ضد الراهن جديد عبد السلام بنعبد العالي

إعادة النظر في التراث بعيدا عن مفهوم الأصل

السبت 01 أبريل 2006 - 12:53

"ضد الراهن" هو عنوان أحدث مؤلفات الباحث المغربي عبد السلام بنعبد العالي، وعلى غرار أغلب إصداراته خلال السنين الأخيرة، فالكتاب لم يخرج عن قاعدة أصبحت سمة أغلب ما يصدر عن الأقلام التي تشتغل في الحقل الفلسفي شرحا أو ترجمة أو تعلقيا أو شيئا من هذا القبيل.


صدر الكتاب عن دار توبقال للنشر الطبعة الأولى 2005 107 صفحات من القطع المتوسط، وقد تم طبع الكتاب بدعم من وزارة الثقافة. نتحدث بطبيعة الحال عن قاعدة تجميع لمقالات ودراسات في كتاب، ومن منطلق أن آخر مؤلفات ضيف هذا العرض يحمل عنوان "متى تظهر عندنا خلدونية مضادة؟" الحياة اللندنية عدد( 26/3/2006)، فلن نستغرب أن نطلع على نفس المقال مع مقالات أخرى في كتاب لاحق.

فالمسألة تكاد تكون ميزة جديد إصدارات المفكرين والباحثين المغاربة تجميع المقالات بالمناسبة، لم يسلم منه حتى محمد عابد الجابري، من منطلق أن آخر إصداراته ـ ويحمل عنوان "في نقد الحاجة إلى الإصلاح"، وصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية ـ يُعتبر هو الآخر، تجميعا لمقالات نُشِر أغلبها عبر صفحات يوميات عربية، ومنها هذا المنبر ويومية "الاتحاد" الإمارتية.

وهكذا دواليك مع أغلب طبائع المؤلفات المغربية خلال السنين الأخيرة، في سُنة علمية دشنها يوما المهدي المنجرة، ونعتبرها سٌنَّة محمودة وخاصة عندما يتعلق الأمر بتجميع مقالات ودراسات تشتغل في حقول علمية تعيش ضيقا في الأفق وشحا في الطلب وعوزا في التناول.

جاءت فصول كتاب "ضد الراهن" متضمنة العناوين التالية : "تكريسا للانفصال"، "في مسألة الهوية من جديد"، "في الحوار بين الثقافات والصراع بينها"، "الثقافة العربية في مرآة الآخر"، "ثقافة الكتاب وثقافة الشاشة"، "هايدغر ضد هيغل : التراث والاختلاف"، "أنطلوجيا فوكو"، "سياسة الحقيقة عند الغزالي"، "آثار دريدا"، "الأدب والفلسفة"، "الاستقصا وتوحيد "الغرب الأقصى"، "الفكر المغربي ومسألة التحديث : محاولة نمذجة".

لا يسعنا التوقف عند أهم ما جاء في مقالات ودراسات الكتاب، لذلك ارتأينا الاستشهاد ببعض ثنايا فصوله الأهم، من وجهة نظرنا ولنبدأ بما جاء في المقال الأول الذي تحدث عن "تكريس الانفصال"، حيث يرى المؤلف بأنه يمتدح مفهوم الانفصال، مما يفرض نقد منظومة الاتصال، أو نقد سيكولوجيا الاجترار والتكرار وإيديولوجيا الدوكسا وبادئ الرأي، وزمانيا التقليد والماضي الجاثم، وأنطلوجيا التطابق والوحدة.

ثم إن رسم الآفاق والتطلعات ـ كما يضيف في مقال آخر من الكتاب، ومخصص تحديدا لأعمال أبي حامد الغزالي ـ لابد أن يعني رجوعا إلى الوراء فالطريق الممكن لإحداث الانفصال مع التراث هي إثبات الاتصال، الطريق الممكن للتحديث هي التأصيل "فعندما ينصب تأملنا على ما سبق أن أعمل فيه الفكر، كما يقول هايدغر، حينئذ وحينئذ فحسب، نكون في خدمة ما تبقى علينا إعمال الفكر فيه".

على هذا النحو، يضيف بنعبد العالي، تغدو الفلسفة سعيا وراء إحداث الفجوات في ما يبدو متصلا، وخلق الفراغ في ما يبدو ممتلئا، وزرع الشك في ما يبدو بدهيا، وبعث روح التحديث في ما يعمل تقليدا، وتوليد البارادوكس في ما يعمل دوكسا.

ولذلك اعتبرت الفلسفة مقاومة تعمل في جبهات متعددة، أي تعمل ضد كل ما من شأنه أن يكرس الامتلاء والتطابق والتقليد وقفات مع "صدام الحضارات" بالنسبةلأطروحة "صدام الحضارات"، يُنبه الكاتب إلى أن قيمة النظرية لا تكمن في مضمونها أو في المفاهيم التي تقوم عليها، وليس أيضا في شكلها ودعامتها المنطقية، وإنما أساسا في كونها جاءت في وقت كان فيه العالم في أمس الحاجة إلى أوهام جديدة، وكونها تدين بقوتها الاقناعية لنفوذ المكان الذي ظهرت فيه.

لذا سرعان ما تلقفتها الأفواه والأقلام وأنهكتها الندوات والجدالات فغدت "مفتاحا" لفهم العصر، بل و تفسيرا لكل الأحداث المتأخرة بل إننا نستطيع أن نقول إن الاجترار الإعلامي قد حولها إلى رأي عام وبادئ رأى كوني، ملاحظا أن أحسن وسيلة لنقدها لا تتم عبر الخوض في جدالات عقيمة حول تحديد المفاهيم التي ارتكزت عليها، ولا محاولة إثبات فسادها المنطقي، أو تهافتها الفلسفي، وإنما فضح آليات عملها.

ذلك أن هاته النظرية لم تكن تستهدف الوقوف عند حركة التاريخ بقدر ما كانت ترمي إلى صنعه ورصد آفاقه والمساهمة في خلق ممكناته فهي تدخل ضمن آليات جديدة أخذت تطبع عالمنا المعاصر لا هي بالآليات المنطقية ولا بالآليات الإيديولوجية، وإنما هي آليات تجعل الأشياء حقيقة بمجرد التأكيد على أنها كذلك، إنها آليات تجعل الواقع مفعولا لما يقال عنه، وهي الآليات نفسها التي تتحكم اليوم في الإشهار والإعلام واستطاع الرأي
مضيفا أن الجدال حول الأطروحة طرح أمامنا خيارين منفصلين لا ثالث بينهما : إما التسليم بصراع الثقافات أو القول بالحوار بينها، وهكذا طرح الحوار مقابلا للصراع وبديلا عنه.

قبل أن يخلص في نهاية المقال إلى أن طبيعة الصراع القائم اليوم ليست بين معسكرات سياسية ولا بين مناطق جغرافية، وبالأولى ليس بين آلهة الخير وشياطين الشر، إنه ليس حتى صراعا بين داخل وخارج، وإنما بين ثقافتين تتجسدان في الوطن الواحد، بل وعند الفرد الواحد، هما ثقافة الحداثة وثقافة التقليد .

ذلك أن مواجهة الآخر غدت اليوم أيضا مواجهة مع الذات، لأن مظاهر الحداثة تتخذ اليوم طابعا عضويا وتهاجم التقليد في عقر داره الأصول الألمانية لإشكالية التراث يرى الكاتب أن إشكالية التراث كانت ألمانية في أصولها، ومسألة التراث طرقت، ومازالت تطرق بالكيفية التي نحتها الفكر الألماني منذ بداية القرن الماضي حيث تم طرحها في ملابسات سياسية وفكرية معينة.

كما توقف عند موقفين أساسيين تمخض عنهما الجدال في ألمانيا ثم في روسيا وإيطاليا فيما بعد، بل وربما مازال يتمخض عنهما كل جدال جدي حول مسألة التراث : الموقف الأول يمتد من هيغل إلى ديلتي وينظر إلى التراث من خلال نزعة تاريخية وداخل ميتافيزيقا الهوية والتطابق.

أما الثاني فيضم أسماء متنوعة في الظاهر ويوجد فيه جنبا إلى جنب كل من ماركس ونيتشه وفرويد وهايدغر ونجد صداه حتى عند بعض المفكرين الفرنسيين المعاصرين
وما يهمنا أكثر في هذا العرض فيما ذهب إليه اجتهاد الكاتب هو التنبيه إلى أن مسألة التراث عندما تُطرح تفرض دوما مفهوما معينا عن الهوية وعن التاريخ ثم عن الوعي، مفضلا تحديد المفاهيم التي تفترضها الكيفية التي تطرح بها مسألة التراث عندنا اليوم في العالم العربي، مما يتطلب طرح مجموعة أسئلة : فضمن أي تصور عن الزمان التاريخي تطرح هذه المسألة؟ وداخل أية فلسفة عن الهوية والاختلاف؟ وضمن أية فلسفة عن الوعي ندرجها؟ يتعلق الأمر إذن بإعادة النظر في التراث خارج فلسفة الحضور وبعيدا عن مفهوم الأصل.

نحن أمام تصدع الكائن وخلخلة كل تطابق وتعديد كل وحدة هذا التصدع لمفهوم الكائن لابد وأن يتعارض مع الطرح التقليدي لمسألة التراث والحال أن هذه المسألة ارتبطت دوما بالبحث عن التأثيرات والاستمرارات وعن الاستقرار والدوام : دوام الأرض التي نحيا عليها، واللغة التي نتكلمها، والمدينة التي نعيش فيها والفكرة التي نعتقد حقيقتها .

تفكيك دريدا وحقائق الغزالي في المقال المُخَصًّص لآثار جاك دريدا، يتوقف الكاتب أولا عند إغفال المتتبعين المغاربة لأعمال جيل دولوز، مقابل العناية الملحوظة التي حظي بها دريدا، ونلمسها عند المفكرين ـ ولو أن الكاتب يتحدث عن فلاسفة مغاربة، كما لو أن المغرب يعج بفلاسفة حقا ـ كما نلمسها عند نقاد الأدب، وعند النقاد التشكيليين، وعند جميع وسائل الإعلام.

ودريدا بالمناسبة كان أكثر المفكرين زيارة للمغربيُدقق بنعبد العالي في مبررات هذا الاهتمام، والروابط التي تشدنا إلى هذا المفكر الذي ربما يتعذر تصنيفه ضمن جنس بعينه من أجناس الكتابة، ولأن الأمر يتعلق بفيلسوف التفكيك، فلا مفر من أن يُدلي الكاتب بوجهة نظره في إحدى أبرز الموضات الفكرية المميزة للمشهد الفكري الفرنسي على الخصوص.

التفكيك ليس هدما، والتفكيكية ليست مطلقا فلسفة عدمية وربما كان العكس هو الصحيح نحن أمام تقييم يُذكرنا بالذي يحرره علي حرب، الدريدري العربي الأبرز، لنقل أبرز مقلدي دريدا في المجال التداولي العربي إن دريدا، حسب بنعبد العالي، ينطلق من افتراض أننا نعيش على فيض من الحقائق ما ينفك يتوالد.

فما دمنا نتكلم اللغة، ونستخدم المفاهيم، ونخلق الوحدات، ونركن إلى التقليد، ونطمئن إلى التشابهات ونحن إلى التطابق والوحدة، فإننا لابد أن نعيش على الحقائق إلا أن الأمر لا يتعلق بتقويض تلك الحقائق باسم الحقيقة وهذا بالضبط ما يطبع النقد المتداول لأنه يتم دوما من موقع حقيقة ما، هذا إن لم يتم من موقع الحقيقة.

أما التفكيك فهو لا يدعي تكذيب موقف باسم آخر، وهو يتجاوز الميتافيزيقا بمهاجمتها و"محاكمتها"، وإنما يسعى إلى أن يبين أنها لم تتوفر قط على ما تدعيه من اكتفاء ويقين
يتعلق الأمر إذا بتوسيع شرخ لازم الميتافيزيقا، وشق هوة لم تنفك عن الوجود، لكن المرمى يتعلق أساسا بتعقب آثار وخلخلة تراث : ها نحن نرى أن الرجل يشاركنا، في أكثر من نقطة همومنا الفكرية، وهو يدعونا بطريقته إلى أن نقتفي أثره، ونسير على دربه كي نقترب منه ما أمكن حتى نبتعد عنه.

وما لم يُصرح به الكاتب ولا علي حرب وكل المنبهرين بدريدا، كوننا أعجز ـ في زمن "الحداثة المُقلدة" ـ على القيام بتفكيك التفكيك، بتعبير الناقد السوري صبحي حديدي، مفضلين اجترار أطروحات الغير بانبهار فكراني يكرس بدعة التقليد عوض إبداع فكر التجديد.

وقد أصاب حديدي القصد عندما نبَّه إلى أن "رحيل دريدا سوف يفقد التفكيكيين سلطة كبرى، يصعب عليهم بعدها ممارسة الفلسفة كما أرادها صاحبها : منهجا في قراءة النصوص، وفي تفكيكها، وفي تفكيك التفكيك".

نتوقف أخيرا عند قراءة الكاتب لأعمال مؤلف تحفة علمية وعرفانية تحمل عنوان "إحياء علوم الدين"، وتندرج المقالة ضمن العروض التي ألقيت في "الملتقى الرابع لفضاءات ابن رشد" التي ضمت ندوة تحت إشراف جامعة القاضي عياض لمراكش بعنوان "المعرفة والحقيقة" أيام 14 و15 و16 فبراير 2001 يلاحظ المؤلف في البدء أن السؤال عما إذا كان الغزالي يميل إلى الأفكار التي يريد إبطالها، أو ما إذا كان أكثر فلسفة من الفلاسفة، وأنه "أراد أن يتقيأهم فما استطاع" أو أنه حكى شبهة التعليمية بكيفية "كانوا يعجزون هم عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقه له".

إن هذا النوع من الأسئلة والاعتراضات هو ما يحاول الغزالي أن يجيب عنه ليُنبه أن نضاله ليس نضالا ضد أفكار وضد معارف بعينها، وإنما نضالا ضد سلطات معرفية
فالتهافت هو تهافت للفلاسفة وليس للفسلفة، والفضائح هي فضائح الباطنية وأهل التعليم، وليست فضائح مذهب فكري.

لقد كان حجة الإسلام يدرك إذن معنى كتابته هو بالذات للتهافت والفضائح، بل وللإحياء، وكان يعلم أن هذه الكتب لن يكون لها الوقع نفسه لو أنها صدرت عن غيره وكان يدرك مدى سلطة المعرفة، ومدى سلطته هو وإمامته وحجيته ووجوده كما يقول، "في زمان مساعد وسلطان متدين قاهر".

بناء على ذلك فهو لم يكن يبغي إقناع خواص، كما فهم ابن رشد، ولا إثبات معرفة مضادة، وإنما إصدار فتوى فقهية في حق من يخالفونه.
ولهذا السبب يعتبر المؤلف أن الذي يقتصر على النظر إلى كتب الغزالي على أنها انتقادات أفكار، لا لحياة الأفكار وسياسة الحقيقة، لابد وأن يستخلص مثل ابن رشد، "أن هذه الأقاويل كلها في غاية الوهن والضعف" ولكن، مقابل الوجهة الأرسطية التي تحصر معنى الخطاب وقيمته في حدود الكلام، يمكن أن نتحدث هنا عن رؤية أفلاطونية تربط المعرفة بالسياسة، وتدخل في مقدمات القياس البرهاني المتواترات والمشهورات وتعتبر أن الضلال إذا اشتهر وتمكن فإنه يعمل عمل الحقيقة، وأن الأفكار تكتسب قوتها من رسوخها الزمني، والمنابر التي ترعاها.




تابعونا على فيسبوك