الناقد السينمائي الفلسطيني بشار إبراهيم

السينما العربية قادمة والمهرجانات كالمؤتمرات السياسية

الأربعاء 05 أبريل 2006 - 12:28
الناقد السينمائي الفلسطيني بشار إبراهيم

بشار إبراهيم ناقد فني وأدبي فلسطيني الهوية وسوري المولد، يعتبر من أبرز النقاد السينمائيين العرب المتتبعين للحركة السينمائية في البلاد العربية ومند فترة انكب اهتمامه على البحث والدراسة في مجال السينما الفلسطينية، وجاءت ثمرة بحوثه مجموعة من الدراسات والكتب


هذا بالإضافة إلى العديد من الدراسات الأدبية والمجموعات القصصية، وهو أيضا عضو في اتحاد كتاب العرب في سوريا واتحاد الكتاب الصحافيين الفلسطينيين وهو من بين الكتاب العرب المواظبين على نشر مساهماتهم النقدية الأدبية والسينمائية على المواقع الإلكترونية المتخصصة
من موقعه كناقد سينمائي يعيش في سوريا حاولنا أن نلامس جانبا من اهتماماته، فكان أول سؤال حول الإنتاج السينمائي السوري، اعتبارا أن السينما السورية ظلت مرتبطة بالقطاع العام لسنوات طوال، شهدت فيها الساحة أفلاماً جميلة، حازت الشرعية العالمية، من خلال الجوائز التي فازت بها في المهرجانات السينمائية.

وبالتالي كان رأيه في الإنتاج السينمائي بالمقارنة مع الإنتاج التلفزيوني المشهود له، بالإنجازات الجيدة على المستوى العربي؟ واضحا : "لا أعتقد أن ثمة أي علاقة بين الإنتاج السينمائي والإنتاج التلفزيوني، إذ يمثل كل منهما حقلاً مستقلاً من حقول الإبداع، على الرغم مما يبدو من قرابة شديدة الصلة بينهما، يمكن أن يتوهّمها البعض، لاعتمادهما -أقصد : السينما والتلفزيون- على الصورة، والسرد البصري
اللقطة، والمشهد، والمونتاج.

ليس الأمر على علاقة بكون التلفزيون جاء متحدياً ومنافساً للسينما وللإذاعة، على السواء، أبداً ولكنه على علاقة بالافتراق الذي يقوم بسبب اختلاف خصائص كل منهما : فنياً، وتقنياً، وتوجهات.

أنا مع فكرة : إن السينما سينما والتلفزيون تلفزيون وعلينا إدراك الفوارق بينهما، مهما كانت دقيقة فنياً، ومهما كانت واضحة تقنياً، ومتفارقة إنتاجياً : الكتابة للتلفزيون ليس كالتي للسينما، والبناء هو على اللقطة هنا، وعلى المشهد هناك، وشريط السيلولويد المعالج كيميائياً، في السينما، ليس كالشريط الكهرومغناطيسي، في التلفزيون
وبالتالي فالصورة ليست ذاتها، والجمهور ليس ذاته، وكذلك آليات العرض، وطقوسه، وطبيعة الإنتاج، ومساحاته.

في سوريا، الآن، ثمة رأسمال محلي : حذر، وغير مغامر، إن لم نقل جبان إنه يتوجه لصناعة سلعة لا تبور، هي المسلسل التلفزيوني بل إن بعض هذا الرأسمال يعمل بصفة وسيط، يأخذ من الرأسمال العربي، ويحقق له سلعة على هواه.

ومن هنا فإن التلفزيون مضمون، بينما السينما مغامرة أصلاً، لا أصدق أن هذه الفورة الإنتاجية التلفزيونية في سوريا تقوم على ركائز صناعية ثمة الكثير من الفوضى، والارتجال، وعدم التنسيق على الرغم من كل المسلسلات التلفزيونية التي أنتجت آلة الإنتاج في سوريا، ليس ثمة من مدينة سينمائية، لا تقاليد، ولا أسس، ولا تيار
ثمة من يصور في سوريا، وآخر في المغرب، وثمة من يبني ديكورات، ويتركها للعراء، وثمة من يمنح أجوراً، وآخر لا ليس ثمة من ضوابط.

الكثير من التفاصيل تقول إن ما يحصل على صعيد الدراما التلفزيونية في سوريا، هو ما كان يشبه الفورة التي شهدتها استوديوهات دبي، وأبو ظبي، وقطر، وأستوديوهات العاصمة الأردنية عمّان، منذ منتصف السبعينيات، عندما أُخرجت مصر، لأسباب سياسية، وطيلة الثمانينيات، مع غياب مصر ولبنان والعراق، لأسباب سياسية أيضاً.

فانتفى الطارئ في الإنتاج التلفزيوني، يومها، عندما انتفى الشرط الطارئ من تراه يتذكر الآن أن غالبية الأعمال التلفزيونية التي كنا نراها، في السبعينيات والثمانينيات، كانت تأتي من هناك، دبي، أبو ظبي، قطر، عمّان؟ وأن غالبية الفنانين من سوريا ومصر ولبنان والعراق وغيرهم، كانوا يشخصون بأبصارهم لفرصة عمل فيها، هناك؟ .

السينما السورية، شأن آخر : ـ سينما القطاع الخاص لفظت أنفاسها الأخيرة، منذ مطالع التسعينيات، بسبب الكثير من المتغيرات التي شهدتها سوريا، وغيّرت من طبيعة الجمهور السوري، الذي ما عاد يقبل على أفلام الضحك، والإثارة، والمغامرات الخفيفة
ـ سينما القطاع العام التي تنتجها المؤسسة العامة للسينما في سوريا، تكتفي بإنتاج فيلم، أو فيلم ونصف، سنوياً هي أفلام من نوع خاص.

ربما يمكن القول إنها أفلام مهرجانات، على الأقل لأنها لا تُعرض جماهيرياً في سوريا
أو ربما يمكن القول إنها مواويل خاصة لمخرجيها، على الأقل لأن المخرج غالباً هو من يقوم بكل شيء، بدءاً من كتابة القصة والسيناريو والحوار، إلى اختيار الممثلين، وأماكن التصوير والاتكاء غالباً على ذاكرة الصبا، والبيئة هي مكان طفولته، أو يفاعته.

صحيح، أن عدداً من الأفلام السورية التي أنتجها القطاع العام حازت جوائز وتقديرا، إلا أن السينما في سوريا ما زالت تفتقر إلى أبجديات وركائز وأسس وآليات الصناعة، والتواتر، والاستمرار ، و عن القطاع الخاص كتجربة في سوريا يضيف بشار : "أساساً، نشأت السينما في سوريا بفضل مجموعة من الرواد المغامرين، من هواة الفن السينمائي، الذي لم يكن أكثر من عالم مدهش، يمكِّن هؤلاء المغامرين والهواة من رؤية صورهم على الشاشة.

وبقيت السينما على هذا النحو، منذ الفيلم السوري الأول، الذي كان بعنوان "المتهم البريء"، والذي أنتجه أيوب بدري بالتعاون مع بعض زملائه عام 1928، وحتى العام 1964 عندما أُنجز أول فيلم سوري روائي طويل، وكان بالألوان، من بطولة الفنانة المطربة اللبنانية صباح، والمطرب السوري فهد بلان، وبطولة الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي، اللذين كانا يشتغلان على خلق الثنائي الفني : غوار الطوشة، وحسني البورظان
وينبغي الانتباه إلى أن دريد لحام حضر في هذا الفيلم من خلال شخصية "غوار الطوشة"، بينما كان حضور نهاد قلعي عن طريق شخصية "فرحان بيك ساهر"
مما يعني أن عملية البحث الفني لديهما كانت لاتزال مستمرة، وسنرى دلالات ذلك في العديد من الأفلام التالية.

كما يجب الانتباه إلى أن سينما القطاع العام في سوريا، لم تستعن أبداً لا بدريد لحام، ولا نهاد قلعي وربما لم تنتبه لهما سينما القطاع الخاص في سوريا، والتي انطلقت بتواتر اعتباراً من هذا الفيلم سوف تشهد ذروتها الإنتاجية في العام 1974، ثم تبدأ بالانحدار، ومن ثمة بالانحسار، حتى التلاشي والانطفاء عند مطلع التسعينيات من القرن العشرين وتوقفت عن الإنتاج تماماً، وذلك ارتباطاً بالأزمات التي شهدتها سوريا، وبالتالي خلقت أولوياتها.

الآن ثمة محاولات للإنتاج الخاص، ولكنها محاولات بناء من خلال المسلسلات التلفزيونية ذاتها، هكذا كانت تجربة باسل الخطيب في فيلمه "الرسالة الأخيرة" عام 2000، عن مسلسل تلفزيوني، كذلك تجربة حاتم علي في فيلمه "عشاق" 2005، عن مسلسل تلفزيوني أيضاً.

المثير في الحالتين أن المسلسلين حققا نجاحات مميزة، بينما لم يستطع الفيلمان تحقيق ما يشبه ذلك" وبخصوص المهرجانات التي اجتاحت أغلب البلدان العربية، بما فيها تلك التي لا تتوفر على إنتاج سينمائي محلي يوضح الناقد الفني بشار إبراهيم : "أرى أنه يمكن لبلد ما أن يحتضن مهرجاناً سينمائياً أعلى بكثير من مستوى أدائه السينمائي.

ليس من مهمة المهرجانات التأسيس لصناعة سينما المهرجانات السينمائية، كما أراها، فرصة للتعارف، واللقاء، والحوار، وتبادل الأفكار أعتقد أن المهرجانات السينمائية تشبه المؤتمرات السياسية، حيث تتم مناقشة الأفكار، وتحديد الأهداف، ورسم الخطط، ووضع الآليات.

أبداً لست ضد المهرجانات السينمائية، شريطة أن لا تتحول إلى هدف بحد ذاتها
ومع ذلك فأنا لست ضد تواجد العروض السينمائية في المهرجانات السياحية، ومهرجانات التسوق.

المهم التأكيد على حضور العرض السينمائي، وبناء العلاقة الجيدة بينه والجمهور، ومن ثمة الانتباه إلى الكيفية التي نؤسس لصناعة سينمائية في دبي، أو مسقط، وحتى في دمشق، ثمة طموح لإقامة مهرجانات سينمائية دولية هذا جيد ولعلها خطوة أولى
أعتقد أن الحركة السينمائية العربية قادمة، أكثر مما هي منجزة".

المعروف أن هناك العديد من المخرجين الذين يلجأون إلى الإنتاج السينمائي المشترك كطريقة للتحايل على أزمة الإنتاج في بلدانهم، حتى أنها تأتي في بعض الأحيان على حساب أعمالهم، وهناك من مع هذا الأسلوب ومن ضده وبالتالي ارتأينا أن نسأل ضيفنا المحترم عن موقفه من هذه العملية فقال : "الإنتاج المشترك هو أحد الخيارات الإنتاجية المطروحة، وليس بالضرورة أن يكون تحايلاً على أزمة الإنتاج في بلداننا.

ثمة دوافع أخرى : فنية، أو إنتاجية، أو تقنية، أو تعبيرية، أو سياسية، أو شخصية حتى
يمكن أن تدفع هذا المخرج، أو ذاك، لانتهاج خيار الإنتاج المشترك في العموم، لست ضد مبدأ الإنتاج المشترك ولست ممن يرون أن الإنتاج المشترك يأتي دائماً على حساب سوية العمل، الفنية أو الفكرية.

لنتفق أن الشريك الإنتاجي الآخر (المموّل) لا يبذل المال من أجل "سواد عيون المخرجين"، فقط، لكنه في الوقت نفسه لا يضع الشروط الفاضحة أعتقد أنه يخلق قابلية للتفكير بطريقة أخرى وأرى أن الخطورة تكمن في سؤال إلى أي مدى يمكن للمخرج العربي أن يتبرع بما لم يُطلب منه".

و هل يمكن الحديث عن سينما مستقلة، كتجربة في سوريا؟ يجيب : "طبعاً، يمكن الحديث عن سينما مستقلة في سوريا، ولكن باعتبارها نويات جنينية لا زالت تعبر عن أنفسها من خلال أفلام متناثرة.

لم تتحول السينما المستقلة في سوريا إلى تيار واضح المعالم، ولكنه عالم تتبدى ملامحه من خلال مساهمات عديد من المخرجين السينمائيين المحترفين، مثل نبيل المالح ومحمد ملص، وأعداد من المخرجين السينمائيين الشباب والهواة من طراز ديانا الجيرودي، ورامي فرح، وإياس المقداد، وعمار البيك، وهشام الزعوقي، وزهير قنوع، فضلاً عن فنانين ممثلين معروفين أمثال ماهر صليبي، وقصي خولي.


" وبما أن هناك علاقة وطيدة بين الإنتاج والنقد في هذا المجال استفسرنا الأستاذ بشار إبراهيم، هل الحركة النقدية في الوطن العربي توازي ما تعرفه بعض الدول على مستوى الإنتاج؟

وانطلاقا من تخصصه وضح المسألة كالتالي : "على الرغم من قناعتي التامة أن النقد هو عملية إبداعية، أولاً وأخيراً، إلا أنني أرى أنه لم، ولن، يأتي الوقت الذي تعترف فيه الحركة الإبداعية بالحركة النقدية، أو يعترف المبدع بالناقد.

الشعور الضمني بالتناقض، سببه أن النقد هو قول على قول غالباً ما يكون المبدع يريد من الناقد أكثر مما يقدر على قوله، أو كتابته وغالباً ما يكون الناقد يريد من المبدع أكثر مما يقدر على فعله وبالتالي فإن المبدع الذي يمتلك وسائل الإعلام، والمنابر، سرعان ما يبادر إلى إعلان أننا نفتقد النقد.

أو أن النقد في أزمة شخصياً، لا أعتقد بإمكانية أن يكون في لحظة ما إبداع عالٍ، دون أن يكون في اللحظة ذاتها نقد لا يقل عمقا وسموا أرى أن على النقد أن يمضي في طريقه، ولا يسعى لنيل الاعتراف من المبدع.
المبدع هو من ينبغي عليه السعي الدائم، من خلال إبداعاته، لنيل الشهادة من الناقد"
وحسب رأيه فيما إذا استطاعت السينما العربية أن تعالج القضايا التي ظلت دائماً في دائرة الممنوعات، كالفساد السياسي، والفقر الاقتصادي، والمشاكل الاجتماعية؟

باختصار أجاب أن الفنون عموم لا تعالج إنما تناقش، تحلل، تدلل، تومئ، تسأل، تفضح
ومستوى كل من هذه يتعلق بالمرحلة، وسماتها، من ناحية قوة القبضة، وسطوتها، أو تراخيها .
في ما علق على الحضور النسائي في السينما السورية انطلاقا من المكانة التي تحتلها المرأة حاليا في السينما العربية : "ليس في سوريا سينما مرأة
أولاً : هناك امرأة صانعة للسينما في سوريا، وفي هذا المجال لدينا بضعة أفلام، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة أنجزتها مخرجات نساء، مثال هند ميداني، وواحة الراهب، في القطاع العام، وإغراء، في القطاع الخاص.

وهناك الكثير من الأفلام التي ساهمت فيها مونتيرات (انطوانيت عازاريه)، أو مصممات أزياء فضلاً عن الأدوار الكبرى التي قامت بها فنانات وممثلات كبيرات ومن جهة ثانية، هناك موضوع المرأة موضوع في السينما، وهذا مجال واسع، يمكن أن ننجز كتباً في الحديث عنه، من حيث صورة المرأة التي ظهرت في السينما السورية، ومدى علاقتها بالواقع السوري".




تابعونا على فيسبوك