برشيد يقرأ مؤلفات بن زيدان :

كتابات موسومة بالتجديد والتجاوز

السبت 01 أبريل 2006 - 13:02

كاتبان جمعتهما صداقة عمر، وظللهما هم واحد : المسرح، وتنسما نسيما مشتركا : الاحتفالية عبد الكريم برشيد وعبد الرحمن بن زيدان ومؤلَّف "الكتابة بالحبر المغربي"تجسيد لكل هذه العناصر وغيرها.


فهذا الكتاب الذي خصصه الدكتور عبد الكريم برشيد لكتابات الدكتور عبد الرحمن بن زيدان هو ـ كما وصفه مؤلفه ـ "شهادة شاهد، شاهد رأى كل شيء تقريبا، وسمع كل شيء، وكان عمره سطرا في الفضاءات، وكان وجوده جزءا من الأحداث واللحظات".

يعتبر برشيد أن الشهادة في حق بن زيدان هي شهادة في حق حقبة كاملة من التاريخ، وأيضا في حق مسار علوم وفنون وآداب وصناعات وأخلاقيات وثقافات مختلفة.

ويتابع أن بن زيدان كتب بالحبر المغربي الطبيعي عن المسرح في العالم، وعن العالم في المسرح، وبه أيضا استطاع أن يلامس القضايا والإشكاليات والاختيارات، وأن يقبض على المفارقات والاختلافات، وأن يكون مع الناس ـ كل الناس ـ من غير أن يكون ضد نفسه، وأن يكون أيضا مع الثقافة، الشعبية والعالمة، من دون أن يكون ضد الطبيعة، وأن يكون مع العلم، من غير أن يكون ضد الشعر .

ويضيف برشيد قوله "إن عبد الرحمن بن زيدان ـ في كتاباته ـ يطمح في أن يعرف كل شيء، وأن يدرك كل شيء، وأن يحيط بكل العلوم والفنون وبكل الاجتهادات والتجارب المختلفة، وأن يقول ما ينبغي أن يقال، في حينه ومكانه، وأن يكتب ما ينبغي أن يكتب، وألا يعترف بالممنوعات، وألا يقف عند الأبواب الموصدة إلا من أجل أن يطرقها، بعنف وقوة، ومن أجل أن يفتحها ويدخلها.

إنه يؤمن بأن من يمشي في الطريق، عليه ـ أولا ـ أن يشق هذه الطريق الممكنة، كما أنه يؤمن بأن الحقيقة توجد في الأراضي البعيدة".

وعبد الرحمن بن زيدان، محور هذا الكتاب، إلى جانب كونه ناقدا وباحثا، فهو أيضا مبدع مسرحي، من أعماله يمكن أن نذكر : "العار للمتفرجين"و"معركة بوفكران"التي كتبها بمشاركة الشاعر الزجال محمد بنعيسى.

كما أنه قام بمَسْرَحَة روايتين للكاتب الروائي الفلسطيني غسان كنفاني "عائد إلى حيفا و"رجال في الشمس"وشارك، كذلك، في كتابة ملحمتين مسرحيتين : "رصيد الأصالة"و"واحة الفرح".

كما أن كتابه "مدن في أوراق عاشق"هو كتابة إبداعية، فيها صور وخيالات وحالات، وفيها سفريات في الوجدان، قبل المكان.

ويرى برشيد أن كتب بن زيدان لا تعبر إلا عن جزء بسيط من شخصية هذا الاسم، ملاحظا أن أخطر أفكاره هي تلك المبثوثة في كثير من الجرائد والمجلات العربية، فهي تتضمن أفكارا حية، فيها حرارة وحيوية وسجال، وفيها فعل وانفعال، ومتابعة للقضايا التي تولد الآن، هنا، بيننا، وفيها مواقف صريحة وواضحة مما يحدث ويقع، وفيها المعرفة والجمال، والنقد والإبداع، والواقع والتاريخ، والحقيقة والأسطورة، والفن والحياة، والأدب والفلسفة، والمهنة والفكر، والدين والسياسة، والتنظير والتجريب، والقدامة والحداثة.

إنها أفكار تسكنها نزعة ثورية حارة، وهي تتوخى تثوير الحياة اليومية، وتثوير المؤسسات والعلاقات والمفاهيم، وتثوير المسرح وتحريره، وذلك من خلال تثوير الإنسان وتحريره أيضا
إن بن زيدان في كتاباته ـ كما يوضح برشيد ـ يتحدى نفسه أولا، يظهر هذا في تفوقه المستمر والمتجدد على كتاباته، فهو يتجاوزها، ويضيف إليها ويجددها ويعمقها، ويوسع من دائرة اهتماماته وهمومه، فمن المسرح المغربي إلى المسرح العربي، ومن الاهتمام بالتراث إلى التجريب، ومن البحث في المسرح (التمثيل)إلى البحث في المسرح (المؤسسة)، ومن المسرح في المدينة إلى المسرح في العالم، ومن التساؤلات التقنية إلى التساؤلات الفلسفية، ومن القضايا اليومية إلى القضايا الوجودية، ومن الأسئلة البسيطة إلى الأسئلة المركبة.

تتجسد الكتابات النقدية حول المسرح لدى بن زيدان في العديد من المؤلفات : "من قضايا المسرح العربي"، "المقاومة في المسرح المغربي"، "كتابة التكريس والتغيير في المسرح المغربي"، "أسئلة المسرح العربي"، "قضايا التنظير في المسرح العربي من البداية إلى الامتداد"، "إشكالية المنهج في النقد المسرحي العربي"، "خطاب التجريب في المسرح العربي"، "المسرح المغربي في مفترق القراءة".

يلاحظ برشيد أنه في كتابات الناقد عبد الرحمن بن زيدان نجد دائما أن المحور الأساس هو "القضية«، كما تبرز ذلك تلك الكتب التي ظهرت مع مجموعة من المسرحيات، ومع المسرح التجاري الذي ظهر في الثمانينيات، وهو الآن ينتعش ويعرف نوعا من الانتفاضة من خلال مسرحيات ذات طابع تجاري، الشيء الذي استوجب أن يكتب الدكتور بن زيدان كتابه "التكريس والتغيير".

بعد هذه المرحلة، دخل الناقد تجربة جديدة أوسع وأشمل من حيث الطرح والاشتغال، ذلك أنه خص كتاباته الأولى بالمسرح المغربي، وبعد هذا التوجه سيوسع اشتغاله ويعطينا كتبا تشتغل على تجربة المسرح العربي تنظيرا وممارسة، فيها سيخوض في كل الأسئلة الكائنة والممكنة التي طرحها، وهي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كانت أسئلة حول الهوية والتأسيس والتأصيل.

لذلك، سنجد هذه القفزة النوعية في الرؤية لدى الباحث ولدى الناقد ولدى المؤرخ المسرحي، إنها قفزة من مساءلة المسرح العربي في إطار التأسيس والتأصيل إلى مساءلة التجريب كضرورة ملحة أملتها مرحلة أخرى من تاريخ المسرح العربي.

ومن خلال مقاربة كتاب "خطاب التجريب في المسرح العربي«، يستنتج برشيد أن بن زيدان لا يقدم دراسات تجريبية محضة عن ضوء وعن ظلال وعن أشكال بدون مضمون أو دلالة تاريخية، بل يربط هذه الحركة بشروطها التاريخية والجغرافية والسياسية والمعرفية والحضارية العامة، لأن التجريب في الخليج ليس هو التجريب في تونس، والتجريب في المغرب ليس هو التجريب في موريتانيا.

إن الجغرافيا ليست محايدة، والتاريخ لا يمكنه أن يكون محايدا أو بريئا، والزمن ليس مجرد أرقام، وبالتالي فعام 1970 ليس هو عام 1990، وجيل النكسة الذي عايش هزيمة يونيو وكتب الفن المسرحي ليس هذا الجيل الذي عاش حرب الخليج، ومن هنا فالزمن ليس مجرد أرقام.

وعند الخوض في عوالم كتاب "قضايا التنظير للمسرح العربي من البداية إلى الامتداد«، يعتبر برشيد أن هذا الكتاب يمثل نقلة نوعية ليس في مسيرة بن زيدان فقط، ولكن في مسار البحث العلمي العربي ككل، فالناقد ينتقل من دراسة الصناعة المسرحية العربية ـ كآليات وتقنيات وكنصوص درامية ومشهدية ـ إلى البحث في الفكر المسرحي، في أسئلته وأجوبته، أو في العلم المسرحي وقواعده وقوانينه.

وبهذا، يكون قد استعاد نقطة البدء التي ضيعها الناقد العربي، والتي كان لا بد أن ينطلق منها، وذلك حتى يعرف طبيعة المسرح أولا، وحتى يحدد حدوده الكائنة والممكنة، وحتى يعرف قصديته المعلنة والمضمرة، وحتى يقف على فلسفة وجوده وعلى علة كينونته وعلى علاقاته المختلفة والمتنوعة داخل النسيج المجتمعي العربي.

ويتابع برشيد القول إن النقد العربي انشغل بـ "العرض"وأهمل الجوهر، واحتفل بالمتغير ولم يبحث في الثابت، ودرس الجزء في غياب الاهتمام بالكل، وأقبل على الأجوبة الباردة ولم يجرؤ على الاقتراب من جمر الأسئلة الملتهبة.

وهو ما جعل الدكتور بن زيدان يقر في مقدمة كتابه أن ما يشغله هو السؤال حول هوية المسرح العربي، كما طرحته البيانات والنظريات المسرحية التي اشتغلت على موضوع المسرح، بأسئلة تختلف جذريا عن الكتابات الانطباعية التي لم تكن قد تأسست أدواتها الإجرائية بعد، للتعامل مع الظاهرة المسرحية بوعي معرفي وفني عميق.

ويشير برشيد إلى أن اهتمام الباحث بالتنظير ليس وليد هذا الكتاب، لأن أسئلته النقدية ـ والتي هي بالأساس أسئلة فكرية ـ تتعدى، عادة، نطاق المسرحية وحدودها، سواء وهي في مستوى النص الدرامي أو في مستوى النص المشهدي.

وفي كتاب "أسئلة المسرح العربي"نجد فصلا مهما يحمل اسم "النقد المسرحي العربي أسئلة التنظير ومحاولة معرفة النص«، وفي هذا المؤلف يتطرق الكاتب إلى ثلاثة كتب نقدية لكل من عبد الكريم برشيد وعبد الله أبو هيف ومحمد المديوني.

وهكذا، فكتاب "قضايا التنظير للمسرح العربي من البداية إلى الامتداد"، رغم أن موضوعه هو التنظير، فإنه ـ كما يقول برشيد ـ يقوم على أساس البحث الميداني
والكتابة فيه ليست كتابة وصفية، باردة ومحايدة، ولكنها كتابة فاعلة ومنفعلة
إنها خلاصة تجربة ميدانية، وخلاصة أبحاث ودراسات ونقاشات ومحاورات مع أقطاب المسرح العربي الحديث ومؤسسيه.

ويؤكد برشيد أن بن زيدان يتجاوز النزعة القطرية الضيقة، ويتجاوز الرؤية التجزيئية والاشتغال الانتقائي والبعد الأحادي في البحث، ويقدم دراسة شاملة ومتكاملة تستحضر الجغرافيا والتاريخ والمعرفي والجمالي والاجتماعي والسياسي، وتستحضر النظر العقلي واللذة الفنية.

إنه يتعامل مع المسرح تعاملا مزدوجا، جوانيا وبرانيا في الوقت نفسه، وهو يقرأ الإبداعات والمساهمات النظرية بموضوعية ذاتية أو بذاتية موضوعية، فالموضوع ليس منفصلا عنه تماما، وليس متصلا به كلية، وبذلك فهو يدرسه دراسة علمية فيها حياد وتورط وفيها نقل للمقولات وطرح جديد للمقولات القديمة.

ويستخلص برشيد أن الدكتور بن زيدان استطاع أن يوسع رؤية مواضيعه وخطابه النقدي ودراساته، وما عرف عنه أنه لم يحصر بحثه في فضاء وإطار المسرح المغربي فقط، بل إنه قارب كل التيارات والاتجاهات والتجارب المسرحية في العالم وفي الوطن العربي، دون أن ينقل معرفته "العلمية"عن الصحافيين، أو من الخطابات المتداولة، لأنه سافر ورحل وحضر في كثير من الاحتفالات المسرحية، وعايش أسماء كثيرة في هذا المسرح، وكان عضوا في لجان التحكيم وفي لجان القراءة ولجان صياغة التوصيات.
وبذلك، راكم خبرته الإجرائية المأخوذة من ميدان المعايشة، وأخذ العلم المسرحي من المجال المسرحي.




تابعونا على فيسبوك