ميلاد إخوان الصفا بمكناس

فضاء جديد للمعرفة والحوار وواحة للمحبة والتعايش

السبت 08 أبريل 2006 - 14:30

استلهاما لروح جماعة "إخوان الصفا وخلاّن الوفا" التي ظهرت خلال القرن الرابع للهجرة، تأسست بمدينة مكناس جمعية ثقافية تحمل اسم "إخوان الصفا" يضم مكتبها المسير كلاًّ من: عبد الرحمن بن زيدان رئيسا، رشيدة التازي نائبة له، الحسن المنصوري كاتبا عاما، عبد العزيز ب

تسعى هذه الجمعية ـ كما يوضح ميثاقها التأسيسي ـ إلى المساهمة بجانب كل الإرادات الحسنة، مهما كانت مواقعها، في المجهود التنموي التحديثي الذي أصبح المواطنون راهنا ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ يلمسون تباشيره الواعدة بالخير على وطنهم ومدينتهم مكناس وناحيتها.

منذ الوهلة الأولى، تعاهد مؤسسو هذه الجمعية، الآتون من آفاق معرفية وعلمية مختلفة، على عدد من الروابط الأساسية، المتمثلة في الأخوة والصفاء والصدق والنصيحة والتعاون والتكامل ونبذ روح التعصب، والتفاني في خدمة الصالح العام، والانتصار لقيم الحوار والتساكن والتعايش بين مختلف المذاهب والمعتقدات والديانات وفق أرقى تقاليد تراثنا المغربي العربي الإسلامي.

كما أجمعوا ـ خلال مؤتمرهم التأسيسي الذي انعقد بمدينة مكناس بتاريخ 6 مارس 2006 ـ على أن يطلقوا على جمعيتهم اسم "إخوان الصفا" مستلهمين بذلك روح "جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا"، متيمنين بها في كل ما تتضمنه تجربتها الثقافية من أبعاد إنسانية كونية، بعد أن أصبحت خلال ما ينيف على أزيد من عشرة قرون خلت، مِلكية مشتركة للإنسانية جمعاء، مثلها في ذلك مثل تجارب ابن خلدون، وابن رشد، وابن طفيل، وابن عربي وغيرهم.

في هذا الإطار، وبهذه الروح، حدد "إخوان الصفا" المكناسيون برنامج عمل لجمعيتهم، وذلك على النحو التالي : تنظيم ندوات ومحاضرات، إقامة تظاهرات جهوية ووطنية ودولية، إصدار مجلة خاصة بالجمعية، وطبع منشورات لأعمال الندوات والمحاضرات التي تنظمها الجمعية، تنظيم مهرجان سنوي خاص بالموسيقى الروحية والليالي الصوفية

أيام صوفية
دشنت الجمعية نشاطاتها بتنظيم احتفال بذكرى المولد النبوي، تحت عنوان "أيام مكناس الصوفية في مدح خير البرية" انطلق أول أمس الجمعة ويستمر إلى غاية اليوم الأحد، بمشاركة عدد من الفرق الصوفية من مكناس وغيرها من المدن المغربية والهدف من هذه التظاهرة : إبراز العطاءات الفنية الأصيلة التي تخلد بأشكالها وبتعابيرها الراقية جوهر الاحتفال القائم على التسامح وعلى حوار الثقافات في مدح خير البرية.

وقد وقع الاختيار على فضاء قصر المنصور (هري المنصور) كمعلمة تاريخية إسماعيلية لوضع أساس مهرجانات تنبع من الخصوصية الإسلامية التي أرسى أبعادها الإنسانية الدين الإسلامي الحنيف؛ وذلك للمساهمة في رد الاعتبار إلى المعالم والمواقع التاريخيــة بمكناس، وتوظيفها توظيفا حضاريا ينخرط بوعي في النسيج الثقافي والسياحي والاقتصادي للمدينة، ويزاوج بين التراثين المعماري والفكري.

ومما جاء في بلاغ للجمعية بهذا الخصوص: تزخر مدينة مكناس بمعطيات حضارية تدل على تنوع ثقافتها، وغنى إبداعاتها واحتفالاتها الشعبية، كما أنها تعد ملتقى الحضارات والذهنيات والعادات والتقاليد التي منحتها مكانتها المميزة بين باقي المدن الأصيلة.

وإذا كانت هذه المدينة قد صُنفت من طرف اليونسكو تراثا إنسانيا عالميا، فهذا معناه الاعتراف بتراثها وبعمرانها وبمآثرها التاريخية التي تشهد على عظمة الدول المتعاقبة على حكم المغرب.

وحيث إن هذه المدينة هي ـ أيضا ـ عاصمة السلطان العلوي مولاي إسماعيل، فهذا وجه حضاري آخر، أضفى عليه هذا السلطان رونقا وبهاء وعزة، وصولة خلد ذكرها في التاريخ المغربي، ودعم هذا التصنيف الذي يعد مكسبا مهما ورمزيا للحاضرة الإسماعيلية
هذه المدينة ذات النفحة الصوفية، والطقوس الاحتفالية الباذخة بمعانيها وبلاغتها الروحية، كانت وما زالت تمثل قيمة حضارية وفنية.

ومن منطلق الوعي بمكانة هذه المدينة وأصالتها، وضعت جمعية إخوان الصفا مقترحات ومشاريع تبرز هذه الأصالة، لتفعيل وجود المدينة بشكل حداثي يساير طموح قاطني مكناس، ويستجيب للنداءات المثقفة التي تدعو إلى رؤية جديدة تلبي ضرورات الفعالية الجديدة للثقافة المغربية القائمة على التعدد، وعلى احترام ثوابت المغرب.

لمحة تاريخية
ظهرت جماعة "إخوان الصفا وخلان الوفا" في عهد العباسيين خلال القرن الرابع للهجرة، الموافق للقرن العاشر الميلادي، وتكونت من علماء موسوعيين متخصصين في مختلف العلوم والفنون والمعارف، جمعوا في ممارسة ثقافية واحدة بين الكوني والخصوصي.

بين التصوف والفقه وعلم الكلام والأدب والفلسفة والموسيقى العربية الإسلامية من جهة، وعلوم الأوائل الوافدة على المسلمين من اليونان وفارس والهند والصين القديمة من جهة أخرى.

وقد سعت هذه الجماعة العالمة في شروط منعطف تاريخي صعب إلى مواجهة الجهل بالعلم، والتعصب بالتسامح، والانغلاق على الذات بالحوار والتفتح على الآخرين، معتزة بانتمائها الحضاري لأمتها العربية الإسلامية رغم أنها كانت تضم في عضويتها العربي إلى جانب الفارسي والتركي وغيرهما.

ومن ورقة تعريفية نشرت بجريدة "الزمان"، نجتزئ ما يلي: حاولت فلسفة جماعة "إخوان الصفا وخلان الوفا" التوفيق بين الفلسفة اليونانية التقليدية وظاهر الشريعة الإسلامية.

وكان موطن هذه الجماعة هو البصرة، ولها فرع في بغداد، ولم يعرف من أشخاصها سوى خمسة يتغشاهم الغموض والشك، فلقد كانوا في تستر، وجاء تكتمهم في اجتماعاتهم مساعداً علي الريبة بهم، فقالوا فيهم إنهم جماعة ترمي إلى غاية سياسية يقصدون بها قلب السلطان والدين معاً، لكنهم لم يستطيعوا إثبات هذه التهمة عليهم، لأن سلوكهم بين الناس لم ينمَّ عن اشتغالهم بالسياسة، لما تحلوا به من فضائل الزهد في الدنيا، والمحبة والوفاء والصدق.

وهم: أبو سليمان محمد بن معشر السبتي المعروف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني الذي سمّي في بعض المصادر محمد بن أحمد النهرجوري حسب ما جاء به المستشرق دي بور ثم الحسن العوفي، وزيد بن رفاعة
و"إخوان الصفا" جماعة تآلفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهباً فلسفياً يُراد به الوصل إلى الفوز برضوان الله حيث قالوا إن الشريعة قد دُنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية.

ومتى انتظمت الفلسفة الاجتهادية اليونانية والشريعة الإسلامية فقد حصل الكمال
وهم جماعة قاموا بتعريف الشريعة والفلسفة من حيث أن الشريعة طب المرضى ويقصد هنا بالمرضى المجتمعات التي تتعاظم بها الأمراض الاجتماعية والأخلاقية، فيصبح من الضروري أن ترسل القدرة الإلهيّة بمنقذ لها علي صورة نبي والفلسفة طب الأصحاء، والأنبياء يطببون المرضى حتى لا يتزايد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية.

أما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض، وبين مدَبِّر المريض ومدَبِّر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف وقد جاءت هذه المقولة أو النظرية على لسان المقدسي حسب قول الرواة، ربما يأتي اتهام هذه المجموعة من الفلاسفة بالعمل السياسي ــ بالإضافة إلى ما ذُكِر ــ كونهم قد قسموا درجات ومنازل المنتمين إليهم إلى مراتب تعتمد على العمر وبألقاب أتى بعضها قريباً جداً من ألقاب المجموعات الحاكمة

وإذا كان إخوان الصفا قد آثروا الاستتار في اجتماعاتهم، فلم يأذنوا للغرباء بحضور مجالسهم، والاستماع إلي أحاديثهم ومناقشاتهم، فلا يعني ذلك أنهم حجبوا آراءهم وعقائدهم عن الناس، بل كان من سياستهم إذاعتها والدعوة لها، لاجتلاب الأتباع والأنصار والمؤيدين، فظهرت وانتشرت على أيدي دعاتهم، وأطلع عليها جماعات المثقفين، ودخلت الأندلس، حيث أدخلها الطبيب أبو الحكم الكرماني القرطبي بعد رحلته إلي المشرق للتبحر في العلم.

وقد نشر هؤلاء الفلاسفة دعواهم على شكل رسائل وهي مؤلفة من اثنتين وخمسين رسالة مقَسَّمة إلى أربعة أقسام، رياضية تعليمية، وجسمانية طبيعية، ونفسانية عقلية، وناموسية إلهية.

وتذهب رسالة الموسيقى لإخوان الصفاء إلى اعتبار أن كل الصنائع التي عرفتها البشرية هي من ابتكار العلماء بحكمتهم، ثم تعلمها الناس منهم وصارت وراثة من الحكماء للعامة، ومن العلماء للمتعلمين، والحال ينطبق على صناعة الموسيقي.

ويعزون السبب في اكتشاف الموسيقى إلى القدرة الإلهية، ومن ثم انتشار هذا العلم في دور العبادة أولاً عن طريق الدعاء والتضرع إلى الله ليَصِلوا إلي حصيلة مفادها أن صناعة الموسيقى يستعملها كل الأمم والشعوب والأفراد، ويستلذها جميع الحيوانات التي لها حاسة السَّمع.

ميثاق مذهبي
اتخذت جمعية "إخوان الصفا" ـ التي أنشئت حديثا بمكناس ـ من نص لجماعة "إخوان الصفا وخلان الوفا" (القديمة) ميثاقا لها وديباجة لقانونها الداخلي يقول النص: "واعلم، يا أخي، أن حقيقة هذا الاسم هي الخاصة الموجودة في المستحقِّين له بالحقيقة، لا على طريق المجاز، واعلم، يا أخي ـ أيَّدك الله تعالى ـ أنه لا سبيل إلى صفاء النفس إلا بعد بلوغها إلى حدِّ الطمأنينة في الدين والدنيا جميعًا.

واعلم، يا أخي، أن حقيقة الصفاء أيضًا هي أن لا يغيب عن النفس الصافية الزكية شيءٌ من الأشياء التي بها الحاجة إليها، إن الصفاء إنما يُعرَف بالكدورة، والعدل بالجور، والصحة بالسقم.

وإنما صفاء إخوان الصفا لما أخلصوا الصبر على البلوى في السراء والضراء فينبغي لك، إذا أردت أن تتخذ صديقًا أو أخًا، أن تنتقده كما تنتقد الدراهم والدنانير والأرضين الطيبة للزرع والغرس، وكما ينتقد أبناءُ الدنيا أمر التزويج وشري الممالك والأمتعة التي يشترونها.

واعلم أن الخطب في اتخاذ الإخوان أجلُّ وأعظم خطرًا من هذه كلِّها، لأن إخوان الصدق هم الأعوان على أمور الدين والدنيا جميعًا، وهم أعز من الكبريت الأحمر وإن وجدت منهم واحدًا فتمسَّكْ به، فإنه قرة العين، ونعيم الدنيا، وسعادة الآخرة؛ لأن إخوان الصدق نصرة على دفع الأعداء، وزين عند الأخلاء، وأركان يُعتمَد عليهم عند الشدائد والبلوى، وظهر يُستنَد إليهم عند المكاره، في السرَّاء والضرَّاء، وكنز مذخور ليوم الحاجة، وجناح خافض عند المهمَّات، وسلَّم للصعود إلى المعالي، ووسيلة إلى القلوب عند طلب الشفاعات، وحصن حصين يُلتجأ إليه يوم الرَّوْع والفزعات.

فإذا غبتَ حفظوك، وإن تضعضعتَ عضدوك، وإن رأوا عدوًّا لك قمعوه والواحد منهم كالشجرة المباركة، تدلَّتْ أغصانُها إليك بثمرها، وأظلَّتْك أوراقُها بطيب رائحتها، وسَتَرَتْك بجميل فيئها.

فإن ذكرتَ أعانك، وإن نسيتَ ذكَّرك، يأمرك بالبرِّ ويسابقك إليه، ويرغِّبك بالخير ويبادرك إليه ويدلك عليه، ويبذل ماله ونفسه دونك، فإذا أسعدك الله، يا أخي، بِمَنْ هذه صفتُه، فابذلْ له نفسك ومالك، وقِ عرضَه بعرضك، وافرشْ له جناحك، وأودعْه سرَّك، وشاوِرْه في أمرك، وداوِ برؤيته عينَك، واجعلْ أُنسَك ـ إذا غاب عنك ـ ذكرَه والفكرَ في أمره.

وإن هفا هفوة فاغفرْ له، وإن زلَّ زلَّة فصغِّرْها عنده؛ ولا توحشْه فيخاف من حقدك؛ واذكرْ من سالف إحسانه عند إساءته ليأنس بك، ويأمن غائلتك ـ فإن ذلك أسْلَم لودِّه وأدْوَم لإخائه.

وبالجملة ينبغي لإخواننا ـ أيَّدهم الله تعالى ـ أن لا يُعادوا علمًا من العلوم، أو يهجروا كتابًا من الكتب، ولا يتعصَّبوا على مذهب من المذاهب، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلَّها، ويجمع العلوم جميعها.

وذلك أنه هو النظر في الموجودات بأسرها، الحسِّية والعقلية، من أولها إلى آخرها، ظاهرها وباطنها، جليِّها وخفيِّها، بعين الحقيقة، من حيث هي كلُّها من مبدأ واحد وعلَّة واحدة وعالم واحد ونفس واحدة، محيطة جواهرها المختلفة وأجناسها المتباينة وأنواعها المفنَّنة وجزئياتها المتغيرة.

واعلم أن الحقَّ في كلِّ دين موجود وعلى كلِّ لسان جارٍ، وأن الشبهة دخولها على كلِّ إنسان جائز ممكن فاجتهد، يا أخي، أن تبيِّن الحقَّ لكلِّ صاحب دين ومذهب مما هو في يده أو متمسِّك به، وتكشف الشبهة التي دخلت عليه، إن كنت تحسن هذه الصناعة ولا تُشغَلنَّ بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب".




تابعونا على فيسبوك