من بلدة "السلمية" التابعة لمحافظة حماة بسوريا، انطلق محمد الماغوط في رحلة عذاب وآلام ومعاناة وإبداع منذ أكثر من سبعين ربيعا، تلاقفته دروب التشرد والتسكع والمطاردات وعرفته ليالي المنافي الطويلة التي لا تنتهي، ليعود إلى هذا الحي الشعبي الفقير، ليوارى جثمانه
وانتهى وحيدا، كما كان يردد أواخر أيامه ـ وقع هذا الرحيل الفجائعي لابد وأن يكون قويا ومؤثرا في نفوس وأفئدة وعقول كل محبي وعشاق إبداعات هذا الرجل الذي أغنى الساحة الثقافية العربية في مختلف الفنون والآداب للماغوط حضور كبير وقوي في الساحة الثقافية والفنية المغربية وسط المثقفين والشعراء والأدباء والطلبة وعموم القراء وهواة المسرح والمسلسلات التلفزيونية.
يقول عنه عبد القادر البدوي رائد مسرح الجماهير ببلادنا: "رحل عنا وعن عالمنا المبدع العربي محمد الماغوط بعد حياة حافلة بالمواقف المشرفة والكتابات اللاذعة والساخرة من الاستبداد ومن التخلف ومظاهر التشرذم العربي" ويضيف: "لقد عاش هذا الرجل وهو يحمل الهم العربي في القلب، ملتقطا لحظات ضعف الزمن العربي وبارعا في نقلها إلى مشاهد فوق الركع المسرحي، كما عاش تجربة المنافي والبعد القسري عن الوطن مسلحا بحبه الكبير لكل الوطن العربي الذي احتضن إنتاجاته في المسرح وفي الرواية وفي الشعر، وحتى في الصحافة المكتوبة حين كانت كتاباته في بعض المنابر الصحفية لافتة للأنظار"، أما المسرحي المسكيني الصغير مؤسس مسرح الفقير.
فيقول: "الماغوط يعد من أقطاب ورواد المسرح العربي قدم العديد من الأعمال المتميزة وفي مقدمتها "المهرج" ومجموعة من الأعمال وقد تعامل معه مسرح الناس بالمغرب ثريا جبران ـ عبد الواحد عوزري، وهذه الأعمال تثبت أن هذا الرجل كان يعالج مجموعة من القضايا التي يعيشها الإنسان العربي" ويضيف "ومن خلال أعماله تجد مجموعة من النبوءات توحي إلى مؤلف مثله ولاشك أن مؤلفا مثل محمد الماغوط جعل من المسرح العربي يحتل مكانة بين الأعمال المسرحية الأجنبية"، ويذكر عبد القادر البدوي.
بالمناسبة "لقد انفتح مسرحنا على عمل مسرحي رائع من أعمال هذا المؤلف القومي والملتزم بقضايا الإنسانية حين اقتبسنا مسرحية (المهرج) التي تحولت بفضل كفاءاتنا الفنية إلى عمل ناجح تاريخ مسرحنا وتاريخ المسرح المغربي وهي مسرحية (الحلقة فيها وفيها) التي استقطبت الكثير من الكتابات النقدية ومن الأبحاث العلمية والجامعية
كما حضر الماغوط في المتن النقدي المغربي، في كتب وأطروحات ودراسات جامعية، وكان عبد اللطيف اللعبي أول من ترجمة للفرنسية، كما احتفت فرقة "مسرح اليوم" بكتابات محمد الماغوط الصحفية في مسرحية: بلا حدود أول عمل دشنت به الفرقة ذخيرتها الإبداعية، يقول المسكيني الصغير: "بصراحة فقدان هذا الرجل هو فقدان أحد أعمدة المسرح خصوصا أن المسرح أصبح يعاني العديد من الحضارات في الأقطار العربية تحاول النيل من هذا الفن الفاضح والكاشف لمجموعة من المخاضات التي يعيشها الإنسان".
ويضيف المسكيني: "وعندما نفتقد رجلا فنانا وكاتبا ومسرحيا متميزا، فإننا نفقد دعامة للتجربة المسرحية في الوطن العربي في العشرين سنة الأخيرة، وخصوصا أن الجهات المسؤولة في الوطن العربي أصبحت تستثني المهرجانات المسرحية الجادة وتقيم مهرجانات الفرجة الفارغة، وهذا ما نلاحظه في ما تبثه الفضائيات التي تحاول أن تستقطب المتلقي بمهرجانات فارغة، عوض أن تتعامل مع كتاب وأعمال في مستوى ما كتبه هذا الرجل الذي يغادرنا مبكرا".
لقد عانى الماغوط هو أيضا طيلة حياته وأصابه اليأس والإحباط في مواجهة واقع السلطة والخيبة والعجز والقهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي "وإذا كان الماغوط قد عاش طريدا للسياسة الرسمية الرافضة لحق التغيير وللرأي الآخر فإن جنازته كانت مناسبة اجتمع فيها خيرة الفنانين والمبدعين العرب، لتكون وفاته مثل كل العظماء، لحظة توحد ووحدة لم يكتب للمرحوم الماغوط أن يعيشها في حياته".
يقول المسرحي عبد القادر البدوي، إن هذه المعاناة والألم هي الضريبة التي يدفعها المبدعون والفنانون التي قدرها كالشموع تحترق لتنير طريق وليل الآخرين ويتذكر المسكيني بالمناسبة الأليمة: "فقدان هذا الرجل يذكرنا برواد ومسرحيين آخرين غادرونا مثل يوسف إدريس، نعمان عاشور، أحمد علي باكثير، عبد القادر علّولة، محمد تيمود، محمد الكغاط، يوسف وهبة وآخرون، كانوا في الواقع روادا حقيقيين لتأسيس المسرح العربي، وبهذه المناسبة نعزي كل الفنانين وكل الغيورين على تجربة هذا الرجل الذي غادرنا".
ويعبّر عبد القادر البدوي عن مشاعره نحو الفقيد الراحل بـ "أن الكتابة السريعة عن هذا المبدع الملتزم لن توفيه حقه ولن تعبّر عن قيمة وعطاءات هذا الفنان والمناضل، رحم الله الماغوط، وعزاؤنا لأسرته، ولكل الفنانين العرب، وأملنا هو أن تحظى إنتاجات هذا الرجل بما يجعلها إرثا عربيا مشرفا لكل الثقافة الإنسانية".
ورغم الكآبة التي لم تكن تفارق الماغوط والألم الذي كان يعتصر داخل ثنايا جسده كان يتمسك بسخريته الحيّة والعابثة وبخفة الظل التي وسمت مقالاته وأعماله المسرحية، كان يحاول دوما أن يبتسم ويضحك لاسيما بعدما حصل على الجائزة التي كرم بها كما يكرم الطفل بكرة أسابيع قليلة بعد فوزه على جائزة (سلطان العويس) حتى أسلم الروح لباريهاK حتى الأسئلة التي تذكره بماض أليم كان يجيب عنها بشيء من الكرم الخفيف، كما يحب الحياة ولو مقعدا، أو معزولا ووحيدا.
ويرى الناقد المسرحي عبد الرحمن بن زيدان "أن الماغوط رائد السخرية، ورائد الكتابة، التي تدخل إلى عمق الواقع العربي، وتستخرج تناقضاته، وتعمل على بلورتها من خلال الكتابة الساخرة" ويضيف : "عندما نقول إن محمد الماغوط كاتب ساخر، فهذا لا يعني غياب الخصوصيات الأدبية أثناء كتابة هذه السخرية، سواء في النثر أو في المسرح أو في الشعر"، ويضيف: "إن كتابات الماغوط استطاعت أن تلفت نظر المتتبعين والنقاد والباحثين بها يتميّز به من عمق في تناول القضايا العربية الساخنة، وتمكنه من إخراج الساكت والمهمش إلى مضامين الكتابات الأدبية".
بعد رحلة الألم والعذاب هذه، غادرنا شاعر الصعلكة والقهر والحزن واليأس والأمل، إنه رحيل يفقد الثقافة العربية أحد ألمع وجوهها.
أهم مؤفات محمد الماغوط:
1 ـ حزن في ضوء القمر ـ شعر دار مجلة شعر ـ بيروت 1959 2 ـ غرفة بملايين الجدران ـ شعر دار مجلة شعر ـ بيروت 1960 3 ـ العصفور الأحدب ـ مسرحية 1960 لم تمثل على المسرح 4 ـ المهرج ـ مسرحية مثلت على المسرح 1960، طبعت عام 1998 من قبل دار المدى ـ دمشق 5 ـ الفرح ليس مهنتي ـ شعر منشورات اتحاد كتاب العرب ـ دمشق 1970 6 ـ ضيعة تشرين ـ مسرحية لم تطبع ـ مثلت على المسرح 73 ـ 1974 7 ـ شقائق النعمان ـ مسرحية 8 ـ الأرجوحة ـ رواية 1974 نشرت عام 74 ـ 1991 عن دار رياض الرئيس للنشر 9 ـ غربة ـ مسرحية لم تطبع ـ مثلت على المسرح 1976 10 ـ كاسك يا وطن ـ مسرحية لم تطبع ـ مثلت على المسرح1979 11 ـ خارج السرب ـ مسرحية دار المدى ـ دمشق 1990 مثلت على المسرح بإخراج الفنان جهاد سعد 12 ـ حكايا الليل ـ مسلسل تلفزيوني من إنتاج التلفزيون السوري 13 ـ وين الغلط ـ مسلسل تلفزيوني إنتاج التلفزيون السوري 14 ـ وادي المسك ـ مسلسل تلفزيوني 15 ـ حكايا الليل ـ مسلسل تلفزيوني 16 ـ الحدود ـ فيلم سينمائي 17 ـ التقرير ـ فيلم سينمائي 18 ـ سأخون وطني ـ مجموعة مقالات 1987 ـ دار المدى ـ دمشق 19 ـ سياف الزهور ـ نصوص دار المدى ـ دمشق 2001 ـ أعادت دار العودة في لبنان لبيع أعماله الكاملة .
ـ كما أعادت طباعة أعماله كاملة دار المدى في دمشق
ـ ترجمت دواوينه ومختارات له ونشرت في عواصم عالمية عديدة إضافة إلى دراسات نقدية وأطروحات جامعية حول شعره ومسرحه.
ـ صدرت له عام 2006 نصوص شعرية "البدوي الأحمر" عن دار المدى دمشق ـ سوريا