يرى الباحث د محمد الفران أن ظاهرة "الدعاة الجدد"، تبقى ظاهرة صحية سيزداد انتشارها في المجتمعات المسلمة لأنها تلبي رغبات وتطلعات شرائح عريضة من المجتمع، ويطالب أستاذ اللسانيات وعلوم الاتصال بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية من "الدعاة الجدد" أن ينتجوا خطابا دي
٭ هل يمكن ربط ظاهرة "الدعاة الجدد" بظاهرة "التدين الجديد" إجمالا؟
من المعلوم أن التدين سلوك وأسلوب في الحياة، يهدف أساسا إلى التمسك والالتزام بالمعتقد الديني، وما يترتب عنه من تعاليم تجاه الخالق والمخلوق معا، والإنسان المتدين يحمل بين أضلعه إرادة عميقة وقوية لتعديل سلوكه باستمرار، حتى يستجيب لمضمون الدين عقيدة وشريعة، ويحقق رضى خالقه والتقرب منه، بقدر قدرته على تعديل السلوك والتغلب على شهوات النفس، ليصل مرتبةَ ودرجة العبد المثال والنموذج الذي تحدثت عنه الكتب السماوية، ولعل شيوع الحس الديني في العالم بأسره وليس في العالم العربي فقط، هو الذي ولد ظواهر اجتماعية متعددة ومنها ظاهرة "الدعاة الجدد"، والتي لا توجد فقط عندنا نحن المسلمين بل سبقنا إليها المسيحيون خصوصا في أميركا، وكذلك اليهود.
٭ كيف تقيمون الشعبية التي يحظى بها رموز الظاهرة في الساحة المغربية؟
ـ كان دور الدعوة يضطلع به العلماء في المساجد والأماكن التي يتاح لهم فيها الاتصال بالجماهير، وبعد أن تطورت وسائل الاتصال الجماهيري، كالمذياع وشاشة التلفاز، لوحظ في السبعينات والثمانينات ظهور أسماء ذاع صيتها في هذا المجال وطبقت شهرتها الآفاق كالشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد الغزالي، وخالد محمد خالد، والشيخ كشك، وغيرهم حيث مثلوا علامات بارزة في هذا الحقل ونموذجا في التفاعل مع جمهور المسلمين.
وللإشارة فقد ظهر في المغرب صدى ذلك، بعد أن لقي هذا النوع من الاتصال استحسانا وقبولا من طرف المشاهدين، بعد ذلك عرفت الساحة الإسلامية الدينية ظهور أصناف متعددة من الدعاة، فهناك من سار على نهج الدعاة الأوائل الذين ذكرناهم سابقا، وسلك طريقهم في الخطاب ومعالجة المواضيع الدينية المرتبطة بالتفسير وقضايا العبادات، وهناك الذين خرجوا من تحت جبة الحركات الإسلامية، خصوصا بعدما أعادت النظر في أسلوبها ومشروعها الذي أصبح ينحو منحى المهادنة والسلم عوض العنف ومواجهة السلطة السياسية والسعي إلى تغييرها عموديا، لذلك نلاحظ من يصر على رفض هذه الظاهرة لكونها في نظره مناورة من الحركات الإسلامية لتهييء الخلفية الجماهيرية التي قد تساعد فيما بعد الحركات الإسلامية في تحقيق مشروعها السياسي، وهناك من الدعاة من ظهر مع الانتشار الذي عرفته الدعوة الوهابية، التي
دعمت بدورها هذا النمط الدعوي لأنها أدركت مدى تأثيره في النفوس والنتائج التي يمكن أن يحققها على أرض الواقع، لكن تأثيرها ظل محدودا في دول الخليج ولم يلتفت إليه الآخرون إلا لماما لأسباب ترتبط بالطابع البدوي الطاغي عليها شكلا ومضمونا، لذلك نلاحظ أنها لا تنتشر في الأوساط المدينية، أما النوع الرابع فقد ظهر بعيدا عن الأنواع السابقة، لأنه شق طريقا جديدة وابتكر أسلوبا نجح في شد انتباه المشاهدين إليه وخصوصا الشباب.
وهي ظاهرة صحية في نظري سيزداد انتشارها في المجتمعات المسلمة، وسيكثر المقبلون عليها والممارسون لها أيضا لأنها تلبي رغبات وتطلعات شرائح عريضة من المجتمع أصبح الدين عنده يمثل حسا طبيعيا يدخل في اليومي المعتاد، ومن ثم يحتاج إلى من يرافقه باستمرار وينير له الطريق مرة بعد مرة، هذه الظاهرة قد يُحسن استعمالها على الوجه الأمثل، وقد يساء استغلالها ما لم تتعهد بالرعاية والتوجيه والنقد.
٭ الظاهرة قديمة في نظرك؟
ـ في الواقع الظاهرة قديمة وحديثة، فهي قديمة من حيث اعتماد وسائل الاتصال الحديثة كالمذياع والتلفاز ثم الأشرطة وكذلك مستوى الإقبال عليها من طرف المتلقين، وجديدة من حيث الأسلوب المتبع في الخطاب الديني الذي يعتمده هؤلاء الدعاة.
٭ ماذا تقصد بالأسلوب؟
ـ من المعلوم أن أي خطاب كيفما كان نوعه يقتضي أربعة أركان أساسية، بها يتحقق وينجز، (المخاطِب) المخاطَب الخطاب ذاته، والقناة المعتمدة في إيصال ذلك الخطاب، "الدعاة الجدد"، أعادوا النظر في هذه الأركان كلها، أما الدعاة الأوائل فقد أعادوا النظر فقط في الوسيلة التي هي (الركن الرابع).
فرغم أن الخطاب الديني تجاوز وسيلة الاتصال المباشر، المسجد على سبيل المثال، إلى شاشة التلفزة ليخاطب جمهورا أوسع، فقد ظل المخاطِب دائما هو ذلك الشيخ المعمم كما يقول المشارقة أو الفقيه أو الواعظ المجلبب كما نقول نحن هنا في المغرب، ذو وقار وهيبة يعفي لحيته الطويلة ويتصرف عموما وكأنه يجلس على منبر جامع عتيق، يخاطب جمهورا واحدا متجانسا يعظهم تارة بالوعد وتارة بالوعيد، ويعتمد نفس الآليات الدينية في الإقناع والاستدلال، وهي آليات في عمومها تعتمد النقل والرواية ولا تحفل بأساليب العقل والدراية إلا في القليل النادر .
٭ هل يوجد هذا النوع من الدعاة في المغرب؟
ـ بصورة شكلية موجود في المغرب، إلا أنه لم يصل بعد إلى مستوى الظاهرة كما هو الشأن في الشرق، ليس لأن المغاربة كما يزعم البعض لا تتوافر في دعاتهم الإمكانات الذاتية للقيام بهذه المهمة، بل لأن الظروف التي نشأت فيها هذه الظاهرة في الشرق تختلف عن ظروفنا نحن في المغرب.
المغرب لم يعرف الحركات الإسلامية السياسية بالصورة التي كانت عليها في المشرق، بصراعاتها وأدبياتها المعروفة والمتفاوتة بين التطرف والاعتدال.
خطاب الدعوة في المغرب ظل دائما يسري في المجتمع المغربي الحديث على مر مراحله التاريخية التي قطعها، وأغلب الظن أن الحضور الديني لخطاب الحركة الوطنية سواء في محاربتها للاستعمار أو عند بناء الدولة الحديثة، علاوة على نظامنا السياسي القائم على إمارة المؤمنين، جعل هذا الخطاب يسري بصورة طبيعية في ارتباط مع الحس المشترك عند المغاربة، لقد عرف الإعلام المغربي أسماء في هذا المجال وإن كان تأثيرها قد ظل محليا، ونذكر علي سبيل المثال المرحوم الشيخ مكي الناصري، والشيخ المصري عبد البر، وكذا المهدي بنعبود، والأستاذ قدور الورطاسي، والعلماء الذين كان يستضيفهم الأستاذ قروق وغيرهم.
٭ لا نلاحظ مظاهر وجود هذا النوع من الدعوة، أو الخطاب في المغرب كما تقول؟
ـ أقول دائما من حيث وجودها هي موجودة، ويكفي أن نذهب إلى بائعي الأقراص المدمجة في الأسواق المخصصة لذلك، لترى كثرة الأسماء الشيخ فلان، والشيخ علان، هذا شيخ كبير وذاك شاب لا يتجاوز الثلاثين بلحيته السوداء ونظرته المتوثبة والمتطلعة وحركاته التي تتكلف وقار وهيبة الشيوخ الطاعنين في السن، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك أساتذة يشرفون على برامج من هذا النوع في القناة الأولى والثانية، وأخيرا في القناة السادسة المخصصة للشؤون الدينية ونسمعهم أيضا في المذياع، إلا أن هؤلاء لم يجدوا بعد، طريقهم إلى الشهرة داخليا وخارجيا من خلال الفضائيات العربية، أما من حيث خطاب "الدعاة المغاربة الجدد".
ولا أتحدث عن البرامج التلفزية والإذاعية بل أتحدث عن الظاهرة بوجه عام بما في ذلك الأقراص المدمجة وأشرطة الفيديو وما إلى ذلك، فإنها تضم خطابات متعددة تتفاوت بين الخطاب الإسلامي الشعبي القائم على الخرافات والشعوذة الفكرية أو الآراء التمجيدية السطحية التي تريد أن تدغدغ النفوس بصورة فجة أحيانا، ولا تستطيع أن تشد المشاهد أو المستمع خصوصا الشباب، ومن جهة أخرى تجد خطابا مستلبا يمتح من خطابات وافدة نشأت في تربة مخالفة عن تربتنا وبالتالي فهو خطاب لا ينسجم مع واقعنا ويصر أصحابه على أن يلقبوا بالشيوخ إسوة بنظرائهم في المشرق خطابهم هذا يشكو من الضبابية وغياب الأهداف التربوية ويجتر بعض القضايا المكرورة التي يطرقها الدعاة المشارقة مما يدخل في بعض الأمور المتعلقة بالسيرة النبوية والعقيدة ولا يمس الأمور الاجتماعية المحلية الواقعية التي يهتم بها المغاربة إلا مسا خفيفا، وخطاب ثالث بين بين، يرضي بعض الفئات دون أخرى لكنه لم يستطع أن يجلب حوله حمهورا واسعا عريضا كما هو الشأن بالنسبة إلى المشرق مع عمرو خالد مثلا.
٭ ولكن لم تستطع جميع هذه الخطابات أن تجمع حولها جمهورا واسعا كما تقول، ما السبب في نظرك؟
ـ السبب موضوعي أيضا وليس ذاتيا، ذلك أن الظاهرة عندما نشأت وترعرعت في المشرق، نشأت بسبب عوامل كثيرة ساعدت على ذلك، منها ما هو فكري ومنها ما هو مادي صرف، ولا بد أن نذَكّر هنا، أن "الدعاة الجدد"، ظهروا أول الأمر بين أبناء الطبقات البورجوازية التي أرادت أن تحتفظ بسلوكها الديني دون أن تنسى نصيبها من الدنيا والطيبات من الرزق في انسجام مع الحياة المعاصرة وتحدياتها، ثم امتدت بعد ذلك إلى الطبقات المتوسطة من خلال الأطر الجامعية والبنكية وأرباب المقاولات وما إلى ذلك، لتتسلل في ما بعد إلى الطبقات الدنيا المسحوقة وترفع شعار"صنع الحياة" وليس صنع الموت الذي يروج له دعاة التطرف والعنف.
ولم يكتف هؤلاء بالخطاب بل انتقلوا للعمل من خلال الجمعيات والمنظمات، ثم جاءت الفضائيات لتضفي الطابع العولمي على هذا الخطاب أو النمط من الدعوة فقدمت له الدعم الكامل لتساعد على نشره ليس في الوطن العربي فحسب، بل في العالم بأسره خصوصا وأننا نعلم أن الجاليات العربية المسلمة يزداد انتشارها يوما بعد يوم في أوروبا وأميركا الشمالية.
ولا أظن أن الخطاب الدعوي الجديد في المغرب عرف هذا المسار وانبثق من صلب المجتمع بالصورة نفسها أو وجد من الإمكانات والدعم الإعلامي ما يكفي، وبالتالي لم يوجد عندنا من الدعاة من وصل إلى شهرة دعاة مصر وغيرها من الأقطار العربية
٭ ما قلته يجيب عن سبب عدم وجود دعاة مغاربة حققوا شهرة عالمية وهل في نظرك هناك دعاة حققوا شهرة داخلية؟
ـ لا أظن، وأعتقد أن ذلك لأسباب متعددة أيضا، نذكر منها ما يتعلق بالشكل وما يتعلق بالمضمون، أولا على مستوى الشكل هناك قصور عند المغاربة في هذا الخصوص، لقد أصبح الداعية الجديد اليوم ابن عصره، ليس في الخطاب فقط، بل بالفعل من خلال ذقنه الحليق، وبذلته العصرية الفاخرة، وربطة عنقه المستوردة واختياره للألوان المتناسقة التي تنسجم مع الذوق العصري العام، والالتصاق بالممارسات الاجتماعية اليومية الحديثة، أما عندنا فالملاحظ أنهم ما زالوا يتمسكون بلحاهم المتفاوتة بين الطول والقصر، وبجلابيبهم وقمصانهم، وتباعد ألوانها وأشكالها وما إلى ذلك من المظاهر التي قد تنفر المسلم الشاب الذي يتطلع إلى الحياة العصرية، ناهيك عن مظهر الهيبة والوقار والابتسامة الواضحة التكلف والاصطناع، بل ولست أدري لماذا اعتماد ذلك الضوء الخفيف في الصورة المنقولة والديكور ذي الألوان الداكنة والذي يوحي بالظلمة والحزن أكثر مما يبعث على البهجة والحياة، الداعية اليوم يبشر ولا ينفر، يدعو المسلم لأن يقبل على الحياة ويخوض غمارها بصدر رحب ودون مركب نقص أو شعور بالدونية، وهي صورة مع الأسف عمل خطابنا الديني والإعلامي أيضا على ترسيخها في لاوعي الناس والناشئة خصوصا من خلال البرامج والأفلام.
يلزم دعاتنا المغاربة أيضا أن ينتجوا خطابا دينيا متوافقا مع التطلعات الحديثة، أي أن يكون دعوة اجتماعية تشدد على السلام الداخلي والتوازن الروحي وليس العبادة والقصاص فقط.
بقي أمر آخر هو مسألة اللغة، لا أدري لماذا يصر دعاتنا الجدد على استعمال اللغة العربية والتحذلق بها، مع العلم أنهم يجب أن يستعملوا اللغة اليومية التي يتواصل بها الناس، لأن استعمال الدارجة مثلا سيجعل خطابهم يصل إلى أكبر قدر ممكن على اختلاف مستوياتهم الثقافية، خصوصا وأن هناك من معرفته باللغة العربية محدودة جدا بسبب تكوينه الفكري والأكاديمي.
٭ كيف تنظر للداعية المغربي في المستقبل؟ ـ الداعية المأمول لا بد له من أمور منها ما هو أكاديمي علمي ومنها ما هو تربوي بيداغوجي ومنها ما هو أخلاقي: أما الأخلاقي فهو شرط صحة ووجوب كما يقول الفقهاء، فالداعية إذا لم يكن مثالا يحتذى فلن يكون خطابه مؤثرا ولن يقع موقع الاطمئنان والقبول في نفوس الناس.
أما المعرفة التربوية البيداغوجية فهي أساس الداعية لكي يرغب الناس ويعرف المناهج الكفيلة بإيصال دعوته وتقبلها عند المتلقي بيسر وسهولة ودون غلظة وإغراق في استعمال الجمل الطنانة والقاسية أحيانا على حد ما يشنف به أسماعنا بعض الخطباء في صلاة الجمعة، وهذا لا ينسجم مع طبيعة الدين في تسامحه ولطفه ومعالجته للقضايا بالتي هي أحسن حتى مع المنكرين أو الجاحدين ثم هناك المعرفة الأكاديمية ويحتاج المسلم اليوم لداعية مثقف بمعنى لم يصبح اليوم مقبولا أن يكون الداعية فقيها لا معرفة له إلا بالعلوم الدينية.
٭ ما هي في نظرك الخاصية التي قد تميز الداعية المغربي؟
ـ تتجلى هذه الخاصية في الثوابت الدينية للمجتمع المغربي، ولا أريد هنا أن يفهم من هذه الثوابت، أنها تمثل الخطاب الرسمي ليس إلا، وإنما تمثل أساس الهوية الدينية للفكر المغربي وللشخصية المغربية على مر التاريخ سواء عند المعارضين للخطاب الرسمي الذي تمثله الدولة، أو للخطاب الرسمي ذاته بدءا من الأدارسة إلى الآن، باستثناء الدولة الموحدية التي سرعان ما رجعت إلى هذه الثوابت مع يعقوب المنصور الموحدي بعد أن مالت في بداياتها إلى المذهب الظاهري هذه الثوابت تنسجم مع خصائص مجتمعنا وهويتنا القائمة على الوسطية والاعتدال لأسباب عديدة.
ونجملها عموما في الأركان الثلاثة الآتية وقد سبق لابن عاشر أن عرضها في منظومته الشهيرة بقوله: في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك.
٭ الداعية المأمول لا بد له من أمور منها ما هو أكاديمي علمي ومنها ما هو تربوي بيداغوجي ومنها ما هو أخلاقي.
٭ لعل شيوع الحس الديني في العالم بأسره وليس في العالم العربي فقط، هو الذي ولد ظواهر اجتماعية متعددة ومنها ظاهرة "الدعاة الجدد"