ندوة الرواية والمستقبل

تناقش الخيال العلمي ودوره في بناء مستقبل الإنسانية

الثلاثاء 04 أبريل 2006 - 13:42
حسام الخطيب وطالب عمران

ركزت الندوة الدولية حول الرواية والمستقبل التي عقدت في إطار مهرجان الدوحة الثقافي الجارية فعالياته حاليا، على دور الخيال العلمي في تقديم صورة المستقبل للإنسانية، وترأس الندوة الدكتور حسام الخطيب ومشاركة كل من الروائي السوري الدكتور طالب عمران والروائي الف


الإسباني رافائيل ريج كاريرو والناقد المغربي الدكتور محمد برادة . الدكتور طالب عمران قدم مداخلة بعنوان "تجربتي في كتابة الرواية والمستقبل وأدب الخيال" حاول فيها تقديم مفهوم عربي صاف للرواية العلمية ومبيناً الفرق بين الأدب الخيالي العلمي الصحيح، وأدب الخيال العلمي الاستهلاكي.

كما استعرضت المداخلة رؤية عمران للمستقبل من خلال الرواية العلمية التي تلاحق هموم الإنسان ومتاعبه المستقبلية عبر إيجاد تصورات للحلول الممكنة ومحاولة وضعه ضمن الإطار الإنساني الذي وجد عليه على هذه الأرض بخياله وأخلاقه وأحداثه المجنحة بعيداً عن الحصار والقمع.

واكدت المداخلة ان الخيال العلمي الجاد يهتم بالمشاكل التي يتعرض لها الإنسان على الأرض بما فيها المخاطر الناجمة عن البيئة والكوارث والحروب، مشيرة إلى أن كاتب الخيال العلمي ليس بعيداً عن محيطه ويجب ألا يبتعد عن تلمس هموم ومشاكل الإنسان المتشعبة في هذا العصر .

وأوضح د عمران في مداخلته أن الأمة تعيش في غربة علمية وأن علماءها يبدعون عندما يسافرون إلى مناطق متطورة، مشيراً إلى أن العرب هم صناع حضارات متعاقبة أعطت للغرب كل هذا الألق الحضاري الحديث، وأنه لولا هذه الحضارة العربية الإسلامية لاحتاجوا لأربعة قرون أخرى للوصول إلى ما نحن عليه في الحضارة الحديثة.

وأضاف عمران الذي يعد مؤسس رواية الخيال العلمي في سوريا ان العقول العربية هي عقول مشرقة تستطيع أن تبهر العالم بخيالها العلمي المبدع، وتابع : نحن نعيش في عصر العلم وإذا التصق الأدب بالعلم يصبح له علاقة بالعصر مطالبا بضرورة الاعتماد على الكتاب كوسيلة معرفية مهمة بغض النظر عن الوسائل الأخرى الحديثة من فضائيات وإنترنت، محذراً من ابتعاد أطفالنا عن هذه المصادر سينشأ عنه ولادة أجيال رقمية، تفتقد لمواهب التخيل وابتكارات الإبداع.

كما اكدت المداخلة على ضرورة التمييز بين الفنتازيا والخيال العلمي الجاد، وقال : لو استطعنا أن نجعل الطفل مميزاً بينهما لاستطعنا أن نبعده عن مفهوم "الأجيال الرقمية"
بعد ذلك قدم الروائي الفرنسي من اصل مصري جلبير سينويه مداخلة بعنوان "تأثير الرواية والمستقبل الإنساني" وضع من خلالها الجمهور في إطار المسؤولية العالمية تجاه أدب الخيال العلمي وتضمنت المداخلة عددا من التساؤلات منها : ـ أي شكل أدبي يستطيع استطلاع الواقع الحالي؟ ـ أي شكل أدبي يقدر أن يواجه العالم الحديث وتستره وتعدد آلياته؟ ـ أي أدب يتحكم في الافتراضات ويعيش فضاءنا الاجتماعي في هذا الكوكب؟ واستعرض الأديب الفرنسي الأشكال العديدة للكتابة مثل "الأدب الكبير" لأدباء مثل بروست وبلزاك، وطه حسين، و نجيب محفوظ، ثم أدب يصنفه البعض خطأ "الأدب الصغير" وهي روايات تسمح لملايين القراء بأن يحلموا وأن يهربوا من الواقع، بالإضافة إلى الرواية السوداء والرواية البوليسية ورواية الخيال العلمي.

وتحدث سينويه عن عولمة الاقتصاد والدور المهيمن للمعلوماتية وأشكال الاستبداد الجديدة المتمثلة بمراقبة الاتصالات وهي موضوعات لا تثير اهتمام الأدب الكبير محاولاً مقاربة الإجابة عن السؤال هل الأدب يؤثر في مستقبل العالم، ويقول : "ليس الكتاب هو الذي يوصف بالمدمر والمخرب بل ان القارئ هو الذي يمكن أن يصبح كذلك، إذ الكتاب ليس إلا فرصة لاكتشاف التدمير المقيم في داخلنا ولمدنا بالرغبة حتى الخيال منها، وفي بناء عالم أفضل، وفي وضع حد للتفاوت بين الناس ولممارسات الظلم بأنواعها، وللقمع مهما كان مصدره، وباختصار للمراهنة على الإنسان لأن الإنسان يستحق ذلك العناء
من جهته قدم الروائي الإسباني رفائيل كاريرو ورقة بعنوان : تجربتي في كتابة رواية المستقبل : "قداس أسود في الفاتيكان"، أوضح فيها ومن خلال أسئلة اتسمت بالعمق عناق الثقافتين الأدبية والعلمية متلمساً طريقاً إلى الحقيقة الوجودية للإنسان الذي وضعه أمام لغز الحياة .

وعدد الروائي فضائل ومميزات الرواية المستقبلية وسبب اختياره لها وهي : ـ انها تحرر المخيلة، ـ كونها صيغة دينية في أساسها، ـ الكتابة عن المستقبل في الأعماق بمثابة الكتابة عن الموت.

وقال الروائي الإسباني إن الرواية هي أداة بصرية فنحن نستخدم الأدب والمخيلة كوسيلة للتركيز على الواقع بشكل أفضل، مضيفاً أن الأدب هو الميدان المغناطيسي الناتج عن قوتين متضاربتين الفكاهة والحب، وهذا التلاقي بين المتناقضات هو ما حاولت اصطناعه في رواياتي المستقبلية بحيث نظرت من نقطتين متباعدتين تماماً لكي أخلق رؤية ثلاثية الأبعاد للحياة.

ثم ختم الناقد المغربي محمد برادة الندوة الدولية بورقته التي حملت العنوان : "ندوة رواية الخيال العلمي العربية في سباق أسئلة المستقبل" صافح من خلالها الإشكالية الناتجة عن ضآلة إنتاج رواية الخيال العلمي العربية التي تتصل بحكاية الإبداع العربي، متحدثاً عن هذا الإبداع من ثقافة ثانوية إلى ثقافة مضادة وعن موقع الخيال العلمي في الأدب العربي.

وتطرقت الورقة لأسباب ندرة رواية الخيال العلمي في الأدب العربي التي تشمل : ـ علاقة الثقافة العربية الحديثة بالعلم، ـ تعثر محاولات النهوض الاجتماعي السياسي من خلال فشل الدولة الوطنية بعد الاستقلال في أن تتبنى مؤسسات تنظم الصراع الديمقراطي وتحرص على الانخراط في منطق العصر بما يضمن التوازن والانفتاح، ـ مستوى التعليم ومشكلة المصطلحات وتطوير اللغة التي قال انها تعود إلى البطء الذي تتسم به المجامع اللغوية في نحت المصطلحات وتعريبها فضلاً عن كونه السؤال المهيمن على مسار الرواية العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر هو سؤال يعتبر الرواية أداة للتعليم والتثقيف ووسيلة لمعرفة المجتمع، وإضاءة التاريخ واستبطان الذات ومقاومة القمع وانتقاد المحرمات "الجنس، الدين، السياسة" وهو سؤال شد الرواية العربية بحبال وثيقة إلى الواقع.

ويرى الناقد المغربي في ورقته أن الخيال العلمي هو جنس تعبيري يملك إمكانات وخصائص تسعف في توسيع نطاق التخيل ووصل المعضلات الخاصة بالأفق الكوني والأسئلة المستقبلية، مشيراً إلى أن هناك سيرورة صراع حاسم ستؤثر نتائجها "كثيراً على تشكيلها ملامح الإنتاج الرمزي والتخييلي في الثقافة العربية"، ويحمل الناقد المغربي هذا الصراع ـ بنوع من التعميم ـ بين محورين متعارضين : الأصولية الشوفينية الذي هو اتجاه سياسي إيديولوجي يعتمد الدين ويستثمره في تعبئة المجتمع لمقاومة الانهيار ولمواجهة الغرب واستمداد أسباب النهوض من عصر ذهبي تحقق في الماضي والمواطنة لديمقراطية التي يقصد بها الأفق المناهض للأصولية الشوفينية المتطرفة.

وأوضح الناقد برادة أن الرواية هي جزء من ثقافة المجتمع تتأثر بمستواه المعرفي والعلمي، ومن ثمة فإن اتساع حجم رواية الخيال العلمي بوصفها شكلاً ملائماً لاستحضار المستقبل وتحسيس القراء بأسئلة يظل متصلاً بقدرة الثقافة العربية على استبطان قيمة العلم والإسهام في إنتاجه وجعله عنصراً أساسياً في منطق التحليل والمقارنة والاستقراء، وهو في الواقع رهان على توسيع فضاءات التخيل ليتمكن المبدع من توظيف جميع المكونات التي تسعف في تدعيم كونية الأدب والإبداع.




تابعونا على فيسبوك