مزالق العولمة والعلمانية من منظور علم الاجتماع

مركزية مشرقية ونموذج تفسيري اختزالي

الخميس 30 مارس 2006 - 11:38

بين أيدينا كتاب "العولمة والعلمانية من منظور علم الاجتماع" لصاحبه الباحث المصري حسين عبد الحميد أحمد رشوان، والذي يُعَرِّف نفسه في غلاف الكتاب بأنه "كبير مدرسي علم الاجتماع بدرجة مدير عام، أستاذ جامعة الاسكندرية، سابقا".

ونعتقد أن الكتاب يصلح للتدريس في المناهج التدريسية التي تشتغل على عقد مقارنات بين القراءات النماذج التفسيرية المُرَكَّبة والاختزالية للظواهر الاجتماعية، ومنها ظاهرة العولمة ومعها العلمانية كما نقرأ في عنوان المبحث صدر الكتاب عن مركز الاسكندرية للكتاب الطبعة الأولى 2005 245 من الحجم الكبير.

وحتى نكون صرحاء منذ البدء، نشير إلى أننا بصدد التوقف عند قراءة تفسيرية اختزالية للغاية، مع أن موضوع العولمة ومعه منظومة العلمانية لا يحتملان البتة السقوط في مأزق القرارات التفسيرية.

ثمة مأزق آخر يكمن في سيادة نزعة معرفية مشرقية، وتحديدا مصرية، وتتضح جليا في ثنايا خطاب ومراجع الكتاب، وحتى في المقدمة ونقتبس منها فيها بالحرف، أن الكتاب يُعدُّ "إسهاما جوهريا في فهم العلاقات الاجتماعية العالمية" ـ كذا، والكلام لمؤلف وليس لكاتب آخر ـ حيث "تطرق ـ الكاتب ـ إلى مصطلحات العلمانية، والعولمة أو الكونية، أو الكوكبة، وما يتصل بها من إشارات متكررة إلى المتغيرات الدولية، أو العالم المتغير، وركز على هذه المصطلحات التي شاع استخدامها".

"وتبدو أهمية هذا الكتاب في أنه يلقى الضوء على قضايا العلمانية والعولمة، من منظور علم الاجتماع والنظريات الاجتماعية والثقافية" تستهدف هذه الدراسة "إدراك مفاهيم هذه المصطلحات التي تختلف في تعريفها باختلاف المفكرين والحكماء.

كما تستهدف الكشف عن العولمة من جميع جوانبها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وما يبغيه المؤيدون لها من تبعية الدول النامية للدول المتقدمة" لجأ الكاتب إلى سبعة بعد المائة مرجع، ومنها أربع عشرة مجلة عربية، وأربع عشرة جريدة عربية، وثمانية مراجع عربية مترجمة، وستة مراجع أجنبية، إضافة إلى ستين مرجعا عربيا، بيت القصيد، ومعلوم أن الإنتاج العربي (المفهومي والنقدي في التعاطي مع الظاهرة) لا يمكن أن يخرج عن طبيعة الإنتاج المعرفي العربي إجمالا، ويندرج أغلبه ضمن خانة القراءات والنماذج التفسيرية الاختزالية، في حين تقل القراءات التفسيرية المُرَكِّبة.

ونذكر منها على سبيل المثال في ما يتعلق بقراءة ظاهرة العولمة، ما يصدر عن الباحث المغربي يحيى اليحياوي أو ما يحرره الباحث المصري جلال أمين)، لولا أن الكاتب يعتبر في ذات المقدمة بأن ذروة وأهم ما حررته الأقلام العربية في الموضوع (لن تخرج بالطبع عن الأقلام المصرية، دون سواها) نجده في كتاب "العولمة والطريق الثالث" للسيد يسن وكتاب إبراهيم نافع "انفجار سبتمبر بين العولمة والأمركة" وهو كتاب، برأي المؤلف دائما، "تناول أحداثا ووقائع حديثة، وحلل أوضاع ما بعد 11 سبتمبر تحليلا رائعا"، وابراهيم نافع للتذكير، هو رئيس التحرير السابق ليومية "الأهرام"، ونقيب سابق للصحافيين العرب، وناطق إعلامي رسمي باسم المؤسسة الحاكمة في مصر، مُقَلدا بشكل أو بآخر، ما يقوم به توماس فريدمان هناك في المجال التداولي الأميركي مع يومية، نيويورك تايمز والبيت الأبيض.

من مزالق الكتاب أيضا، كونه يعج بشهادات وقراءات الغير، ويكاد يصبح تجميعا لهذه القراءات وأحيانا قراءات في قراءات، فمثلا، نطلع على قراءات لنعوم تشومسكي الأمريكي وعبد الوهاب المسيري المصري حول هذه النقطة أو تلك، دون أن نجد لهما أثرا في مراجع الكتاب، لولا أن الأمر يتعلق بقراءات نقدية لتشومسكي والمسيري جاءت في معرض استشهادات لباحثين استشهد بهما الكاتب، وهكذا دواليك، وفي أحيان كثيرة، ننتقل من رؤية هذا الباحث لوجهة نظر ذلك الكاتب، مع اكتفاء المؤلف بتمرير تعليق أو وجهة نظر عابرة.

فمثلا، يستشهد الكاتب بما حرره الباحث محمد البهي عن العلمانية، من كونها "اعتقاد بأن الدين والشؤون الإكليريكية اللاهوتية والكنيسة، والرهبنة لا ينبغي أن تدخل في أعمال الدولة، وبالأخص في التعليم العام.

ومن ثم يكون الهدف من التحول إلى العلمانية هو التخلص من الرهبنة والعهد الرهبني"، ليستشهد مباشرة بالذي حرره المسيري ـ من أن الرهبنة هي فصل للدين عن الدولة هو تعريف قاصر وساذج، لأنه يحصر العولمة في إطار ما يسمى بالحياة العامة، وفي المجالات السياسية والاقتصادية فحسب، وكأن حياة الناس خاصة وأحلامه وأسلوب حياته تظل بمعزل عن عمليات العلمنة.

لكن المعروف أن مؤسسات الدولة وصناعة الترفيه واللذة في المجتمعات الحديثة قد تغلغلت في حياة الإنسان الخاصة ـ دون أن ندري ما إن كان الأمر يتعلق باستشهاد من إحدى أعمال هذا الأخير، ونحن لا نطلع على أثر لأي عمل لمؤلف "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة" في مراجع الكتاب، أو أن شهادة المسيري اللاحقة جاءت ضمن شهادة محمد البهي السابقة من الأمثلة التي تزكي الحديث عن قراءات تفسيرية اختزالية، حديث الكاتب عن العَلمانية التي تُنسّبُ إلى العالم، "وهي تعني الدنيوية واللادينية، والعلماني عند الغربيين المسيحيين : من يعنى بشؤون الدنيا، نسبة إلى العلم بمعنى العالم، وهو على خلاف الكهنوتي، أي استبعاد الدين والكهنوتية في توجيه شؤون الحياة الدنيا في السياسة والاقتصاد والعلم والأخلاق والتربية، ورفض كل صورة من صور الإيمان أو العبادة الدينية، واعتبارها من الأمور التي لا ينبغي أن تدخل في أعمال الدولة".

وكان من الأولى، ما دام الكتاب يعج بقراءات حول العولمة والعلمانية، أن يستشهد بالذي حررته العديد من الأقلام العربية في هذه الجزئية بالذات، ولسنا في حاجة إلى التوقف عند إبداعات العديد من هذه الأسماء الوازنة في هذا المقام نختتم هذه الملاحظات بالذي حرره المؤلف عن مصطلح العولمة، واصفا إياه بأنه "جديد في طرحه، انتشر في أوائل التسعينات في القرن العشرين في كتابات سياسية واقتصادية" والعولمة "ظاهرة ما زالت غير واضحة المعالم، لا من حيث تحديد المفهوم، ولا من حيث اختبارها على أرض الواقع"
"وعيب على العولمة أنها توجه اهتمامها للجوانب المادية، وذلك على حساب الإشباعات الروحية.

وقد أخل ذلك بالتوازن الإنساني، وعطل قوى الإنسان الخيرة، وساعد على شراسة قواه الشريرة، وليس بمستغرب ارتفاع نسبة الجريمة والعنف والاغتصاب الجنسي في ظل إباحية جنسية، وزيادة معدلات الاكتئاب وزيادة الأمراض النفسية، والرفض الاجتماعي للمجتمع، والذي تمثل في جماعات الهيبز والبتلز وعبدة الشيطان وغيرها كعلامة رفض للمجتمع وأوضاعه الراهنة"، بدون تعليق هذه المرة، اللهم إن كنا نعتبر أن العولمة شرّ مُطلق، أو أن العربي والمسلم غير معني بالتصدي لآفات العولمة وتقويم اعوجاجاتها.




تابعونا على فيسبوك