الذكرى المائوية الأولى لميلاد صموئيل بيكيت

جودو الذي يأتي ولايأتي

السبت 22 أبريل 2006 - 11:38

احتفلت الأوساط الثقافية والأدبية في مختلف أرجاء العالم بالذكرى المائوية الأولى لميلاد الكاتب المسرحي والقصصي صموئيل بيكيت الذي أسست أعماله لعصر جديد في المسرح، وروايته في فن القصة.

ووضعته مسرحيته/ في انتظار جودو وثلاثيته مولي في مقدمة أدباء القرن العشرين لقد شارك بيكيت في أعماله القصصية والمسرحية وبدراساته الأدبية وبقصائده في فتح أفق جديد في أدب القرن العشرين وذلك بتركيزه على الأسئلة الوجودية للانسانية، لقد أعاد للأدب وللفن عموما وظيفته الرئيسية بالابتعاد عن اليومي وطرح الأبدي والخالد الذي يمس الوجود البشري بعمقه اللامتناهي والسؤال الخالد عن غاية الحياة والبحث عن معنى لها والاعتناء باللغة كوسيلة للتعامل بين البشر واستعادة وظائفها الأولى.

تميزت أعمال صموئيل بيكيت بأنها أسست نوعا من طقوس العبور، العبور من الواقع المرير إلى النص، ومن النص الى المتخيل، وأيضا من الوطن الى المنفى والشعر، وقد عبرت عن كل ذلك ثلاثيته المسرحية الشهيرة (بانتظار جودو) و(النهاية) ثم (الأيام السعيدة) وثلاثيته الروائية التي تأخرت شهرتها بعض الوقت.

وبين عوالمه السردية المعقدة، ومسرحه الطافح المأهول، وجائزة نوبل 1969م، ظل المبدع الإيرلندي حقيقة صعبة الفهم، ورقما ضائعا بين ثقافتين بعيدتين عن التسامح، الإنجليزية التي خرج من قماطها أصلا، والفرنسية التي تبنته وتنفض الآن عنه الغبار، مثلما كانت عبّارته التي قدمته للعالم في حياته، وتقمص هو جميع تقاليدها، محققا شعرية للمنفى والغربة، ومستلهما جميع طقوسها للعبور الى العالمية حين كانت أقرب طريق اليها في القرن الماضي وسط عائلة ايرلندية بورجوازية ميسورة الحال، رأى النور.

وتهيأت له الظروف مما سمح له ذلك بالدراسة في أرقى المؤسسات الأكاديمية، وأبرزها كلية تيرنيتي الشهيرة، إلا أنه انتقل إلى باريس ابتداء من سنة 1930م للدراسة في مدرسة المعلمين العليا.

وهناك ظل يتعمق في دراسة الأدب الفرنسي، ويدرس اللغة الإنجليزية، كما تعرف على حلقة من الكتاب ذوي المنزع الواقعي مثل جان بوفريه والفرد بيرون، وخاصة زعيم هذه المجموعة الذي كانت تتحلق حوله جيمس جويس، الذي شعر بانجذاب شديد إليه، لأسباب لا حصر لها، فقد كان جويس مثل بيكيت إيرلنديا، من مواليد دبلن، عاشقا لفرنسا، واديبا عبقريا، وأيضا كان كلا الرجلين مسكونا بمسحة حزن دفينة، كئيبا كالليالي الضريرة، سكوتا صموتا دهري الحضور.

فكان جويس العجوز وبيكيت الشاب يجلسان يوميا ساعات طوالا على أرصفة مونبرناس ومقاهيها دون أن يتفوه احدهما بكلمة واحدة، فكان مظهرهما الصامت الدهري يعيد للأذهان لقاء اوديب بأبي الهول، كأن الصخب والعنف ودورة الحياة اليومية بكل سذاجتها ولا معقوليتها، تحف بهما، دون ان تستحق منهما اي تعليق، لأن عواصف من الصخب والعنف تدور في ذهنيهما، وكأن كلا منهما كان يعتبر صاحبه طرفا اخر كافيا من العالم، شعرية المنفى والغربة، ومساق الابداع، وثيمة الحضور المتجدد في تضاعيف الوحدة والألم, كل ذلك كان يجعل جويس قصيدة ـ مرآة يرى فيها بيكيت نفسه ومستقبله، ويجعل بيكيت عودة متجددة للذكرى في نظر جويس الذي كان يردد على الدوام هذه العبارة انه كاتب واعد.

وفي السنة الثانية من سنوات الدراسة الباريسية 1930 أصدر بيكيت ديوانه الأول الطالع كما نشر دراسة عن دانتي وبرينو وفيكو وجويس واتبعها بدراسة مستفيضة عن مارسيل بروست، وحين عاد لبريطانيا اشتغل مدرسا بكلية ترينتي ونشط في الترويج للثقافة الفرنسية في بلاد مختلفة في انماطها النسقية الثقافية، لذا ظل في حالة غربة ثقافية في الأوساط الإنجليزية، وظلت كل أعماله الصادرة ما بين 31 ـ 1936 مهملة أو ممنوعة في ايرلندا، مثل مجموعته القصصية 1934، وبطلها شخص واحد يدعى بيلاكوا وهو طالب يدرس في دبلن، ويكتشف جذل الجنون بطريقته الخاصة، على مقاعد الدرس، في التسكع، ومعاقرة الخمر، وازدراء الأطعمة الفاسدة، وهو بعد ذلك يروي خيباته، في قصص مفعمة بالمرح القاسي والرؤى المهلكة.

ومنذ بداية 1936، عاد لفرنسا ليستقر بها نهائيا فنشر مجموعة شعرية هي رفات الصدى، وأصدر روايته الشهيرة (مورفي) فجاءت اكثر عمقا وانضج بنية من اول محاولاته الروائية حلم وبشرى لنساء عاديات التي ظلت مخطوطة حتى موته، ومنذ نهاية الثلاثينيات بدأ بيكيت يكتب أشعاره ورواياته باللغة الفرنسية اساسا ثم يعمد الى ترجمتها بنفسه إلى اللغة الانجليزية التي يفترض أنها لغته الاصلية, فأصدر سنة 1946 روايته الملفتة (ميرسيه وكاميه).

ولد صموئيل بيكيت في 13 أبريل 1906 بالقرب من عاصمة ايرلندا دبلن، وفي وقت متأخر سيقول الأديب إنه أطل على العالم في الجمعة العظيمة، وصرخ في ذات الساعة، التي "صرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح" متى
27:50

ودرس بيكيت في المدرسة نفسها التي درس فيها أوسكار وايلد والتحق في عام 1923 في كولج تريتني المشهور حينها في دبلن، والذي تخرج منه أيضا وايلد واولفر غولدسميت وجونتان سفيت، الذي تعامل معه بكيبت دائما باحترام بالغ ودرس في الجامعة اللغات الرومانية ولعب كريكيت التي اجادها كمحترف.

وتوجه بكيت في عام 1928 لتدريس اللغة الانجليزية لطلاب معهد ايكول نورمال في باريس
وفي هذا العام قام الشاعر توماس مكغريفي بتعريف بيكيت بالدائرة التي كانت تساعد جيمس جويس في كتابة رواية "عزاء فينيغانزويك" حينها كانت في سيرورة العمل
وكان جويس بسبب ضعف بصره يستنجد بالأدباء الشباب لتدوين اعماله ويُحكى ان بيكيت الدقيق كان ذات مرة قد سجل تساؤل جويس "من هناك" وهو يرد على زائر له طرق عليه الباب.

ونشر بكيت عام 1930 مجموعته الشعرية الأولى، التي ظهرت نتيجة تاثره بكتابات الفيلسوف رينيه ديكارت الذي ظل متأثرا به طيلة حتى نهاية حياته ونشر قصائده في مجلات عدة في دبلن وباريس.

وقد اهمل نشر القصائد الأولى التجريبية التي كتبها إذ نشر قصائده المكتوبة بين العامين 1928 ـ 1935م وترجم العديد من الشعر الإيطالي والفرنسي وما يثير الاستغراب أنه كان ربما أول مَن ترجم بعض الشعر السوريالي الفرنسي إلى الإنجليزية من خلال قصائد لـ أندريه بروتونو للشاعرين بول إيلوار وأندريه كروفيل ، وترجم كذلك قصائد لـ رامبو و أبولينير مثلما ترجم لبعض الإيطاليين من بينهم أوجينيو مونتالي.




تابعونا على فيسبوك