
إنها سمات الإمبريالية.

إنها حرب من أجل النفط إذن، وتمتد شجاعة المؤلف إلى درجة الحديث عن حرب من أجل الإرهاب وليست حربا ضد الإرهاب، وإنها لمصادفة جغرافية وتاريخية أن أغنى مخزونات النفط تقع تحت الأراضي الإسلامية.

هناك نفط في بروناي(في جنوب شرق آسيا) وفي العراق حيث يوجد ثاني أكبر احتياطي للنفط، وفي إيران وفي الخليج العربي، ولو لم يكن نفط هناك وكان النفط في بلاد أخرى، ولنفترض أنه كله أو معظمه في إفريقيا، لأصبحت هذه البلاد هي العدو، ولقال الغرب "إن هؤلاء (الأفارقة) ليسوا مسيحيين حقيقيين، فهم لم يتعلموا المسيحية الحقة والإحالة هذه المرة على تيار "المحافظين الجدد"في الإدارة الأميركية.

إن إحداث تغيير في نظام دولة صغيرة أمر مُستفز بشكل عام، ولكنه مقبول اليوم فقط حين تُمارسه الولايات المتحدة، ولا علاقة له بما يُسمى "الحرب الحضارية"(بتعبير المهدي المنجرة أو "صدام الحضارات"بتعبير صامويل هنتنغتون)، نحن إزاء صدام بين السكان الأصليين الذين صادف أنهم مسلمون والإمبراطورية الكبرى والأقوى في العالم، والتقييم لطارق علي دائما، وهو مؤلف كتاب "صدام الأصوليات"حيث تحدث مليا عما وصفه بصدام بين أصولية دينية صغيرة وبين أم كل الأصوليات، أي الأصولية الإمبريالية الأميركية،، والتي "تستخدم اليوم عضلاتها الاقتصادية والعسكرية من أجل إعادة تشكيل العالم وفقا لحاجياتها ومصالحها".

وقدر المقاومة ضد هذه الإمبراطورية أن تنشأ صحيح أن هذه المقاومة، في اللحظة الراهنة، تتخذ شكل أصولية مغالية في التدين، وهي لن تنجح لأنها لا تقدم شيئا ـ نموذج صريح في النقد المزدوج الغالي على فكر عبد الكبير الخطيبي ـ غير أن ذلك سيتغير، وستنبثق أشكال أخرى من المقاومة.

وأما القول بإمكانية وجود إمبراطورية كبيرة تسعى إلى الهيمنة على العالم من دون أن تتعرض للمقاومة على الإطلاق فهو قول يستدعي الضحك وجب التذكير إلى أن الجزء الثاني من رائعة "صدام الأصوليات"صدرت ترجمته أخيرا تحت عنوان "مائة عام من العبودية«، وقد أشار طلعت مراد، مترجم الكتاب، إلى أن مشروع طارق علي لصدام الأصوليات "لا يعدو أن يكون قراءة عكسية لنهاية التاريخ عند فوكوياما، وصدام الحضارات عند صمويل هنتنغتون، فما الأصوليات المتصارعة التي يترصد خطواتها طارق علي إلا الأساس الأرثوذكسي للفكرانيات، وهي نفسها الحضارات إذ أنها تحمل أبجديتها وما بين هذه وتلك يكمن التعصب، لب الفكرانية والأصولية وراعي الحضارات وحارس بابها"
انظر طارق علي مائة عام من العبودية ترجمة وتعليق : د
طلعت مراد منشورات : كتاب فضاءات(7 طرابلس2005 )تبقى إشارة أخيرة حول موضوع الحرب على العراق، وتهمنا كثيرا لأنه تضيف وجهة نظر مغايرة عن بعض أسباب الخلاف الأميركي الأوروبي حول قرار شن الحرب، وسبق أن أشرنا إلى أهم أسباب هذا الخلاف بالصيغة الواردة في كتاب "أبعاد الصراع الفرنسي الأميركي حول المغرب والشرق الأوسط وإفريقيا"للكاتب المغربي حسن مصدق، ومنها على الخصوص تأسيس الرؤية السياسية الأوروبية على عدم قبول شعار تغيير الأنظمة بالقوة، خلافا للرؤية الأميركية، أو مطالبة الأوروبيين بتطبيق القانون، وفتح المجال للتعددية السياسية والقيام بإصلاحات تدريجية في ميدان حقوق الإنسان، وهي عكس استراتيجية الولايات المتحدة التي تقوم على التلويح بفرض الديموقراطية بالقوة والتهديد وتغيير الأنظمة الشريرة والمارقة أو الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط .

أنظر العرض الذي أنجزناه في الكتاب الصحراء المغربية عدد 25/3/2006، لولا أن ضيف هذا العرض يرى أن الخلاف يكمن بالدرجة الأولى في تبعات عقود إعادة إعمار العراق التي يجري التداول فيها، والتي ستكون كلها من نصيب الشركات الأميركية تقريبا : لقد اتضح أن الحرب قائمة ببن فصائل مختلفة في الشمال تتصارع في ما بينها على حصتها من الغنيمة.

"عرب البيت"الأبيض
نختتم هذا العرض بالتوقف عند نقد طارق علي لمن يصفهم بـ "عرب البيت«، وهذه تسمية طريفة ودالة تهم الأقلام العربية المتهمة بالتأمرك، أو التي تريد أن تصبح أميركية أكثر من الأميركيين، إنها شخصيات تحتاجها الإمبراطورية وتربيها الأكاديميا، نذكر منهم فؤاد عجمي وكنعان مكية، ممن يسعون إلى إرضاء الإمبراطورية وخدمة حاجاتها وهم ـ في حالة عجمي ـ عديمو الحياء تماما في كيفية إذلال أنفسهم أمام الإمبراطورية.

فهلاء الرجال يقولون أمورا يفكر فيها كثير من الأميركيين دون أن يجرؤوا الأخيرون على الجهر بها، وتلك هي قيمة "عرب البيت": إنهم مستعدون للجهر بمشاعر يفضل أميركيو الطبقات الحاكمة وأميركيو المؤسسة الحاكمة.

وتشتق هذه التسمية من الوصف العظيم الذي قدمه مالكولم إكس عن المتعاملين القدماء مع الإمبراطورية بل يذهب طارق علي إلى أن "عرب البيت"أسوأ ممن سماهم مالكولم "زنوج البيت"، فهؤلاء كانوا عبيدا في نهاية المطاف أما "عرب البيت"فأفعالهم طوعية كليا، وهذا ما يجعلها أسوأ بكثير، بحيث فقدوا كل إحساس بالموضوعية
إنهم يسعون الى أن يكونوا مستشارين لدى الإمبراطورية، ليقولوا لها : "أنت لا تقومين بعملك بما يكفي من الإتقان.

إليك كيف تحسنين عملك قد يموت ناس، نعم، ولكن ما الضرر في ذلك؟" ويجد "عرب البيت"موقعهم الملائم في الإعلام الأميركي الذي يصفه الكاتب بـ "المنحط"، لأنه إعلام يبحث عن أشخاص لكي يثبت أن هناك عربا يقفون في "الصف الأميركي"، ولسان حال هذا الإعلام": أنظر ما أذكاهم، إنهم "أذكياء"لأنهم يقولون ما يريد الناس ـ في المؤسسة الغربية الحاكمة ـ سماعه، إنهم مُفيدون ولذا ينبغي استعمالَهم"وما أكثرهم اليوم في زمن الإمبراطورية الأميركية.




تابعونا على فيسبوك