"حرب الخليج، أو الاستعارات التي تقتل"، كتاب قَيِّم لجورج لايكوف، أستاذ اللسانيات بجماعة كاليفورنيا ببيرلكلي، وترجمه للعربية عبد المجيد جحفة وعبد الإله سليم صدر الكتاب عن دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى 2005، 77 صفحة من القطع المتوسط.
تندرج مقالات الكتاب في إطار ما يسميه المترجمان بنزول المعرفة العلمية إلى الوقائع المباشرة قصد تحليلها وإبراز بنياتها ومعانيها، والسعي إلى جعل هذه المعرفة أداة لفهم أعمق لهذه الوقائع والوعي بها والانتباه إلى ما يختفي وراءها، ولذلك يمكن اعتبار مجهود جورج لايكوف التحليلي مجهود توعية، القصد منه بناء وعي جديد، والانتصار لمعان مختلفة، وإعادة تأطير النقاش العمومي، وخلق توازن من وجهة نظر تقدمية، وذلك بتحليل اللغة والفكر، وبخلق لغة تفكر في فكر جديد .
وهذا عين ما يمكن أن يُميز أعمال الكاتب، ونذكر منها على وجه الخصوص : "الاستعارات التي نحيا بها"، بالاشتراك مع مارك جونسون 1980، "النساء والنار والأشياء الخطيرة : ما تكشفه المقولات بصدد الذهن" (1987)، وكتاب "السياسات الأخلاقية : ما يعرفه المحافظون ويجهله الليبراليون" (1996)، أما فصول الكتاب وضيف هذا العرض، فقد جاءت تحت العناوين التالية : "الاستعارة والحرب"، "استعارة الرعب"، "الاستعارة والحرب من جديد".
وبَدَهِي، أن مثل هذا النوع من النشاط التحليلي والنقدي لا يخلو من لهجة نقد أزمة لصانعي الاستعارات موضوع تحليله، باعتبارها تسهم في بناء أنواع سيئة من الفكر، هذا إن لم يكن يساهم في فضح المَسَلَّمات الخفية لبعض الخطابات السياسية، وتعرية الأسس التي تقوم عليها بعض الأفكار التي تعتمدها الإدارة الأميركية في التصدي للعالم، وتحليل خلفيات "إنجاز بوش الحربية"، وما تستند إليه من أفكار "محافظة"، على غرار ما يحرره المؤرخ هوارد زن والناقد نعوم تشومسكي وما يصدر إجمالا عن جماعة مجلة "زد ماغازنين" الشهيرة، أو الجماعة التي تُمثل بحق وتُعبر عن آراء أبرز نُشطاء حركة مناهضة الحرب في الولايات المتحدة الأميركية.
نسق استعاري غير واع
يرى لايكوف أن التفكير الاستعاري (أو التفكير بواسطة الاستعارة)، ليس جيدا ولا سيئا في ذاته، إنه ببساطة شيء مألوف واعتياد ولامحيد عنه، فالمجردات والأوضاع المعقدة أو الملتبسة تفهم عادة بواسطة الاستعارة.
والحق أن هناك نسقا استعاريا هائلا وغير واع، في الغالب، نستعمله على نحو آلي و"طائش" لفهم الأشياء المعقدة والمجردة وقد كُرِّس جزء من هذا النسق لفهم العلاقات الدولية والحرب.
من بين الاستعارات الأبرز التي يشتغل عليها لايكوف في الكتاب، الاستعارة الشهيرة لكارل فان كلاوزفيتز، ومفادها أن "الحرب سياسة تُقام بوسائل أخرى"، وكلاوزفيتز واضح في هذا التصريح، فالرجل ينظر إلى الحرب وفق حساب سياسي للربح والخسارة: لكل دولة أهداف سياسية، وقد تعمل الحرب، تحديدا، على تحقيق هذه الأهداف.
وكلاوزفيتز للتذكير، هو جنرال بروسي لاقت تصوراته عن الحرب رواجا في دوائر السياسة الخارجية الأميركية خلال حرب الفيتنام، واعتُبِرَت تصوراته كفيلة بالحد العقلاني من استعمال الحرب أداة للسياسة الخارجية.
وهناك استعارة أخرى ضمنية في ما قد نصطلح عليه بـ "الاستعارة الأم" أي أن "الحرب سياسة تُقام بوسائل أخرى"، وهي أن "السياسة صفقة" (أو بيع وشراء)، إذ يُنظَر إلى التدبير السياسي الفعال بوصفه نظيرا للتدبير التجاري الفعال.
وكما في النشاط التجاري الناجح، على الحكومة التي تحسن الإدارة أن تحافظ على التوازن بين الكلفة والربح، ومن شأن هذه الاستعارة، شأن استعارة كلاوزفيتز، أن تجعل الحرب موضوع منطق للربح والخسارة، فهي تحدد "الأهداف" المربحة، وتسجل الخسائر، ثم تقرر متى "يستحق" بلوغ الأهداف الخسائر.
وعليه، تسمح هذه الاستعارة للحرب بأن تبرر على أسس نفعية فقط، وليس على أسس أخلاقية ولتبريرها على أسس أخلاقية ونفعية في الآن ذاته، وجب المزج بين حكاية الحرب العادلة واستعارة كلاوزفيتز، فتوافق "التضحيات المستحقة" والواجبة في الحكاية خسائر كلاوزفيتز، في حين يوافق "النصر" في الحكاية أرباح كلاوزفيتز.
إن استعارة كلاوزفيتز أكمل استعارة بالنسبة إلى الخبراء، ذلك أنها تستدعي مختصين في الحساب السياسي للربح والخسارة، مادامت تتطلب وتفرض توظيف رياضيات الاقتصاد، ونظرية الاحتمال، ونظرية القرار، ونظرية اللعب، في سبيل جعل السياسة الخارجية عقلانية وعلمية.
ما تفعله الاستعارة ـ في ظل واقع موجود، ومع حضور لنسق الاستعارات اللاشعوري الذي نستعمله بدون وعي في إدراك الواقع وفهمه ـ أنها تقوم بحصر ما نلاحظه، وتُسَلِّط الضوء على ما نراه، كما تمدنا بجزء من البنية الاستنتاجية والاستدلالية التي نفكر بواسطتها
ولأن الاستعارة منتشرة بشكل كبير في التفكير، فإننا لا نستطيع دائما مناقشة الواقع بواسطة ألفاظ حرفية فحسب ولخدمة الواقع، يضيف الكاتب، علينا إعارة انتباه أكبر إلى آليات التفكير الاستعاري، وبخاصة لأن هذه الآليات تستعمل بالضرورة في مداولات السياسة الخارجية، ولأن الاستعارات، كما نشهد، إن هي عززتها القنابل، قد تقتل.
وهذا ما نطلع عليه عمليا في الاستعارات التي يلجأ إليها صناع القرار السياسي في الإدارة الأميركية، وليست الأمثلة المهمة التي يحفل بها هذا الكتاب الجاد إلا جزءا هينا من لائحة عريضة من الاستعارات القاتلة التي تُبرِّر أو تُشرعِن الفعل السياسي والعسكري والأمني للمسؤولين الأميركيين.
تفكيك سلطة الصور
باعتبار أن لايكوف محلل استعارة، فإنه يٌمتعنا بالتوقف قليلا عند "سُلطة الصور"، ومن أين تأتي هذه السلطة، من خلال العودة إلى ما جرى يوم 11 شتنبر 2001 معلوم أن للبنايات عدة استعارات، والبنايات هنا في إحالة إلى برجي مركز التجارة العالمي وهناك استعارة بصرية عامة هي: البنايات رؤوس، ونوافذها عيون هذه الاستعارة نائمة هناك في أدمغتنا في انتظار ما يوقظها.
وقد نشطتها وفعلتها صورة الطائرة المتجهة صوب البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، إذ صار البرج رأسا، وصارت النوافذ عيونا، وصارت قمة البرج هيكلا أو معبدا أما الطائرة التي اخترقته فكانت رصاصة تخترق رأس أحدهم، والنيران المتصاعدة من الجانب الآخر كانت دما ينبجس، البنايات العالية، من منظور الاستعارة، أناس منتصبون.
وعندما يسقط برج، فإن ذلك يعني أن جسدا سقط إننا لا ندرك هذه الصور الاستعارية بصورة واعية، والحال أنها تشكل جزءا من القوة ومن الرعب الذي نحياه حين نراها
نحن بصدد قراءة جديدة ومختلفة عن القراءات التي صدرت حول هذه الأحداث، وتذكرنا قراءة لايكوف هنا بالذي حرره الفيلسوف الفرنسي جون بودريار في مقاله الشهير الذي جاء تحت عنوان "روح الإرهاب"، وفي الحالتين معا، نستمتع برؤى تحليلية رصينة جدا، بعيدا عن الرؤى الاختزالية والتبسيطية، التي تميز ثنايا السواد الأعظم من قراءات المعلقين والكتاب والمحللين حول مثل هذه الصدمات التاريخية التي يشهدها العالم
بالعودة إلى مأزق الحروب الأميركية في بلاد الرافدين، لم نجد أفضل من المقطع التالي الذي يوجز تفكيكا رصينا للخطاب الرسمي الصادر عن المسؤولين الأميركيين والذي "اجتهد"، في تبرير شن الحرب وافتعل علاقات بين الرئيس العراقي الأسبق وزعيم تنظيم "القاعدة" في كل حكاية من الحكايتين، هناك بطل وجريمة وضحية وشرير في حكاية الدفاع عن النفس، يمثل البطل والضحية شيئا واحدا.
أما الشرير، فإنه في الحكايتين معا نذل دائما وغير عاقل : لا يمكن للبطل (الأميركي) أن يتفاهم مع الشرير (العربي)، عليه أن يحاربه وأن يهزمه أو يقتله ينبغي أن يكون الضحية، في الحكايتين، بريئا وفوق كل الشبهات، في الحكايتين معا، توجد جريمة أولى يقترفها الشرير، ويقوم البطل بإرجاع القيم الأخلاقية إلى نصابها عبر هزم الشرير، وإذا كانت كل لأطراف أو شخصيات الحكاية(أشخاصا)أمة، فإن حكاية الدفاع عن النفس وحكاية الإنقاذ تصيران شكلين للحرب التي ينجزها "البطل الأمة".
نوعية النصر الذي نريد
والحقيقة أنه، رغم غياب الدليل على وجود علاقة بين صدام حسين وأسامة بن لادن، ورغم تباغض علمانية صدام، وأصولية بن لادن وتباعدهما، فإن إدارة بوش استطاعت أن تقنع 40 في المائة من الأميركيين بالعلاقة بينهما، وذلك بمجرد قولها ذلك.
قالت الإدارة لجنودها الشيء نفسه فرأى الجنود أنهم يذهبون إلى العراق دفاعا عن بلدهم والإعلام الرسمي وشبه الرسمي في الخدمة، إذ لم يكن هناك أي إحصاء دقيق لأرواح المدنيين التي أزهقت، وللأشخاص الذين أصيبوا بعاهات، وللأطفال الذين ماتوا جوعا، أو الذين أصيبوا بأمراض خطيرة جراء هذه الحرب، أو جراء العقوبات التي تلتها، تراوحت التقديرات بين نصف مليون ومليون أو أكثر بالنسبة إلى تبعات حرب الخليج الثانية بالطبع ولكن العلاقات العامة اعتبرت من "الموجودات" بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية: فالإعلان عن مجازر كثيرة في الصحافة قد يخدش صورة العلاقات العامة، وبذلك سيشكل خسارة ممكنة.
يظهر أخيرا، أنه، في مقابل عشرات الآلاف من الساعات التي صرفت في التخطيط لإحراز النصر في الحرب، لم يصرف سوى وقت ومجهود قليلين جدا في توضيح نوعية "النصر" الذي إحرازه.
وهنا تكمن أهم دروس كتاب "حرب الخليج، أو الاستعارات التي تقتل"، والذي نوجز أهم خلاصاته الدقيقة في دعوة لايكوف إلى ما يصفه بـ "الحرب المضادة" للحروب الأميركية ومنها حرب الخليج الثانية مثلا أو الحرب القائمة اليوم في العراق. وذلك عبر تبني الخطوات التالية : ـ التعامل مع الحركة المضادة للحرب ليس فقط كونها حركة ضد الحرب الحالية، ولكن حركة كل هذا التوجه الذي تسير فيه إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش
ـ لكي تكون هذه الحرب فعالة، ينبغي أن تعلن بوضوح عما تعمل من لأجله، لا أن تكتفي بالتعبير عما تعارضه.
ـ عليها الحرب دائما أن تملك منظورا أخلاقيا واضحا، يقوم على قيم مصالح معينة تجدد توجهها السياسي، وعلينا، يضيف لايكوف، مع اندلاع الحرب، على تحويل الحركة المضادة إلى حركة تدافع بقوة عن قيم تقدمية، وتعمل على تغيير مسار أمتنا في الاتجاه الذي تحملنا إليه هذه القيم.