تتوجه هذه المقالة إلى طرح مجموعة من الأسئلة حول التراث الأثري بالمغرب، ودور الإعلام الوطني في التعريف به، وبالتالي منحه مساحة لمساءلة التاريخ الثقافي والإنصات إلى المعرفة الأركيولوجية من خلال التحريات والتنقيبات الأثرية التي يقوم بها عدد من علماء الآثار
بمعنى آخر، أين هو التراث الأثري و معه البحث الأثري من إعلامنا الوطني؟ وهل لمؤسساتنا الإعلامية، باختلاف وسائلها، تصور واضح لمقاربة هذا التراث؟ وإلى أي حد استطاع إعلامنا المرئي إنتاج صورة احترافية (بالمعنى المهني) عن هذا التراث؟ لماذا هذا الغياب للأركيولوجيا: تراثا ومعرفة في الإعلام المكتوب؟ لماذا لا تساهم الدولة بمؤسساتها المعنية بهذا الموضوع، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج أفلام وثائقية؟.
نتحدث اليوم عن المواطنة، أين هي البرامج الإذاعية والتلفزية والتربوية التي تكرس هذه القيمة، من حيث تاريخ هذا الوطن و ذاكرته وتراثه والوعي بقيمته الرمزية والوجودية؟ مثل هذه الأسئلة، وغيرها، كانت محفزا منهجيا للدخول في الموضوع المطروح ، وهو موضوع، أريد من خلاله فتح حوار مباشر مع أصدقائنا في مجال الإعلام والتواصل، وكذا أصدقائنا الباحثين في قضايا التراث الثقافي وأسئلته.
ولأن عنوان المقالة جاء بصيغة تقابلية بين حقلين مختلفين وبثنائية مفارقاتية، يجعلني ذلك في موقف حرج نوعا ما، ذلك أنني في صلب هذه الثنائية، باعتباري عملت في الصحافة في وقت ما، وعملت في البحث الأركيولوجي في وقت ما أيضا، وكانت المعادلة الصعبة بالنسبة لي وقتئذ : هي كيف يمكن نقل المعرفة الأركيولوجية بمعطياتها العلمية و بلغتها الجافة أحيانا إلى خطاب إعلامي تداولي؟ فقادتني تجربة العمل الصحفي في التراث الأثري وقضاياه إلى نتيجة أساسية: إن حب الوطن، يبدأ بالتعريف بالوطن، والتعريف بالوطن يقتضي معرفة تاريخه، ذاكرته وتراثه، معرفة حقيقية، مبنية على الوقائع والمواقع، لا معرفة الخرافات: من قبيل خرافة أتوا إليه أو خرافة من يستنكرون على هذا البلد عمقه الحضاري والثقافي في الوقت الذي تؤكد فيه الحفريات والاستكشافات الأثرية اليوم أن ظهور الإنسان في هذه الأرض يعود إلى 700 ألف سنة قم ، بل إلى مليون سنة قبل الميلاد.
بل انتظروا نتائج بعض الأبحاث الأركيولوجية القادمة في حقلي علوم ما قبل التاريخ والأنتربولوجيا وهي نتائج مفاجئة، ليس فقط على مستوى التاريخ الثقافي للمغرب وقدمه، بل أيضا على مستوى النظريات العلمية الغربية في هذا المجال.
الأركيولوجيا بالمغرب: التراث والمعرفة
لا أود أن أقف عند تاريخ الاهتمام بالتراث الأثري بالمغرب، لأن ذلك سيدخلنا في إشكاليات منهجية معقدة، ربما المقام هنا لا يسمح بتناولها لكن ما يهمني هنا أساسا هو غنى هذا التراث وتنوعه وانتمائه لثقافات وحضارات متعددة، تداخل فيها المحلي بالخارجي، فبدأت قصة المغرب من فترات ما قبل التاريخ، مرورا بالعصور الفييقية و الرومانية إلى العصور الإسلامية فالدول المحلية.
ومعها تعددت المقاربات والمرجعيات في دراسة المخلفات الأثرية التي تركها الإنسان المغربي، وهي مخلفات عكست سلوكه وثقافته، فشكل ذلك خصوصية ثقافية و إسهاما في الثقافة الإنسانية.
وعلى الرغم من أن المعرفة الأركيولوجية في المغرب، تخطو خطوات بطيئة في تفسير الظاهرة الأثرية، إلا أنها تمكنت، بفعل جهود شباب مغاربة بتعاون مع باحثين أجانب، من إعادة كتابة التاريخ الثقافي للمغرب، ومن ثمة وضع خارطة أركيولوجية وطنية.
مشروعان لهما دلالتهما العلمية والثقافية ، ويفرضان وجود تدبير عقلاني لقطاع الآثار والتراث، وسياسة ثقافية مسؤولة، ومجتمع مدني قادر على الإنخراط في دعم هذا التوجه، وإعلام مساهم في توعية المواطنين للحفاظ على ذاكرتهم وأثارهم.
لكن، لماذا التراث الأثري في الإعلام؟ و هل هذا الأخير معني بتداول المعرفة الأركيولوجية؟ فمن حق أية مؤسسة إعلامية أن تطرح مثل هذه الأسئلة، ومن حق أي مسؤول على القسم الثقافي بجريدة ما أن لا يعنيه مثل هذا الموضوع أساسا، بالنسبة للذين يشتغلون في البحث الأركيولوجي، يحسون بغياب واضح لنتائج أعمالهم الميدانية والنظرية في وسائل الإعلام المختلفة، بل يزداد هذا الحس تأزما عندما لا يتم التعريف بتراثنا الأثري و التاريخي تعريفا موضوعيا بعيدا عن السطحية والتسويق السياحي أو للتوظيف الأيديولوجي.
وبالنسبة للإعلاميين من صحافيين و معدي برامج و مخرجين وغيرهم، هم كذلك يحسون بأن ما يقدمه الأركيولوجيون والأنثروبولوجيون المغاربة من أبحاث، ليس مجالها في هذه الوسائل الإعلامية، بل في مجلات و دوريات علمية متخصصة، قد يبدو كلا الموقفين صائبا في حدود ما، لكن لربط هذا بذاك، سأذكر مجموعة من الإعتبارات دون تفصيل.
ـ أولا : التراث الأثري و المعرفة الأركيولوجية: أمران ضروريان لكشف واكتشاف العمق الحضاري و الثقافي لبلادنا، بمعنى آخر، إنهما: تاريخ للثقافة المغربية وكتابة لهذا التاريخ، ـ ثانيا: تزايد النشاط الأركيولوجي بالمغرب، خلال العشر سنوات الأخيرة، وبات يشمل مختلف العصور والثقافات التي سادت المغرب، وبمناهج علمية متطورة، وبتصور وطني واضح.
ـ ثالثا: حماية التراث الأثري والمحافظة عليه: مسؤولية وطنية ودولية: قانونا وروحا ومواطنة، ـ رابعا : أصبح التراث الأثري آلية من آليات التنمية المستدامة، ورهانا أساسيا للسياحة الثقافية، ـ خامسا: يتعرض التراث الأثري والصخري في الآونة الأخيرة للنهب والتخريب والتهريب، ـ سادسا: خطورة المد العمراني و تصاميم التهيئة ومشاريع الطرق السيارة على المواقع الأثرية، ـ سابعا : يحتل التراث الأثري قيمة رمزية في الانتماء للوطن، وإغناء للشخصية المغربية.
أعتقد، وانطلاقا من هذه الاعتبارات، أن الإعلام لن يكون بعيدا عن الأركيولوجيا تراثا ومعرفة، صحيح أن إعلامنا الرسمي والحزبي والمستقل له أولويات على الصعيد الثقافي وسياسة تحريرية معينة، وصحيح أن وكالة المغرب العربي للأنباء تلتقط أخبارا عن المكتشفات الأثرية ببلادنا.
كما أن للتلفزيون والإذاعة برامج خاصة بالتراث الثقافي، إضافة إلى جهود بعض مراسلي الجرائد الوطنية المنتشرين في جهات المغرب في إثارة الاهتمام بالتراث الأثري المحلي والجهوي.
ورغم ذلك، يبقى السؤال المطروح، كيف يقدم هذا الإعلام التراث الأثري؟ الإعلام المكتوب: الملاحظ، (على الأقل من التسعينات إلى اليوم) أن ما نشر حول التراث الأركيولوجي بالمغرب من مقالات وتغطيات لندوات ولأيام دراسية وحوارات وتحقيقات في الجرائد الوطنية، يمثل في حقيقة الأمر إشكالية مزدوجة : من جهة أولى، لقلة هذا التراكم، ومن جهة أخرى، في كيفية تناول هذا الإعلام للتراث الأثري.
هكذا يحضر التراث الأثري في الإعلام المكتوب لملء الصفحات خلال شهر رمضان، أو كدعوات لإنقاذ بعض المعالم المهددة بالانهيار، أو كأخبار متفرقة عن بعض الاكتشافات الأثرية، أو يتم ذكر معالم أثرية وتاريخية ضمن ملاحق خاصة بالجهات.
ويغيب هذا التراث كليا في الملاحق الثقافية لبعض الجرائد، وهي ملاحق أدبية أكثر منها ثقافية (بالمعنى الأنتربولوجي الواسع للثقافة) إضافة إلى هذا الغياب، هناك غيابا آخر على مستوى المجلات و الدوريات والنشرات المتخصصة بالتراث الأركيولوجي وقضاياه، بحيث لا يتوفر المغرب على مجلة متخصصة في هذا المجال، باستثناء النشرة الأركيولوجية المغربية التي يصدرها المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، و هي نشرة أكاديمية ضيقة التوزيع، وغير متوفرة في الأسواق ويكفي المقارنة هنا بيننا وبين باقي الدول العربية في مجال نشر المعرفة الأركيولوجية.
الإعلام المرئي:
خلال السنوات العشر الأخيرة، تزايد الإهتمام بالبرامج الوثائقية الخاصة بالتراث الثقافي، حيث عملت القناتان (الأولى والثانية) على برمجة سلسلة حلقات خاصة بالتراث، عين على التراث، أمودو، نماذج، Arts et lettres إلخ وهي برامج يعدها مهتمون بالتراث أو قريبين من قضاياه أو إعلاميين مثقفين ، ويخرجها مخرجون ينتمون إلى المؤسستين أو القطاع الخاص.
وبالقدر الذي تظل فيه هذه البرامج أمينة للمعطيات التاريخية المعروفة في المراجع التاريخية و الإثنوغرافية، بالقدر ذاته الذي تفتقد فيه إلى صورة احترافية عالية الجودة، تتداخل فيه كل مكونات و عناصر الصورة إضاءة، ديكور، صوت، موسيقى، تشخيص، تنشيط، وتتكامل فيه أيضا عناصر إنتاج الصورة النص، الإخراج.
إن ما تقدمه بعض البرامج في هذا الإطار، تنقصه المقاربة الاثنوغرافية للآثار، بمعنى ربط التراث الأثري المنتمي إلى زمانه بالحاضر وكما يقول أحد الأركيولوجيين Yellen: "إن دراسة الماضي ليست ترفا، يقصد به الماضي لذاته، بل إنها وعلى النقيض من ذلك أمر حيوي من أجل الحاضر".
كما أن البرامج المخصصة للأطفال والتي تتناول تاريخ المغرب، تفتقد إلى عناصر التشويق والتأثير القوي، وبالتالي لا يتحقق عنصري الوعي بالتراث وحب الوطن وننتظر أن تلعب القناة الرابعة هذا الدور بحرفية وبيداغوجية ومسؤولية.
الإعلام السمعي:
ربما يكاد يكون الإعلام السمعي أنشط الوسائل الإعلامية الأخرى في تناول التراث الثقافي ومتابعة قضاياه ونشر الوعي بأهميته.
والسبب يعود إلى الإذاعات الجهوية التي تحاول التعريف بكل المعطيات التاريخية والجغرافية والثقافية والاقتصادية والإجتماعية لكل جهة من جهات المغرب إضافة إلى الإذاعة المركزية بلغاتها المختلفة العربية، الأمازيغية، الفرنسية، الإسبانية، الإنجليزية التي تتابع أي حدث وطني له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالتراث الثقافي الوطني.
وفي انعدام وجود برنامج إذاعي خاص بالتراث الأثري يظل دور الإذاعة مهما في توعية المواطنين بالحفاظ على تراثهم المعماري والطبيعي والتاريخي والأثري إن حضور التراث الأثري هنا أو غيابه هناك، لا يعني بالضرورة التواصلية، قصورا في الإعلام ذاته، بل هي مسؤولية مزدوجة تشكل المؤسسات المعنية من قريب أو بعيد طرفا أساسيا، فوزارة الثقافة التي تضم معهدا وطنيا لعلوم الآثار والتراث، لها مهام التكوين والبحث والنشر، ومديرية للتراث الثقافي، مسؤولة عن تدبير وتسيير قطاع الآثار والمتاحف، ومندوبيات إقليمية وجهوية من مهامها الأساسية توثيق التراث الثقافي المحلي أو الجهوي و المحافظة على المعالم التاريخية والأثرية بهذه الجهة أو تلك، ثم أخيرا مركزا لجرد وتوثيق التراث الثقافي.
مع كل هذه المؤسسات، ومع مداخيل المتاحف والمعالم التاريخية والأثرية، لا يمكن لوزارة الثقافة أن تنتج أفلاما وثائقية تتوفر فيها شروط احترافية عالية، كما أنها ـ أي وزارة الثقافة ـ لا تتوفر على منتوج تراثي ثقافي تواصلي أقراص مدمجة، أشرطة فيديو، صور
يتم تسويقها وتداولها.
وزارة الاتصال نفسها، لا تساهم في إنتاج أفلام وثائقية عن التراث المغربي ، والمركز السينمائي المغربي، هو الآخر، يغيب الوثائقي الخاص بالتراث الثقافي في استراتيجيته، لدعم السينما الوطنية، أين هو دور الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري؟ أما وزارة السياحة، لا يهمها إلا استغلال هذا التراث لأهداف ترويجية وتسويقية، ناهيك عن الجماعات المحلية التي لا تتوفر على قسم خاص بالتراث، وليس من أولوياتها العناية به، أو توظيفه للتنمية المحلية والجهوية؟ لا أريد أن أضع الإعلام في موقع يتحمل فيه أخطاءنا جميعا، بل بالعكس من ذلك، تقديرا للدور الكبير الذي تضطلع به وسائط الإعلام والاتصال في عدم تنميط السلوك واحترام التنوع الثقافي الذي يغني وحدتنا الوطنية، ويمنحنا شخصيتنا المتميزة عن الآخرين.
وعندما نطالب الإعلام بالانتباه إلى تراثنا، فلأهميته على مستوى التحسيس والوعي العام بهذا التراث، ولقدرته على إنتاج صورة جميلة : شكلا ومضمونا عن هذا التراث
وأيضا لمشاركة المهتمين بالآثار أسئلتهم ونتائج أعمالهم، باعتبارها تهم تاريخ المغرب ومسار تطوره البشري والحضاري.
هذه بعض الإشارات والملاحظات والأسئلة أردت أن أثيرها، في انتظار: أن نتوفر على قنوات تلفزية تيماتية Des chaînes thématiques تعنى بذاكرة المغرب، بتاريخه، بتراثه، بناسه، وأن نتوفر أيضا على مجلات خاصة بالتراث لجمهور الناس.
وأن نملك منابر إعلامية لمناقشة هذا التراث والتأمل فيه، وأن تطور الجمعيات المهتمة من آلياتها، وأن يأخذ القطاع الخاص على عاتقه الاستثمار في هذا القطاع بروح مسؤولة و مواطنة، وأن تلعب الجماعات المحلية دورها في المحافظة على هذا التراث وصيانته
أظن بعد كل هذه التمنيات، أن حب الوطن يبدأ بالتعريف بالوطن، والتعريف بالوطن هو معرفة ذاكرته الحقيقية، البعيدة والقريبة على حد سواء فأرجو أن نمنح حيزا للآثاريين لقول ما لم تقله الكتب والأيديولوجيات والخرافات.