لم يفكر يوما في الابتعاد عن مدينة ابن سليمان، مسقط رأسه استهوته المدينة بطبيعتها الخلابة وسكانها البسطاء الطيبون أهله وأحبابه يحكي عنهم بلسان مثقل بالكلمات الواعظة يرى فيهم مالا يراه غيره الرقة والحنان.
قال نبيلي إن أعماله تعتمد على الرموز والرمال، وأضاف في دردشة مع الصحراء المغربية بمناسبة معرضه ( متخيل الطفل) الذي افتتح يوم 17 مارس، ويمتد إلى غاية 18 أبريل المقبل برواق باب الرواح بمدينة الرباط، ان اختيار الرمل لم يأت صدفة، ولكن له علاقة فلسفية وعقلانية، ففوق كل حبة رمل أوضح الفنان المهووس بمرافقة الأطفال، هناك تاريخ وهناك ربما شظية صغيرة من أجدادنا، لذا نبه نبيلي (يجب الحذر من المكان الذي تضع فيه رجلك فقد تضعها فوق شظية من أحد أجدادك).
وبالنسبة لنبيلي فحبات الرمال هي كالإنسان، تبدو متشابهة في أول نظرة لكن بفحصك لكل واحدة بالمجهر تجد أنها مختلفة في الشكل واللون، وتكون فيما بينها كتلة واحدة متناسقة.
ويستعمل نبيلي الرمز كأداة مثل النوتة الموسيقية، التي ينسج منها الموسيقيون سنفونية معبرة، ولعل انفعاله الداخلي بما يقع من حوله أكبر مؤثر على تركيبة رموزه وصياغة لوحاته، وذكر نبيلي بالأب الفلسطيني الذي حضن ابنه في محاولة لنجدته من رصاص العدو الذي تسرب إلى قلب ابنه وأرداه قتيلا، وترك الأب يغوص في دماء ابنه والفاجعة تكوي فؤاده، قال نبيلي : كانت نظرتي للفاجعة عبر وسائل الإعلام، سببا في عقم تفكيري عن الإبداع لعدة أيام، فجرت مولودا بعدها في لوحة معبرة لمشهد الطفل وأبيه، حيث رسم لوحة قاتمة الالوان تجسد عدوانيتها، وطائر أسود يسبح في الفضاء
وأضاف نبيلي : أحيانا تمر الشهور دون أن ألمس أدوات الرسم، وعن مدى اهتمامه بالأطفال قال نبيلي : اهتمامي بالاطفال بدأ منذ اهتمامي بالفن التشكيلي، فعندما كنت في الخامسة من عمري، كنت ملهما بالرسم على الجدران وكل ما احتك به جسمي، مستعملا كل ما توفر لي من وسائل للرسم أقلام، "فاخر" ، كنت دائما أعاقب على عملي، حيث تولدت لي عقدة داخلية ، كنت أرسم رغم نقص الوسائل، ولا أجد مشجعا
وتابع نبيلي : أود تقديم خدمات فنية لكل الاطفال أطفال الشوارع المتخلى عنهم والذين ليست لهم القدرة على متابعة الدروس والتحصيل لكن بداخلهم طاقات ومواهب يجب كشفها وصقلها.
وأضاف أنه يؤمن بأن القدرة الإلاهية التي تحرم الإنسان من العطف والحنان فلابد أن تمنحه طاقات ومواهب أخرى تعوضهم النقص.
وأضاف أن العصر الحديث يتطلب التحام الفن التشكيلي مع أية مهنة يزاولها الانسان، واستدل نبيلي بالمثال فالإنسان عندما يريد شراء قميص، يرى لونه وشكله، مما يوضح أن لديه علاقة حب وعطف مع القميص، وهي علاقة روحانية كامنة بداخل الانسان، واعتبر أن الفن التشكيلي هو الطريقة التي بإمكانها إخراج هذه المشاعر .
وأضاف أن الفنان الحقيقي ينبثق من الطفل إلى الشاب، والوضع الفني للشاب المغربي عائق كبير ومشكل خطيرفي ميدان الفن التشكيلي، فلا يوجد مكان للأخذ بيد هذه الشريحة للإبداع وصقل المواهب.
فالحضارة حسب نبيلي تبنى بفنها وثقافتها، فبقدر اهتمامها بالصحة والتغذية والهندام يجب الاهتمام بالفن، وأضاف أن تقنين طرق تكوين الفنان، يجلب الشهرة عن طريق أعماله الموسيقية او التشكيلية أو السينمائية.
وذكر برمزه الذي منح كجائزة للاعمال السينمائية خلال المهرجان الوطني للسينما المغربية الذي أقيم بمدينة طنجة، وبمستوى المخرجين السينمائيين المغاربة الشباب الذين يعيشون داخل بعض الدول الغربية، والذين اعتبرهم سفراء لبلدهم المغرب، ومستثمرين داخل بلدهم.
وبخصوص علاقة الفنانين التشكيلية فيما بينهم، قال نبيلي إنها ليست في المستوى المطلوب، وللنهوض بالفن التشكيلي يجب الوصول الى اتفاقيات تامة بين الفنانين، فالفنان كيفما كان بلده هو رمز للأمة، وتأسف لكون الاغلبية الساحقة يتخذون الفن التشكيلي كمهنة، وتابع نبيلي : عندما تذهب لزيارة فنان فأنت تذهب الى صالونه وليس الى مرسمه، وأضاف أن الفنانين يلتقون في المعارض ويتعانقون وعندما تنتهي لحظة الاجتماع بالمعرض يفترقون ولا شيء يدور بيننا، وربما تثار أسئلة هامشية ماذا ربح فلان من لوحاته؟ ، يجب ألا أعطيه عنوان المكان الذي عرضت فيه لوحاتي لأظل وحدي أبيع؟.
وأكد أن هناك فنانين مغاربة بمستويات فكرية وإبداعية كبيرة، لكنهم ينتظرون فرصة الإقلاع التي لابد أن تأتي من المسؤولين ثقافيا والمهتمين بالشأن الثقافي.
وأضاف أنه يجب نهج طريق الحوار بين كل الفنانين لوضع تقارب بين كل الاعمال وتوسيع دائرة الاستفادة لدى أكبر شريحة من الاطفال والشباب.
وأوضح أن الفنان تستهويه الافكار في أوقات مختلفة، وليس له برنامج دقيق للإبداع، فكل فنان حسب نبيلي يجب أن تكون له مكتبة داخل دماغه، فالفنان هو مفكر عليه بالمطالعة ومسايرة عصره.
ولد محمد نبيلي يوم رابع غشت من سنة 1952 بمدينة ابن سليمان، ولج عالم الفن التشكيلي عن طريق الصدفة، لم تكن حينها شعب توجيه لمجال التشكيل ولا اهتماما به
بعد حصوله على الشهادة الإعدادية، التحق بمدرسة الفنون التطبيقية رفقة 25 طفلا وطفلة اختيرت من مختلف المؤسسات الإعدادية، بعد ثلاث سنوات من الدراسة حاز على دبلوم الفنون التطبيقية، واتجه إلى مدرسة الفنون المعمارية بمارسيليا.
ترك الصباغة والرسم ومارس في مجال الخزف، حيث حصل على دبلوم في الخزف سنة 1973، بعد تكوين دام ثلاث سنوات بعدها واصل عمله بمدينة باريز، ثم انتقل إلى مدينة إكسون بروفونس، كسب تجربة تطبيقية كبيرة، لكنه قرر أخذ دروس نظرية إضافية، فالتحق بكلية العلوم الانسانية بنفس المدينة، وبدأ مسيرة البحث عن سؤال اختاره موضوع لأبحاثه ( من أين جئت).
بحث في المغرب عن جذور أصله كمغربي، فأثار انتباهه عند تنقيبه في تاريخ وثرات المغرب (الوشام)، عمل بحث في موضوع الوشام بنواحي سوس والريف وزيان
كان له احتكاك كبير بالعديد من الاساتذة الباحثين، نصحه بعضهم بالتوجه إلى دول أميركا اللاتينية لإتمام البحث، فاضطرر إلى العمل اليومي بفرنسا لجمع المال الكافي والسفر إلى دولة بيرو، زار صحراء ناصكا التي تحوي تاريخ الهنود الحمر والآنكا منقوش على الصخر، كان في زيارة لها لمدة شهر فإذا به يلهم بها ومكت لمدة سنتين.
عاد ينجز أول عمل في هذا المجال، بدأ يخرج أعماله التي كان يخبئها دائما، ولم يكن يؤمن بمدى أهميتها، بحكم عيشه بأوروبا التي كات تعطي أهمية للفنانين من أبنائها، وكان كمغربي يعمل على الآثار المغربية وتاريخها لا علاقة لها بأوروبا، ولا يمكن أن يحظى بالاهتمام نفسه حسب ظنه.
لكن أول عرض له كان بمقرلعمال المهاجرين بمرسيليا بفرنسا كان سنة 1976، قام بصباغة المكان وعرض لوحاته، وبدأ ينتظر كل يوم تردد الزوار الذين كانوا في معظمهم مغاربة، وفوجئ في أحد الايام بفرنسي رفقة زوجته يدخلان قاعة العرض، حيث أعجبوا بلوحاته وطلبوا منه عرضها داخل قاعة كبيرة لهم، فعرض فيما بعد 25 لوحة ، بيعت كاملة، وكانت انطلاقته نحو الإبداع العلني.
قال نبيلي : غزوت أوروبا بفني قبل أن يتعرف عليه أبناء بلدي، فاسمي كان معروفا بالعديد من الدول الأوروبية قبل أن ينتشر بالمغرب.
وتابع نبيلي : أتيحت لي الفرصة فيما بعد سنة 1992 لأدرس بمدرسة الفنون الجميلية بإكسون بروفونس التي تكونت فيها، لمدة قصيرة بسبب أول حرب ضد العراق التي أثرت على علاقتي كعربي يدرس الأوروبيين، دخلت في نقاش حاد مع المسؤولين بالإدارة المدرسية اضطررت بعدها إلى الانسحاب من التدريس، وعدت إلى المغرب لأبدأ مسيرتي داخل بلدي.
عرض محمد نبيلي إبداعاته بعدة متاحف وقاعات عروض مغرية ودولية، كمتحف الفنون الجميلة بالمانيا، وقاعة جنوب جنوب بالنمسا و متحف الفنون الجميلة ببلغراد إضافة إلى المئات من القاعات الأخرى الخاصة أو العمومية بعدة دول أوروبية ومغربية.
يهدف نبيلي بأعماله إلى تحسيس الأطفال بالتربية التشكيلية، وقد سبق وعانق في الخفاء أطفال من مدن مختلفة بالجنوب والشمال والشرق والغرب، بدون تشجيع وعرض لوحاته بعدة قاعات وطنية.
في سنة 1992 دخل إلى المغرب، لم يكن معروفا فكان محروما من قاعات العرض، وكان الجواب الذي لقاه كلما دق باب قاعة ما : اسمك غير معروف على الصعيد الوطني
فترك حينها اللوحات والعروض وانكب على العمل مع الأطفال، وجد فيهم جمهورا آخر له، يدر عليه حبا وحنانا، أحس بتجاوبهم، قال نبيلي : الأطفال معروفون بكثرة تحركاتهم وعملهم، وإذا استطعت أن تشد أنظارهم للحظات وتجعلهم يحبون عملا معا ستنعم بمعهم بهدوء.
وأضاف : اشتغلت مع مجموعة من الأطفال في مجال الفن التشكيلي، لم تمر سوى دقائق حتى وجدت نفسي أبا لكل واحد منهم خاطبوني باسمي كأنني طفل مثلهم إن الطفل يرسم قبل أن يكتب، وصلت معهم إلى قمة التجاوب اللاشعوري.
وذكرنبيلي بمقولة الأديب الكبير جبران خليل جبران : الاطفال ليسوا أطفالكم يأتون عن طريقكم تستطيعون أن تملكوا أجسادهم لكن لا تستطيعون امتلاك عقولهم، لأن عقولهم هي سر الغد.
واضاف إن أكبر استثمار يمكن أن ينمي المجتمعات هو الاهتمام بالأطفال
وعن ولعه بمدينة ابن سليمان قال نبيلي : لو لم أزدد بمدينة ابن سليمان لأحببتها كما أحبها منذ طفولتي ومازلت مغرما بها، أتمنى أن يهتم المسؤولون بها، فأنا أحملها في لوحاتي ومعارضي،لابد من خلق مدرسة للفنون الجميلة بها لتوفرها على مناظر طبيعية خلابة ومناخ صحي معتدل.
أهلها وطبيعتها وبيئتها تستحق العناية بها، وجعلها مدينة العلم والرياضة والصحة، وحبي لها يجعلني أضع كل إبداعاتي وتفكيري واموالي رغم ديوني رهن إشارة مدينتي.
انتصر الفن ولو بنقطة نصف من أربعين : يحكي نبيلي عن طريفة له مع أحد أساتذته بالتعليم الإعدادي : وقع لي اصطدام مع أستاذ مادة الرياضيات بالتعليم الإعدادي، وجدت أنه من غير المعقول أن يكون معامل الرياضيات حينها ثلاثة، فيما الرسم غير موجود، مما جعلني أصب جام غضبي على ورقة الامتحان في مادة الرياضيات، حيث رسمت أستاذي على الورقة بدلا من الأجوبة، وبعد جهد جهيد تفهم الاستاذ وضعي وأعطاني نصف نقطة من أربعين، آنذاك فرحت وقلت في نفسي : انتصر الفن ولو بنقطة هزيلة، مددته من بعد بجميع رسوماتي، أعجبته الرسوم واستغرب أن أكون صاحبها، فأخذ بيدي الأستاذ واصطحبني إلى مدير المؤسسة وقال له بأنني لدي مواهب كبيرة ويجب الاعتناء بي، وكانت بداية مسيرتي الفنية.