تنطلق ابتداء من اليوم سلسلة الندوات والمحاضرات التي تنظمها وزارة الثقافة بمناسبة الذكرى 600 لوفاة العالم العربي ابن خلدون .
ويؤطر هذه الندوات، المبرمجة على التوالي أيام 5 أبريل و19 ماي و13 شتنبر و8 نونبر من السنةالجارية، باحثون ومختصون من المغرب وخارجه بكل من مدن الرباط والدارالبيضاء ومراكش وتطوان وفاس ومكناس وبفضاءات متنوعة في العديد من المدن الأخرى، كما ينظم بالموازاة مع ذلك معرض للعلامة ابن خلدون.
ويرى المتتبعون ان عبد الرحمن ابن خلدون (1332ـ 1406م) صاحب كتاب "المقدمة" الشهير يعتبر أحد ابرز الأعلام الفكرية في العالم العربي والإسلامي فقد وصفه المؤرخ البريطاني (ارنولد توينبي)بأنه أعظم عمل من نوعه أنتجه أي عقل في أي زمان أو مكان.
لقد كان ابن خلدون من كبار العلماء الذين أنجتبهم شمال افريقيا، اذ قدم نظريات كثيرة جديدة في علمي الاجتماع والتاريخ ، عمل في التدريس في جامع القرويين في فاس، ثم في الجامع الازهر في القاهرة ، والمدرسة الظاهرية، وغيرها من محافل المعرفة التي كثرت في أرجاء العالم الإسلامي المختلفة خلال القرن الثالث عشر .
عمل أيضا في مجال القضاء أكثر من مرة، وحاول تحقيق العدالة الاجتماعية في الأحكام التي أصدرها ويرى الاستاذ عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية أن فترة مقام المؤرخ عبد الرحمان بن خلدون بمدينة فاس، موضوع بحاجة إلى المزيد من التدقيق والتحقيق لاسيما وأن هذه الفترة كانت مهمة في تكوين شخصية هذا المؤرخ.
واعتبر التازي في مداخلة له تحت عنوان "بين ابن بطوطة وابن خلدون" خلال الندوة الدولية التي نظمت مؤخرا بتونس, احتفاء بسنة المؤرخ عبد الرحمان بن خلدون , أن فترة مقام بن خلدون بمدينة فاس، كانت فترة مهمة في تكوين شخصية هذا المؤرخ.
ذكر التازي أن "ابن خلدون خصص لابن بطوطة حصة مهمة في مقدمته عندما كان ينقل إلى ابن أودرار الوزير الأول في حكومة السلطان أبي عنان صدى رحلة ابن بطوطة في الأوساط الشعبية "وشك" الناس في مرويات ابن بطوطة، حيث كان ابن خلدون يتلقى عن الوزير ابن أودرار تعقيباته التي كانت تهدف إلى ضرورة احترام مرويات الآخرين "ما دمنا لم نتمكن من الوقوف على ما يخالف ذلك".
ان الفكر الخلدوني، يقول الباحثون، يعبر عن روح الثقافة المتمسكة بالتجديد وبالابتكار واعتماد المنهجية العلمية في تحليل التحولات والتفاعل معها، الشيء الذي يجعل منه حاضرا ومؤثرا في الفكر العربي والغربي على حد سواء، بل الاكثر من ذلك فقد اندمج الاثر الخلدوني في المعرفة الكونية سيما تلك التي لها علاقة بالمنحى العقلاني والوضعي، حيث انه رغم اختلاف السياقات التاريخية والاصول النظرية فقد كان لابن خلدون الفضل في تشكيل بعض جوانب الفكر الغربي وفي مقدمتها مبادىء علم الاجتماع الحديث.
ويرى الباحث المغربي عبد السلام الشدادي، ان القيم التي دعا إليها ابن خلدون تتصل أساسا بالعقلانية والجرأة الفكرية واستقلالية الرأي والبحث المتواصل عن التجديد والانفتاح على تجارب الآخرين في شتى مجالات العلم والمعرفة .
كما قال عنه بعض الباحثين في آثاره ومواقفه الأدبية، بأنه يعتَبر في طليعة أدباء القرن الثامن الهجري، الذي حرر الأدب العربي من تحكّم البيان اللفظي، وأعتقه من أغلال السجع .
لقد تمكن ابن خلدون بقلمه وفكره من النهوض بالأدب، وجعله حراً يضطلع برسالته في ابداع وجمال الألفاظ، وبراعة التراكيب، وسبك المعاني المتوخاة التي يدور حملها على محور الإفادة ودقة التصوير، وفي كل أدب حي واقعي يساير الحياة ويندمج فيها ويتفاعل مع معطياتها.
وما زالت الكثير من الأفكار الخلدونية تتمتع بالصمود حتى اليوم مثل(آلية السوق) و(آلية الحكم) وأثر (العدل) في ديمومته، وهو الذي حدد عمر الدولة بثلاثة أجيال في 120 سنة وهو الذي تحدث عن (نظرية التطور).
فلقد عاش ابن خلدون, التقلبات التي شهدها المجتمع العربي الإسلامي من مواقع مختلفة كمثقف وكمؤرخ وكرجل سياسة واطلع على احوال كل الفئات الاجتماعية و خبر حياة القصور والحاشية وعرف اسلوب معيشتهم كما قضى جانبا من حياته بين القبائل واحتك بأهلها وزعمائها كما انه عاش أطوارا عجيبة ومتناقضة كان فيها على دفة السلطة حينا ومتغربا أو معتكفا احيانا اخرى.
إن الفكر الخلدوني، انطلاقا مما يراه الدارسون لفكره، أثر ممتد في الفكر الإنساني، وهو فكر إصلاحي بامتياز، مؤسس على خبرة حياتية ثرية وثقافة فكرية عميقة.