اعتبر المشاركون في الحلقة الدراسية التي نظمتها رابطة أدباء المغرب مساء الجمعة الماضي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط حول موضوع "الشعر المغربي المعاصر : تجربة محمد بنيس ـ القصيدة ونظامها"، أن سؤال الحداثة الشعرية لدى بنيس لم يكن سؤالا نهضويا، واتجه
وأوضحوا أن الشاعر "يعتمد الإبدال والعكس والنيابة"، إذ يكتب نصا يمكن فيه إبدال الجملة الأخيرة لتصبح الأولى والأولى لتمسي الأخيرة دون تغيير المعنى، مشيرين إلى أن هذا "يجعلنا في عالم الرياضيات المطلق، وهناك دراسات معاصرة تنسب هذا إلى عالم الديجيطال والشاعر في هذا النوع من النصوص ما قبل حداثي لأنه لم يخلق لغته بعد".
وشددوا على أن النصوص الشعرية اللاحقة سعت إلى تأسيس حداثتها الأخرى في النص والنظرية، عبر سعيها إلى "ترسيخ مفهوم الماضي المتعدد الذي يسمح للكتابة باختراق كل الأزمنة".
وأشاروا إلى أن قصيدة بنيس لا تكتمل أبدا، فهي دائما تثير في الشاعر عدم الرضى والقلق المستمر فيسعى بذلك إلى تشذيبها، مضيفين أنه عندما صدرت أعماله الشعرية الكاملة سنة 2002 بعد تجربة إبداعية تمتد حوالي 40 سنة، عمد إلى العودة إلى النصوص الأولى وإعادة كتابتها، إذ غير عناوين بعضها وحذف بعضها الآخر.
وانطلقوا في مقاربتهم لديوان "العبور إلى الضفاف الزرقاء" من انفتاح النصوص على بعض، والابتعاد عن التجنيس، كما "تحضر فاس وقرطبة والقدس وأماكن أخرى لا يمكن العبور إليها إلا عبر الكلمات، وربط ثلاثة عناصر أساسية تتعلق بالشم والذوق والبصر بالإحالة على كل مكان من هذه الأمكنة، فالطيب وخاصة الغنباز والمسك تحيل على فاس على سبيل المثال لا الحصر".
كما أشاروا إلى الأشكال الهندسية التي وظفها في كتابة القصيدة، كالشكل الهرمي، والهرمي المقلوب مما يخلق أثرا خاصا لدى المتلقي سواء من الناحية البصرية أو النفسية، مضيفين أن ما يثيره الشاعر في هذا الديوان خلال استحضار فضاءات بعيدة كالقدس وفاس والأندلس يعد بمثابة سيرة عليا في التاريخ تمر عبر اللغة والذاكرة.
وتطرقوا إلى ما سماه الشاعر نفسه بـ "المكان الوثني" مكثفين تعريفه في المبادئ الثلاثة "حرية الإقامة في حدود الخطر" و"إمحاء الأصل والحقيقة" و"العودة للأثر والاحتفاء بالعناصر" بهذا يصير الكلام الشعري الصادر عن هذا المكان "كلاما مليئا بالرعب، مع صور الطبيعة الموغلة في اللاإنسانية مثل : السماء والجحيم والمقدس والطفولة والجنون".
بعد ذلك تناول الكلمة الشاعر محمد بنيس ليعرب عن سعادته لظهور مثل هذه الجلسات العلمية التي تعد "جديدة في ثقافتنا"، موضحا أنه يفصل بين ذلك الشخص الذي تحدث عنه المتدخلون وبينه هو، قائلا: "أنا محايد ولاعلاقة لي بذلك الشخص الذي لا أهادنه أبدا والقصيدة هي التي جعلتني أفكر في الطرق التي يمكن أن أتخلص بها من ذلك الشخص، أحيانا باللين وأخرى بالعنف".
واعتبر نفسه مجنونا لأنه خارج عن العادة، قائلا "نحن كلنا مجانين لكنه جنون بناء وليس هداما" وقد أهدت رابطة أدباء المغرب في نهاية الحلقة الدراسية، المجموعة الكاملة من منشوراتها في نسخة أنيقة ومجلدة، قدمتها لمحمد بنيس الباحثة الجامعية نجاة المريني.