تتواصل بمدن الرباط والدار البيضاء ومراكش وتطوان وفاس ومكناس سلسلة المحاضرات التي تنظمها وزارة الثقافة احتفاء بالذكرى 600 لوفاة ابن خلدون، بمشاركة باحثين ومختصين مغاربة وأجانب.
وترصد هذه اللقاءات جوانب مهمة من حياة هذا العلامة، من خلال استقراء المحطات الكبرى من فكره واسهاماته العلمية والفلسفية، إذ يرصد الباحث محمد الناصري، من خلال موضوع "ابن خلدون والمدينة: بين مراكز القوة ومكامن الضعف" الفضل الكبير لهذا المفكر الفيلسوف، في وضع المدينة في غمرة التحولات المجتمعية والاقتصادية والسياسية في علاقتها مع طبيعة السلطة.
لقد كان وعيه بتأثير الظاهرة المدينية في تطور البلدان من ألمع عطاءاته العلمية
إذ أبان توالي القرون بكيفية واضحة مدى عمق المقاربة الخلدونية لدور المدينة في قيام الحضارات وانحطاطها مما جعل من إشكاليته مدخلا ضروريا لفهم ما آلت إليه من تقهقر وتخلف أو نمو وازدهار البلدان.
بنسالم حميش يتناول من جانبه سيرة ابن خلدون في محاولة لرسم صورة تقريبية عنه على اعتبار أنه شخصية "من الصنف الذي لا يعرف إلا بالبوح والمكاشفة والتأمل الاستبطاني، وإن كانت كلها لا تتميز حقا عن لغة النص، التي تظهر فيه متوسطة بين التألق البلاغي الباهر والتألق اللفظي بالسجع والبديع، كما عرف ذلك عند لسان الدين ابن الخطيب وغيره من المعاصرين".
ويتناول الباحث بنّاصر البُعزّاتي موضوع "العلوم الفلسفية بالغرب الإسلامي زمن ابن خلدون"، إذ يتطرق لمظاهر الحفاظ على الإرث العلمي خلال الثُلث الأول من القرن الرابع عشر للميلاد، بعناية ابن باص وابن الرقّام والمصمودي وابن البناء وأبي مقرع؛ حيث نشط هؤلاء في العلوم العقلية، خصوصا في علوم الرياضيات والفلك.
لكن الأفكار العلمية لم تتفاعل في ما بينها لكي يخصّب بعضُها بعضاً؛ وقد أدرك أولائك العلماء مشاكل التواصل العلمي وعوائق انتشار الأفكار مثلا، لم تنتشر الأفكار العلمية لابن الرقام، كما لم ينتشر كتاب أبي علي المراكشي في الفلك قبله، في ربوع الغرب الإسلامي؛ إذ تكوّن أبو علي وألف بمصر فظلت المعارف العلمية المتداولة مبعثرةً، لا ترتبط في ما بينها برباط وثيق بل اتخذت الكتابات العلمية بالذات شكل ملخصات وشروح للملخصات.
ويرى الباحث أن الفاعلية العلمية ظلت محدودة، وخالية من أي تجديد خلال القرن، نتيجة تراجع اللحمة الفلسفية التي تشكل الوعاء الحاضن للعلوم باستمرار.
وهناك إشارات لدى ابن الخطيب وابن خلدون وغيره لما آل إليه الفكر الفلسفي من ضحالة، نتيجة المراقبة فقد فرض الفقهاء المتزمتون رقابة شاملة، لا على العلوم الفلسفية فحسب، بل على مدارس علم الكلام وأصول الفقه، المتفتحة على المنطق، بل حتى على المنطق الشرعي المتقدم أحيانا.
تتلمذ على يد ابن البناء عدة علماء؛ لكنهم لم يؤلفوا، أو أنهم تركوا كتابات سرعان ما ضاعت هؤلاء نشروا العلم عبر التدريس؛ لكن منهج التدريس السائد آنذاك، القائم على التكرار والتذكّر، كرّس ذهنية الخمول.
إن الخصوبة العلمية، يقول البعزاتي، تقتضي توفّر مناخ فكري تتنافس في أحضانه الفرضياتُ المختلفة، أي أنها تتطلب تعددا في المذاهب تشحذ الأدلة وتنظر في الأمثلة والأمثلة المضادة لكن اختفاء الفكر الفلسفي، وتراجع الجدل الفكري عامة، أمات روح التنافس، إنما ظل الخِلاف بين علوم شرعية (اللغة العربية والحديث والفقه المالكي) وممارسات معرفية متعلقة بالطلاسم والمعارف غير النقدية (الأنواء والرمل والطب النبوي).
كما ساد خلاف، بعد امّحاء علامات التصوف الفلسفي، بين التصوف السني والتصوف الشعبي؛ والأول مجرد فصل من الفقه المالكي، بينما الثاني خليط من المعتقدات العتيقة الساذجة.
فاضمحلت القدرة على التمييز بين العلم العقلي والممارسة الساذجة، بسبب غياب النقد وكتّاب الشروح الرياضية والفلكية، كابن قُنفذ والعُقباني والمَواحِدي ابن هَيدور، الذين عاصروا ابن خلدون، لم يضيفوا شيئا إلى كتابات ابن البناء وابن خلدون ابن هذا المناخ.
الباحثة التونسية منيرة شابوتو سلطت الضوء من جانبها على ابن خلدون ووجوده في مصرحيث تناولت في بعض الأسباب التي جعلته يهاجر من وطنه الأم المغرب الكبير الى الشرق ويستقر بمصر سنة 1382 ميلادية.
وتساءلت الباحثة عن العوامل التي جعلت ابن خلدون يقرر الهجرة الى مصر، مستعرضة بعض جوانب حياته الفكرية والسياسية سواء بالمغرب الكبير أو بمصر التي مارس بها مهامه كعالم وكقاضي بعد تقربه من السلطات الحاكمة في هذا البلد.
وأشارت إلى أن الأزمات التي عاشتها بلدان المغرب الكبير إبان ذلك العهد كان لها دور كبير في اتخاد هذا القرار وهي أزمات تمثلت على الخصوص في انهيار ديمغرافي كبير بسبب تفشي أمراض الطاعون الجارفة وعدم الاستقرار السياسي في ظل الأزمات التي عاشتها بعض القبائل مثل قبيلتي بني هلال وبني سليمية.
وتناولت جوانب من حياة ابن خلدون في مصر، موضحة أن هذا المفكر المغاربي الذي خصص لمصر كتابات غزيرة واعتبرها أهم البلدان العربية على الإطلاق في ذلك الوقت، لاحظ خلال مقامه بالديار المصرية الفرق بين النظام السياسي لهذا البلد ونظيره بالمغرب الكبير، حيث تطرق في كتاباته إلى علاقاته بالممالك الذين حكموا مصر في ذلك الوقت، كما حاول تقييم علاقاته بالعلماء والمثقفين المصريين.