الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، يمكن أن يكون احتفالا حقيقيا، وذلك في زمن حقيقي، وأن يكون بذلك انعكاسا أمينا لواقع مسرحي حقيقي.
وبهذا يكون لهذا الاحتفال مضمونه وشكله، وتكون له روحه وجسده، وتكون له طقوسه وأخلاقياته، تماما كما أنه يمكن أن يكون فعلا بروتوكوليا بسيطا وساذجا، وأن يكون تقليدا ببغائيا، يعيد نفس المظاهر البرانية، وأن يكررها، بشكل آلي، وبهذا يضيع الاحتفال حقيقته، لأنه يكون احتفالا بلا روح، وبلا ذاكرة، وبلا وجدان، الشيء الذي يشكك في مصداقيته، وهذا هو الحال بالنسبة للاحتفال المغربي، والذي يقبض على الشكليات وحدها، ويحرص على الهوامش الجانبية، من غير أن يغوص في جوهر الظاهرة المسرحية، وأن يتعامل معها تعاملا فلسفيا أولا، وأن يقرأها في ضوء التغيرات الاجتماعية ثانيا، وأن يتمثلها ـ ثالثا ـ وهي في كل أبعادها الأدبية والفنية والفكرية والمهنية والصناعية المتعددة والمتنوعة.
إن الأمر إذن، وبخلاف ما قد يظن بعض المحتفلين، هو أكبر من أن يكون مجرد استجابة ميكانيكية للنداء العالمي، وذلك لأن الأساس في المسرح أنه حاجة فطرية قبل كل شيء، وأن الإنسان هو كائن يحاكي ويحكي، وعليه، فإن الأمر يتطلب أن يوجد المسرح أولا، وأن يوجد الاحتفال به ثانيا، وبغير هذا نكون كمن يرى النتائج وحدها، ويعمى عن رؤية المقدمات التي أدت إليها.
إن الأساس في الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، هو أن لا يأتي منفصلا عن شروطه المادية والمعنوية، وألا يكون غريبا عن ظروفه، وعن مرجعياته، وتكمن خلفيات هذا الاحتفال في الاهتمام الرسمي والشعبي بالمسرح، وأن يتضمن هذا الاهتمام علومه وفنونه وآدابه وصناعاته، وأن يتجلى ذلك في التكوين النظامي، وفي التكوين المستمر، وفي إعادة التكوين، سواء داخليا، أو من خلال البعثات إلى الخارج، أو من خلال الانفتاح على التجارب المسرحية الأجنبية، وبهذا، يكون الاحتفال تتويجا لحركة مسرحية حقيقية، وأن يكون نتيجة طبيعية لشيء له وجود فعلي، أما بالنسبة للاحتفال المغربي، فما هو إلا احتفال عبثي بلا معنى، وذلك لأنه مقطوع الصلة بالواقع وبالحقيقة معا، وهو بهذا يشبه احتفال الاسكيمو بموسم التمور أم بموسم حب الملوك.
ومن أغرب الأشياء، في هذا المغرب الغريب، أننا نحتفل بالمسرح مرتين في السنة، وليس مرة واحدة فقط، كما هو الشأن بالنسبة للشعوب التي لها مسرح حقيقي، والتي لها مواسم مسرحية منتظمة، ولها مؤسسات مسرحية قائمة الذات، وإن مثل هذه الزيادة في الاحتفال، لحد المبالغة الفاضحة، هي بالتأكيد تجسيد مادي للمقولة المشهورة(الزيادة في الشيء نقصان).
وبدل الزيادة في (العلم) والزيادة في المظاهر الفلكلورية، وبدل النفاق السياسي الواضح، وبدل (الفشر) الحضاري الكاذب، فقد كان الأجدر بالمسؤولين عن السياسة الثقافية ـ هذا إذا كان هناك شيء يسمى السياسة الثقافية في المغرب ـ كان عليهم أو يهتموا ببناء المسارح أولا ، وليس بهدمها كما وقع مع المسرح البلدي بالدار البيضاء، أو بإهمالها كما هو الحال مع المسرح البلدي بالجديدة، أومسرح سيرفانتيس بطنجة أو المسرح الوطني بتطوان، أو تحويلها إلى(قيساريات) كما هو الشأن مع مسرح إسبانيا بالعرائش، وكانت الأولوية أن تؤسس الفرق المسرحية، وأن يكون لنا موسم مسرحي غني بربرتواراته وغني بإبداعاته الجديدة، وأن نشجع الـتأليف المسرحي من خلال إقامة مسابقات في التأليف، وأن نعمل على نشر النصوص المسرحية، وعلى أن تكون لنا مكتبة مسرحية، تضم المسرحيات القديمة والجديدة معا، وتضم النصوص المؤلفة والنصوص المقتبسة والنصوص المترجمة، وأن نفكر في إيجاد جمهور مسرحي حقيقي وذلك بتقريب هذا الفن من الناس، سواء في المدن الصغرى، أو في القرى وأن نؤمن كلنا، رسميا وشعبيا، بأن الحق في المسرح لا يقل شأنا وخطورة عن حقوق أخرى، وأن نشجع الحق في المسرح، وأن ندفع بالتجارب الجديدة إلى الواجهة، وأن نساهم في إيجاد مناخ مسرحي صحي؛ مناخ يتنفس فيه المسرح والمسرحيون هواء نقيا، أما الآن، فإن التلوث قد أصاب العيون، وأصاب الآذان، وأصاب العقول، وأصاب الحقل المسرحي، واختلت المقاييس، وتم تخريب الذوق المسرحي، واستقال كثير من المسرحيين الحقيقيين، وطفت فوق السطح كثير من الكائنات الإسفنجية الغريبة، والتي لا علاقة لها بالمسرح، ولا بما يمكن أن يشبه المسرح .
ثم إن هذا الاحتفال وحتى يكون له معنى، فقد كان ضروريا أن يسبقه الاهتمام برجل المسرح، وأن يكون هذا المواطن مكرما في وطنه، وأن يكون الاحتفال بالإنسان المسرحي المجسد أسبق من الاحتفال المسرحي المجرد، وبهذا نقول للذين يهمهم حاضر ومستقبل هذا المسرح، ترجموا لنا هذا الاحتفال إلى وقائع مادية ملموسة، ترجموه إلى اهتمام يومي بالمسرح والمسرحيين، واجعلوا لهذا الفن مكانا ومكانة في المخططات والبرامج وفي المشاريع المستقبلية.
أعطونا المسرح أولا، ودعونا نحتفل بعد ذلك، وعندما نحس هذا المسرح، ونلمسه يوميا، فإن احتفالنا لابد أن يكون احتفالا حقيقيا وصادقا، وألا يكون مجرد تظاهرة بروتوكولية بلا معنى.