الاستشراق للدكتور محمد الدعمي

الصورة العربية في مرآة الغرب

السبت 22 أبريل 2006 - 11:29

صورة العرب عند الغرب أو كيف ينظر الآخرون لنا هو ما ظل يشغل الفكر العربي الإسلامي طيلة فترة تشكل الوعي النهضوي لديه، وهو ما دفع بالاهتمام بالاستشراق لمعرفة طرائق تفكير العقل الغربي بالعرب والمسلمين.

وقد ازداد هذا الاهتمام مع نشر وتعريب كتاب المفكر الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد، "الاستشراق"، وهو مؤلف نقدي يعتمد الخط الجدلي والأدوات الأكاديمية المناسبة لمباشرة آليات التفكير الغربي بالشرق في كتابه الصادر حديثا تحت عنوان: "الاستشراق ـ الاستجابة الثقافية الغربية للتاريخ العربي الإسلامي" يقدم لنا الدكتور محمد الدعمي دراسة نقدية للاستشراق، بديلا عن الخطوط العامة التي قدمها إدوارد سعيد وسواء من الكتاب العرب والمسلمين، نظرا إلى الحاجة الماسة عند القراء العرب إلى بحث تفصيلي يقرأ نصوص الاستشراق والخيال الاستشراقي على نحو التحديد من ناحية، ويلقي الضوء على آثار كبار مشكلي الرأي العام الغربي في تقديم وتسويق صورة معينة للشرق العربي الإسلامي من الناحية الثانية.

والكتاب لا يدعي أنه يلم بجميع خطوط وألوان الصورة الغربية للحضارة العربية الإسلامية في كتاب واحد، يؤكد المؤلف، وحتى يتمكن الباحث والمهتم من الموضوع، فإن الكتاب الحالي يعد تواصلا لكتابين آخرين، الأول بعنوان "المتغير الغربي: الشرق، الاستشراق، أدب الصحراء"، والثاني بالإنجليزية بعنوان: "المرايا العربية والسحر الغربي" وكلاهما لنفس الباحث مؤلف الكتاب محمد الدعمي.

وإذا كان القسم الأول من هذا الكتاب قد ركز على "أطر نظرية وتاريخية"، فإن القسم الثاني يركز على "التطبيقات" وعلى آثار تلك الأطر القديمة التي بقي العقل الأوروبي حبيسا لها.

لذا فإن الفصل الثالث من الكتاب يستل من بين أهم كتاب العصر الفيكتوري الكاردينال "نيومان" زعيم حركة اكسفورد وواحدا من أهم منظري "فكرة الجامعة"، ليس بسبب دوره الثقافي والديني المهم، بل كذلك بسبب تجاوز غالبية دراسات نقد الاستشراق لواحد من أهم كتبه المنسية: "تصويرات تاريخية: الترك وعلاقتهم بأوروبا".

وقد مثل الكاردينال "نيومان" الذهنية المتدنية المشوبة بالكثير من براثن الإثنية والطائفية وهو يختلف كثيرا عن الكاتبة "هاريت مارتنو" معاصرته التي اشتهرت بتحررها من كوابح الالتزام الديني، وبميلها القوي إلى الفلسفات الدنيوية الحديثة آنذاك، زيادة على اهتمامها المبكر بالأنثوية وبقضية تحرير المرأة، ونظرا إلى طبيعة اهتمامها بالمرأة وبأوضاعها، فإن "مارتنو"، ارتكزت على تراث أوروبي قديم وعميق في دراساتها الاستشراقية مستقى من فكرة الإساءة المفترضة للمرأة في العالم الإسلامي، وهي الإساءة المتبلورة في مفهوم "الحريم" الذي دخل اللغة الإنجليزية لفظا مستعارا ليكتسب هالة واسعة من المعاني السلبية التي تحط من قدر المرأة المسلمة كما هي مصورة في الثقافة الغربية، باعتبارها "مخلوقا" حبيسا في البيت، وموضوعا للاستثمار الرجل الاسم واضطهاده.

وقد صدر الفصل الرابع لهذه الأفكار الشائعة في الغرب حيال موقع المرأة في الإسلام، ككينونة حسية تقبع في قصور الأغنياء والمنتقدين المغرمين بتعدد الزوجات.

وإذا كانت آراء "مارتنو" حول المرأة المسلمة مبنية على الملاحظة المباشرة وليس على دراسة الفكر والفقه الإسلامي، فإن آراء "رتشارد بيرتون" الذي قضى أكثر من ربع قرن في ترجمة "ألف ليلة وليلة" إنما تدعي المعرفة بالإسلام وبعقائده، بتقاليده وقصته التاريخية، لذا يعد مؤلفه المهم: "المقالة الختامية" الذي أنهى به ترجمة "الليالي العربية" مدخلا مهما آخر لتناول أوضاع النسوة في العالم الإسلامي، باعتبارها أوضاعا أفضل بكثير من حال المرأة المتدنية في أوروبا، حيث يعتبر عدم الاستحمام والرهينة كما يقول من شروط التدين الحقيقي.

وفي القسم الثالث من الكتاب يتناول المؤلف موضوع الاستشراق الأميركي بداياته وتفرعاته، إضافة إلى إلقاء الضوء على عدد من منطلقاته الفكرية، دوافعه وإرهاصاته، إن الحديث عن الاستشراق الأميركي غالبا ما يرادف الاستشراق الحديث، ليس لأن الاستشراق الأوروبي لفظ أنفاسه الأخيرة، ولكن بسبب بروز وتفوق الاهتمام الأميركي بالشرق عامة، وبالشرق العربي الإسلامي خاصة، تبعا لمعطيات التقدم المادي ولتصاعد مؤشرات المصالح الأميركية في الشرق الأوسط عبر الحرب الباردة، وما تلاها من تطورات جعلت من الولايات المتحدة الأميركية القطب الواحد الأكثر تأثيرا في الساحة الدولية، ويمكن رد الاهتمام الأميركي بالمشرق العربي الإسلامي إلى تحالف الولايات المتحدة مع إسرائيل وإلى تبلور الحاجة لمعرفة شعوب المنطقة المحيطة بها، زيادة على الاهتمامات الاقتصادية التي تتركز على النفط.

لقد تجسدت الصورة الأميركية للعرب والمسلمين بداية، في آراء وكتابات عدد من قادة الرأي ومشكلي الرأي العام، وبخاصة من بين من تأملوا نوعا من "الاتحاد" بين العرب والشرق باعتبار ذكورية الغرب وتأنيث الشرق، وهكذا استحضر العقل الأميركي المثقف فكرة إمبراطورية الاسكندر الكبير التاريخية كمحاولة لتوحيد الشرق، ولتزاوج الغرب الذكوري بالشرق الأنثوي، على سبيل إنتاج "إنسان جديد" أو ما أسميَّ في الأدبيات الأميركية بـ "الإنسان الألفي الجديد".

وكانت أولى وأهم تعبيرات الاهتمام الأميركي بالماضي العربي الإسلامي قد تبلورت على أيدي "إرفنغ" الذي حظي بلقب سفير أدب العالم الجديد للعالم القديم، لذا فإن الفصل السابع من الكتاب يرصد بالدراسة والتحليل واحدا من أهم التواريخ الأميركية للعرب والإسلام.

وهو كتاب "إرفنغ": "محمد وخلفاؤه"، حيث يعد هذا الكتاب واحدا من أوائل التواريخ الغربية إنصافا للإسلام، والذي حاول قراءة أكثر حيادية لهذا التاريخ، وأن قراءة تاريخ "إرفنغ" لقصة صدر الإسلام لن تخفق في الإيحاء للقارئ المسلم المعاصر أن هذا الكاتب الأميركي كان من أوائل الذين نجحوا في التخلص من براثن التواريخ الأوروبية المشوبة بالأحقاد والضغائن.

كما أن اهتمام "ارفنغ" الخاص بشخصية كولومبوس "الأميركي الأول" حسب الأسطورة الأميركية، ناتج عن تخيل "إرفنغ" أن كولومبوس واقفا في قصر الحمراء وهو يعرض مشروعه لركوب بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) هو الرجل الذي انطلق لاكتشاف العالم الجديد من بلد كان نصف عربي ونصف أوروبي، نصف مسلم ونصف مسيحي، وكأن قدره هو جمع نصفي العالم القديم (آسيا وإفريقيا مع أوروبا) لاكتشاف العالم الجديد، حيث "تزاوج" نصفي العالم القديم والجديد من أجل ولادة أميركا، كما ركز "إرفنغ" على بعض الشخصيات العسكرية، معبرا عن شديد الإعجاب بفروسيتها وأخلاقياتها الشجاعة، كطارق بن زياد وعقبة بن نافع، كما ركز بالدرجة نفسها على الشخصيات الإدارية التي تمكنت من ترسيخ الحكم العربي الإسلامي في الأندلس.

وفي الفصل التاسع من الكتاب يعرض المؤلف أهم الطرائق التي تعامل بها المستشرق الأميركي "رالف ولدو إمرسون" مع الماضي العربي الإسلامي، والذي خص المرأة العربية أو المسلمة بالاهتمام، حيث أنه تأثر بألف ليلة وليلة، مقدما إياها كنموذج للحيلة والذكاء الفطري والقدرة على المناورة، استنادا إلى شخصية شهرزاد كما قدم الخلفاء الراشدين كنموذج ودرس في الأخلاق والتواضع والبسالة والشجاعة لجمهوره الأميركي.

وفي القسم الرابع والأخير من الكتاب وهو يقع في فصلين : الفصل العاشر حاول فيه المؤلف جمع خيوط طرائق مباشرة الماضي العربي الإسلامي منذ العصر الوسيط حتى عصرنا، مع إشارة خاصة إلى محاولات المستشرقين تعريف دورهم الاجتماعي من خلال توظيف التاريخ العربي الإسلامي بأساليب متنوعة، وفي الفصل الحادي عشر كرسه المؤلف لمحاولة المقارنة والمقاربة بين الطرائق العربية الإسلامية في مباشرة التاريخ من ناحية، وبين الطرائق الغربية، الاستشراقية في مباشرته وتحليله.

إن كتاب "الاستشراق الاستجابة الثقافية الغربية للتاريخ العربي الإسلامي" يسعى بالنظر إلى الحاجة الماسة عند القراء العرب إلى بحث تفصيلي يقرأ نصوص الاستشراق، كما يعرض بشكل مفصل لعقول غربية وقعت في دائرة سحر التاريخ العربي الإسلامي وخصته بأساليب معالجة متنوعة إضافة لتحديده الحاجات الثقافية والسياسية المحلية في الغرب التي دفعت بهؤلاء الكتاب لدراسة تاريخ العرب والمسلمين، كاشفا في ثنايا كتابه عن الطرق والأساليب التي يعالج بها الغرب الموضوعات الخاصة بالشرق منها استعمال التاريخ مشوها ومحرفا، كأداة للتعبئة الجماهيرية عاطفيا وفكريا، عبر قرون الاحتكاك بين العالمين الإسلامي والأوروبي، يعد الهيئة الأولى للفتوحات الإسلامية التي شكلت تحديا عسكريا وفقهيا لأروربا العصر الوسيط.

ويشير الكتاب إلى أن الجهل بالإسلام من أهم العوامل التي ساعدت على التعبئة واختلاق نوع من "فوبيا الإسلام"، أو الخوف من الإسلام والمسلمين، وهو ما ترسب في عقول الأوروبيين، ولم تزل آثاره ماثلة حتى اليوم، وهي تطفو على صفحات الإعلام والثقافة الشائعة عبر الدول الغربية.




تابعونا على فيسبوك