في إحياء انتفاضات المهدي المنجرة

لا يمكن تحقيق التطور ما لم يصبح العلم ثقافة

الأربعاء 12 أبريل 2006 - 11:09

من مفارقات الأقدار أن يتزامن صدور الطبعة الأولى من كتاب "انتفاضات في زمن الذلقراطية" للمهدي المنجرة مع اندلاع الانتفاضة الثانية في الأراضي الفلسطينية.

في حين صدرت الطبعة الثالثة منه تزامنا مع ما وصفه عبد الباري عطوان بـ "انتفاضة ثالثة قادمة"، وذلك على هامش اقتحام سجن أريحا بالصورة التي تم عليها، وهو الاقتحام المهين والمذل الذي كان، مُفترضا أن "يعيد الأوضاع في الأرض المحتلة إلى المربع الأول.

ولن يكون مفاجئا بالنسبة إلينا ـ يضيف عطوان ـ إذا ما كان الشرارة التي ستشعل فتيل الانتفاضة الثالثة، تماما مثلما أشعلت زيارة شارون للأقصى، وقبل الانتخابات الإسرائيلية بأسابيع، الانتفاضة الفلسطينية الثانية فالشعب الفلسطيني شعب عزيز كريم لا يمكن أن يسكت على الضيم" عبد الباري عطوان الانتفاضة الثالثة قادمة، القدس العربي
15-3-2006.

والحال أننا لم نشهد اندلاع انتفاضة ثالثة، لأسباب لا ندعي امتلاك مفاتيحها المفاهيمية والتفسيرية، ولذلك، لم نجد أفضل من العودة ـ نموذجا بالطبع ـ مع ما سطره المنجرة، وهو عالم المستقبليات، بخصوص موضوع الانتفاضة.

"انتفاضة الأقصى" بصيغة الجمع
وبداية، يشير المنجرة إلى أن الحديث عن انتفاضة الأقصى بصيغة الجمع )انتفاضات عوض الحديث عن انتفاضة( سببه أن الانتفاضة لم تكن فقط النقطة التي أفاضت الكأس بين من لهم قوة الحق على أرض فلسطين ومن لهم "حق" القوة في امتلاكها، ولكن كانت على الخصوص ثورة على الخذلان العربي سواء تعلق ذلك بأوضاع متردية أو قرارات هشة)نموذج القمم العربية إياها) ناهيك عن ذلك الاستخفاف الرسمي برأي الشارع العربي
لنُلاحظ أن الأمور مازالت كما كانت عليه من قبل، إن لم نقل أنها ازدادت سوداوية من خلال تأمل مستجدات الكارثة العراقية، على سبيل المثال لا الحصر بالطبع.

لا يمكن للخطأ أن يطال الانتفاضة من أمامها أو من خلفها، يضيف المنجرة، وهذا ما يجب أن يستوعبه الكيان العبري وكذلك بعض الإدارات العربية التي يزعجها استمرار هذه الصيحة، فهي بالتأكيد لم تأت من فراغ ولا من عدم، ولم تأت من انقلاب ولا من تآمر، وإنما قدمت من صيرورة تاريخية لا آنية فيها ولا ارتجال، قدمت من اختمار ماض مر ومترد، ومن حاضر ملؤه اليأس ومن أمل في المستقبل يتغيا البديل الجذري وليس الترقيع المرحلي المُجحِف أو الحلول الوسطية المُهادِنة، ولذلك تبقى تلك الانتفاضات التي يلوح إليها المؤلف مستقبل الانتفاضة على امتدادها ومرجعيتها.

وما يزيد الأمور تعقيدا هو أن الانتفاضة ظلت عملية مستقلة لم يستطع التحكم فيها لا الاستعمار الجديد ولا الصهيونية ولا حتى النظام العربي ولا السلطة الفلسطينية، مادامت مصنوعة من جينة خاصة (جينة محمد جمال الدرة الطفل وإيمان الرضيعة وغيرهما) برهنت على استحالة تفرعها من جينات سائدة صنعتها الإمبريالية والاستعمار الجديد وتخاذل النظام العربي، هي ببساطة ثورة على انبطاح الآني أمام المستقبلي، على انهزام الحاضر أمام المستقبل.

يوجه المنجرة انتقادات جمة لتعامل الرأي العام الدولي مع الانتفاضة، مؤكدا على أنه "لا وجود لرأي عام دولي" وإلا كان هذا الأخير قد تحرك بالملموس مع صور مقتل جمال الدرة والرضيعة إيمان مستشهدا بما جاء في مقال نشر بيومية "الإندبندنت" البريطانية حول دور الإعلام ودور تلفزيون "سي آن آن" والطريقة التي تستعمل فيها الولايات المتحدة الأميركية والصهاينة في توجيه ما يسمى بالرأي العام الدولي.

أما الرأي العام المطلوب مراعاته، فلن يخرج عن كرامة المواطن العربي، أو أولئك الأطفال الذين نراهم في الشاشة يرمون الحجارة ضد جنود الاحتلال وهم يدافعون عن أنفسهم وعن كرامتنا في آن.

يشير المؤلف أنه منذ إعلان بلفور سيء الذكر، اتضح أن الرأي العام الدولي لا يمكن أن يتغير نهائيا لأن قوته ليست فيه، وإنما قوته في ضعفنا، وإذن يجب أن نتغلب على هذا الضعف الذي يسكننا، وأن نعطي أهمية لشعوبنا وللرأي العام العربي والإسلامي في بلداننا، وهو ما نجحت الانتفاضة وبامتياز، في شد اهتمامه وتجييشه لصالحها.

غالبا ما يستشهد المنجرة في حواراته القلقة بإحدى المُسَلَّمات لدى علماء البيولوجيا علم الأحياء والتي لا يمكن إلا أن تثير الكثير من الهواجس لدى المعنيين بضبط الشارع والعامة والدهماء، ومفادها أن الاستقرار مرادف للموت، ولذلك تتغير وتتحرك الدول كما أشار إلى ذلك مؤلف "الحرب الحضارية الأولى" مُتعمِّدا افتتاح كتابه بمقولة جاءت على لسان ابن خلدون:"طبيعة الكون تجعل من التغيير سنة كونية، ولكأنها تساعد على خلقه من جديد"، آملا في أن تكون انتفاضة الأقصى بداية نهاية نسق بأكمله، أما الرأي العام العالمي فستتغير مواقفه عندما يرى أن لدينا مصداقيتنا وكرامتنا الخاصة، وأننا نحترم أنفسنا.

التنمية أو العلم عندما يصبح ثقافة

"التنمية هي العلم عندما يصبح ثقافة"، مقولة شهيرة لروني ماهو الذي شغل منصب مدير عام لليونسكو.

وجاءت في سياق خطابه الافتتاحي الذي ألقاه سنة 1965 في مؤتمر لوزراء العلوم في العالم بفيينا، وهي مقولة عزيزة على المنجرة، وتفيد، لمن يهمهم الأمر، أنه لا يمكن تحقيق التطور ما لم يصبح العلم ثقافة، فالأشياء مترابطة فيما بينها، ومن المستحيل تطوير قطاع بمعزل عن الآخر.

تأسيسها على هذه الخلفية المفهومية، ينتقد المنجرة بشدة أوهام الحديث عما يُسمَّى بنقل التكنولوجيا، فاستيراد الحاسوب أو تركيبه بالمصانع المحلية، والتعامل مع الإنترنيت لا يعني نقل التكنولوجيا، لأن هذا المجال لا تقوم له قائمة إلا بالأبحاث العلمية وتدخل عناصر هامة لإنتاج التكنولوجيا المستلزمة لتركيب ذهني وعقلاني، والمرتبطة مباشرة بعالم العلم والمعرفة، وهذا العلم متصل بالطاقة البشرية وحتى ينتج المخزون البشري يتطلب الأمر توفير مناخ حر أي مساحات من الإبداع والديمقراطية والحرية وتمكينه من الآليات العملية لإنجاز البحوث العلمية.

مضيفا أن الاعتقاد ـ الساذج في واقع الأمر ـ بأننا نقلنا التكنولوجيا هو خيال أو شيء يشبه البطاقات البريدية التي نرسلها لجلب السياح ولتطييب خاطر البنك الدولي، وحتى يُجَمِّل المسؤولون صورتهم وهذا كذب على النفس، ويُسمى في ميدان الفكر عدم النزاهة.

ولن نستطيع أن ننتج علما أو تكنولوجيا دون نزاهة فكرية وأمانة علمية ولا حاجة لنا لتمرير أدلة ميدانية وموضوعية في هذا الصدد، ولو استشهدنا فقط بما جاء في ذات الكتاب، والصادر منذ سنين، فإن ثلثي الكفاءات العربية إما هاجرت فعلا، أو تتأهب للهجرة إذا ما مُكنت من ذلك، وهذا مؤشر لغياب المناخ العلمي الوطني الملائم.

وإن توفير الشروط العملية والعلمية للطاقات المنتمية للعالم العربي والعالم ثالثي، معناه عودتها للديار الأم.

تحريم التسلح العربي المُشترك
نختتم هذا العرض بالتوقف عند وجهة نظر الكاتب لموضوع التسلح والدفاع، من خلال سرد بعض الآراء التي تتقاطع عكسيا مع أطروحات خالص جلبي وجودت سعيد ومحمد سعيد رمضان البوطي وكتاب آخرين

يلاحظ المنجرة باستغراب شديد غياب مسألة الدفاع كهدف من بين أهداف الجامعة العربية المتضمنة أيضا في المادة رقم 2 من ميثاق الجامعة، ومقابل تكريس الوهن والتشرذم المميزان للصفوف والسياسات العربية في جميع المجالات وفي مقدمتها المجال الدفاعي.

ويشير أيضا إلى أن السياسة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية هي المعرقلة لأي تعاون عربي وإسلامي على جميع الأصعدة وتحديدا المجال التسلحي والدفاعي، لأنها تعلم أننا لا نملك أية استراتيجية دفاعية عربية موحدة، ولن نملك هذه الاستراتيجية دون أهداف مشتركة ودون معرفة.

وفي هذا الميدان نلاحظ بشكل جلي سلبيات عدم المشاركة، لأن الدفاع كقطاع سياسي وإداري وأمني في جميع البلدان العربية هو ميدان سيادة، حيث لا تُتابع نقاشات في البرلمان أو الصحف أو البرامج الحزبية، من منطلق احترام شعار "سر الدفاع".

لا يمكن للعالم الغربي أن يقبل بفكرة تسلح باقي المجتمعات بما فيها العربية، لذلك يسعى إلى خلق النزاعات واستمرار التوترات والنعرات سواء داخل أو بين الدول العربية إلى حد إشعال فتيل الحروب.

وتبقى الحرب الإيرانية العراقية أبرز نموذج في هذا الصدد، مؤكدا على أنها كانت حربا مُدَبَّرة كان الهدف منها تصادم القوتين لتدمير طاقاتهما العسكرية ولضمان انشغالهما بهذه الحرب عن إسرائيل وحتى لا يتحدا أو يشكلا جبهة عربية وإسلامية متصدية للاكتساح الغربي للمنطقة ومهددة للوجود الإسرائيلي.

وما يغيب عن أذهان أغلب صناع القرار العسكري والأمني في العالم الغربي، أن الخريطة العسكرية الاستراتيجية العالمية ستتغير معاييرها جراء امتلاك دول كالباكستان والهند للقنبلة الذرية، كما أن إندونيسيا ومصر تمتلكان المقدرات التي تخول لهما امتلاك ترسانة عسكرية قوية ومتطورة، إذ كل ما يلزمهما هو إرادة نزيهة واستراتيجية عملية، وليس مستبعدا غدا أن تمتلك البرازيل أيضا القنبلة الذرية.

لا يتصور المنجرة عالما إسلاميا وعربيا دون الاحتكام إلى أسلحة ولذلك أشرنا إلى أن مثل هذه الآراء تتقاطع عكسيا مع أطروحات جلبي وجودت سعيد، وعلى الدول العربية والإسلامية توحيد جهودها في هذا المضمار، وهو أمر سيتحقق مستقبلا لمواجهة إسرائيل، التي تعتبر القوة العسكرية الرابعة بفضل الدعم الغربي وتحديدا الأميركي، وأيضا سياسة القوى العظمى القائمة على عسكرة دول على حساب أخرى، حيث تسمح للبعض بالتسلح وتحرم البعض الآخر من ذلك فإما التسلح التام أو النزع التام.

كما يوجه المؤلف دعوة إلى توحيد المطالب بخصوص وقف مثل هذه السياسات وكذا احتكار السلاح في يد فئة قليلة مستبدة، متحكمة في مصير العالم، لكون السلاح طاقة هدامة ومبيدة للبشرية.




تابعونا على فيسبوك