بدعم من وزارة الثقافة، أصدرت الجمعية المغربية للتنسيق بين الباحثين في الآداب المغاربية والمقارنة عددها الأول من مجلة نصف سنوية تحمل اسم "الأدب المغاربي والمقارن"، متضمنا عددا من الدراسات والأبحاث القيمة باللغتين العربية والفرنسية.
يفتتح العدد بدراسة تحمل عنوان "جهود الباحثين المغاربة في دراسة الثقافة الشعبية"، يوضح فيها الأستاذ أحمد تبليست (من كلية الآداب بمراكش) أن التناول الشامل للموروث الشعبي في كثير من الثقافات العريقة والغنية من لدن الباحثين الغربيين خلال القرن التاسع عشر ساهم في بلورة كثير من النظريات حول هذا الموروث واستخلاص عديد من مناهج البحث والتحليل لمجموعة من الظواهر .
ويضيف أن أبحاث ودراسات المستشرقين في هذا المجال مثلت أرضا خصبة تم استثمارها من قبل طائفة من الباحثين والدارسين العرب الذين استرعى اهتمامهم الخوض في موضوعات موروثهم الثقافي الشعبي، من منطلق الخلاصات العامة التي انتهى إليها بعض أولئك المستشرقين في هذا الجانب.
ومن بين الرؤى العامة التي تحكمت في دراسة هؤلاء العرب المحدثين الأوائل لهذا الموروث، وضمنه تجليات الأدب الشعبي، العمل على الاستفادة من سائر الخلاصات التي تمخضت عنها دراسات المستشرقين في هذا الاتجاه، والإحاطة بجهودهم في هذا المضمار، خاصة منها تلك المجهودات العلمية التي انصبت على توثيق نصوص هذا الموروث الشعبي وظواهره الأدبية، مع إثارة إشكالات تاريخية ونظرية حوله
ويلاحظ الباحث أحمد تبليست أنه لم يستقر للباحثين العرب المحدثين قرار في نعت الأدب الشعبي بمسمى واحد.
وهكذا تعددت النعوت والمسميات، في دوائر دراساتهم ومقارباتهم النقدية مع أن النص المقصود في ذلك يبقى واحدا، بالرغم من اختلاف منازعهم الفكرية والثقافية والإيديولوجية .
ويضيف قوله : منذ أن تعرف المثقفون العرب على المصطلح الغربي "فلكلور"، المكون من مركبين : فولك بمعنى شعب ولور بمعنى علم (وهو المصطلح الذي يعود تاريخ ظهوره في أحضان الثقافة الغربية إلى أواسط القرن التاسع عشر وبالتحديد إلى سنة 1846) وهم يبذلون الجهود تلو الأخرى لترجمة هذا المصطلح وتقريب دلالاته ضمن سياقات لغوية ومصطلحية مختلفة.
ويلفت الانتباه إلى أن سائر الاقتراحات المعروضة لهذا الغرض، تبقى محكومة بزوايا النظر لدى هذا الباحث أو ذاك، فمنهم من ينطلق من خصائص الأشكال التي تحدد طبيعة الأدب الشعبي وتمظهراته الفنية، ومنهم من يولي عناية بالجوانب الموضوعية والدلالية المضمونية التي تشكل وظائف هذا الأدب، وهناك فئة ثالثة ترغب في المزج بين المستويين معا.
ثم يعرض الباحث لأربعة نماذج تنتمي لأصعدة معرفية مختلفة ضمن الفضاء الثقافي المغربي، وتعكس تجاربها ريادة في الحقول التي تمثلها، كما أن لها إشعاعا في الثقافة العربية الحديثة على وجه العموم.
يتعلق الأمر بالفكر السوسيولوجي لدى عبد الكبير الخطيبي، والفكر التاريخي لدى عبد الله العروي، والفكر الفلسفي لدى محمد عابد الجابري، والفكر الأدبي لدى عباس الجراري.
ويخلص إلى القول إن العقدين الأخيرين بالمغرب شهدا بعض الأعمال النقدية والتحليلية الناضجة والواعدة من قبل الباحثين الجامعيين، لشؤون الثقافة الشعبية وآدابها في الموروث الثقافي العربي والمغربي على حد سواء، وفي مقدمتهم الأساتذة : عبد الفتاح كيليطو، سعيد يقطين، مصطفى يعلى، عمر أمرير، ليلى المسعودي، إدريس كرم، مالكة العاصمي، أحمد بوكوس، عبد المجيد الزكاف، المصطفى الشادلي وغيرهم
بعد ذلك، نقرأ دراسة للناقد سعيد يقطين (من كلية الآداب ـ الرباط) تحمل عنوان "الرواية العربية : من التراث إلى العصر" من أجل رؤية تفاعلية عربية"، يشير فيها إلى أن الروائيين العرب راكموا خبرات وتجارب عديدة، وهم يحققون تفاعلا بناء مع التراث ومع العصر، وصار لهم رصيد مهم لما يتم استثماره في إبداعاتهم السردية.
ويبدو ذلك بجلاء في كون العديد منهم، وهو ينخرط في التجريب، يراهن على قارئ مفترض، فكان بذلك تضييع للقارئ الحقيقي، والرهان الأساس الذي على الروائي العربي تحقيقه ـ حسب يقطين ـ هو الانتقال إلى فهم جديد لـ "التفاعل"، أي ممارسة الوعي الحقيقي بالتفاعل في مستوياته كافة.
وفي رأي هذا الناقد، يتمثل مدخل ذلك المستوى في قراءة التجربة الروائية قراءة نقدية من قبل المبدع نفسه، وذلك من خلال مواكبة التجربة الإبداعية العالمية، وتمثل الإيجابي منها بناء على اتصالها بالعصر وبقضاياه الحية وتطورها على الصعيد الفني من جهة، ووضع التحولات الجارية في الاعتبار سواء على الصعيد العربي أو الدولي من جهة أخرى
ويؤكد يقطين أن الانغلاق على الذات وعدم التعرف على التجارب المختلفة وعلى ما يطرأ عليها من تبدلات لا يمكنه أن يخصب التجربة الروائية العربية أو يعطيها دما جديدا للاستمرار والتجدد .
كما أن التفاعل مع الواقع ومع التراث في جوانبهما المختلفة بشكل خلاق ومبدع كفيل بتجاوز المنجز، وفتح أبواب جديدة للمغامرة والتجريب ويرى أن "العجائب" العربية والخيال العربي ـ الإسلامي خصب للغاية إذا ما أحسن استثماره وتوظيفه .
ويعتقد الناقد سعيد يقطين أن تجاوز الصورة التقليدية للكاتب يطرح نفسه بإلحاح
إنها ـ كما يقول ـ صورة الكاتب والناقد الذي مازال يخشى من عدوى التكنولوجيا أو يعتبرها شيئا زائدا لا قيمة له، فاستثمار الحاسوب وتقنيات الكتابة التي تمنحها الوسائط المتفاعلة بات أمر أساسيا للإبداع والنقد.
وبدون اقتحام الكتاب والفنانين والدارسين والنقاد لهذه الوسائط الجديدة، نظريا وتطبيقيا، لا يمكننا إلا أن نتحدث عن انسداد الآفاق، آفاق الإبداع والنظرية المفتوحين على العصر وما يحبل به من إمكانات وما يزخر به من وسائل.
وتحت عنوان "الحكاية والحياكة : توصيفات نصية وحكائية في الرواية المغربية التسعينية" يقدم الناقد عبد الفتاح الحجمري (من كلية الآداب ـ بنمسيك ـ الدارالبيضاء) دراسته التي يشير فيها إلى أن الخطاب الروائي العربي خلال التسعينات أن يغني التخييل السردي بالعديد من الأبنية الفنية، يوازيه غنى في المضامين الحكائية.
وهذا يعني أن أي بحث في خصوصية الرواية العربية عليه أن يراعي أسئلة الثقافة والواقع العربيين، وألا يستند على اعتبارات تجريدية بقدر ما يستحضر فرضيات، يلخصها الباحث على النحو التالي : ـ علاقة الرواية بمختلف التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي شهدها العالم العربي على الأقل ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر
ـ موقع التخييل الروائي ضمن الخطاب الثقافي العربي وقيمة الرؤية النقدية التي يعقدها مع الواقع المحيط.
أساس هذه الرؤية نصوص روائية حاملة لملمح الابتكار في أشكال الحكاية ومقترحة لمبادرة تجاوز الرتابة الاجتماعية الفجة والجامدة.
ـ لا ينبغي أن يغيب عن البال أن قيمة الأدب الروائي في المجتمعات العربية متفاوتة، ومن الصعب تعميمها، ثمة مجال للتنسيب يلائم قيم الفكر وأنماط الوعي التي يعبر عنها الروائيون من حداثة وديمقراطية وحرية.
ثم يتخذ الناقد من بعض النصوص الروائية المغربية التسعينية مدار تحليل ومساءلة بهدف بيان ملامح عامة لخصوصيتها النصية من زاوية منحاها الحكائي، والوقوف عند ما يميز تجربة الكتابة في اتصالها ببعض أسئلة التاريخ والواقع واليومي والتراثي والعجائبي وغيرها من السياقات والمنظورات، يتعلق الأمر بالروايات التالية : "برج السعود" لمبارك ربيع، "أيام الرماد" لمحمد عز الدين التازي، "باب تازة" لعبد القادر الشاوي، "جنوب الروح" لمحمد الأشعري، "ملك اليهود" ليوسف فاضل، "خميل المضاجع" للميلودي شغموم، "جارات أبي موسى" لأحمد التوفيق، "الهباء المنثور" لأحمد المديني
ويقف عبد الفتاح الحجمري عند أهم السمات الخاصة بالكتابة والحكاية في الرواية المغربية التسعينية، وذلك على النحو التالي : ـ الأنا وصورة العالم : تعلن هذه الصورة عن صيغ انتساب الأنا (المتكلم) إلى العالم القائم بعيدا عن كل محاكاة ساذجة للوقائع والتفاصيل.
ولذلك، يكثر ضمير المتكلم في الرواية المغربية التسعينية، رغم أن انتسابه إلى عالم قائم يجد صداه في التاريخ والمجتمع، فإنه ضمير لا شخصي يثبت الأنا من خلاله وضعا وجوديا مكتملا وكينونة تنكشف عبر شفافية عالمها الداخلي.
هذا الوضع السردي لضمير المتكلم يجعل السرّاد والشخصيات في الرواية المغربية التسعينية يحيون بدون أوهام في مواجهتها للواقع.
ـ الحكاية داخل الحكاية : وهي صورة أساسية من صور الكتابة والحكاية في الرواية المغربية التسعينية، مفادها ارتهان السرّاد والشخصيات إلى كتابة شذرية تؤالف بين عدة صيغ تعبيرية في بناء المشاهد واللحظات، تزاوج بين الاستيهام حينا والتأمل الشعري حينا آخر، والتراوح بين السرد واللاسرد حينا ثالثا.
إن اختيار الحكاية داخل الحكاية ليس مجرد تقنية سردية تهدف إلى تكسير خطية السرد وعموديته، بل إنها تقنية يتوسل بها الروائي لبيان حالة وعي ممكن تمتلكه الشخصيات الحكائية، تفتت في الوعي يوازيه تشذر في الكتابة.
ـ اللغزية : تعتبر هذه الصورة امتدادا للصورة السالفة، ذلك أن النص الروائي يركز هنا مدار الحكاية على العجيب والغريب والأحلام والكوابيس، ليس بهدف مخالفة المألوف واليومي والمتداول، بل بغاية ترميز سلوكات ومواقف الشخصيات لمنح الاعتقاد بأن العلاقة القائمة بين الواقع والخيال أساسها النسبية : ليس هناك واقع ثابت، وليس هناك خيال مطلق، والنتيجة أننا لا نجد في الرواية المغربية التسعينية أحداثا ملتهبة.
اللغزية لا تجعل من الكتابة قفلا، بل مفتاحا لدخول عوالم ممكنة ورحبة الدلالة
يتضمن العدد الأول من مجلة "الآدب المغاربي والمقارن" دراسات أخرى : "أيام مغربية"، رواية المذكرات لعبد القادر الشاوي، عبد الرحمن منيف : لوعة أخرى للغياب لأحمد المديني، تأملات في كتاب عبد الجليل الحجمري "مغرب الساعات الفرنسية" لعبد الله المدغري العلوي، المرأة المغربية في كتاب ف.
بونجان "أسرار بنت الليل" لعبد الجليل الحجمري، بعض أوجه الغيرية في كتاب جان بوتوكي "سفر في إمبراطورية المغرب 1791" لمفيدة البجاوي، مغرب القرن الثامن عشر برؤية (جان بوتوكي) صورة المرأة المغربية لسناء غوتي، تأملات سيدة إنجليزية في المجتمع المغربي خلال نهاية القرن التاسع عشر لمحمد سعد الدين الزموري.