خلفيات الصراع الفرنسي الأميركي حول الشرق الأوسط

صدام قِيَم ومواقف حول سياسات المحافظين الجدد

السبت 25 مارس 2006 - 13:31

"أبعاد الصراع الفرنسي الأميركي حول المغرب والشرق الأوسط وإفريقيا" هو أحدث مؤلفات الكاتب حسن مصدق وصدر ضمن دفاتر "وجهة نظر"، الطبعة الأولى 2005
208 صفحة من الحجم الصغير.

تفرعت فصول الكتاب على خمسة عناوين: "تاريخ العلاقات الفرنسية الأميركية : شد وجذب دائمين عبر التاريخ"، "الصراع الفرنسي ـ الأميركي في حوض البحر الأبيض المتوسط"، "الصراع على إفريقيا"، "العالم العربي والإسلامي في ميزان معاهد ومراصد ومراكز أبحاث العلاقات الدولية في الولايات المتحدة الأميركية"، "دول جنوب شرق آسيا بين مخالب النشر الأميركي وقبضة الدب الروسي".

سوف نتوقف عند ثلاثة محاور من الكتاب، يتعلق الأول بخلفيات وتبعات الخلاف الأوروبي الأميركي حول الحرب على العراق، ثم وقفة مع الخلافات الجذرية اتجاه القضايا العربية إجمالا، قبل أن نختتم العرض بإطلالة على دور مؤسسات "خزانات الأفكار".

العراق وفك الارتباط الفرنسي الأميركي
برأي الكاتب، فقد كان العراق الشعرة التي قصمت "ظهر" الوفاق بين فرنسا والولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط فقد كانت المعارضة الفرنسية واضحة بالنسبة للتدخل الأميركي في العراق، وكان لها الأثر الكبير في التأثير على جارتها ألمانيا الفيدرالية عندما اختار المستشار الألماني في الانتخابات التشريعية لعام 2002 رفض هذا التدخل علانية وبشجاعة.

ثم ما لبث أن انعكست آثار ذلك على بلد كتركيا، والتي رفضت رسميا في فاتح مارس 2003 السماح لقوات المارينز مهاجمة العراق انطلاقا من أراضيها، على الرغم من الوعود المغرية التي تعرضت لها.

ما يهمنا أكثر، الإشارة إلى التداعيات الظرفية والآثار المستقبلية على العلاقات الأطلسية بعد احتلال العراق، وتجلى ذلك مثلا من عبر بروز نزعة مضادة للأمركة في فرنسا بين المثقفين كيفما كانت اتجاهاتهم يمينية أو يسارية، قبل انتقال العدوى إلى أوساط العامة من الشعب الفرنسي، أثار في حينه رد فعل أميركي متعنت وقوبل من طرفه بقذف وشتم في الصحافة الأميركية.

ويمكن فهم أسباب هذا التقزز الفرنسي من خلال وصول صقور "المحافظين الجدد" إلى السلطة وسيطرتهم على بعض المنابر الإعلامية وتبنيهم لسياسات واستراتيجيات مغلفة بمفاهيم دينية مسيحية متطرفة، لا تجد في فرنسا العلمانية إلا الرفض لها

كما أن تصريح الرئيس بوش في بوخارست (نوفمبر 2002) للشعب الروماني بأنه "يعرف الفرق بين الخير والشر" و"يفهم أن الحكام الدكتاتوريين لا يجب تهدئتهم أو السكوت عنهم بل مواجهتهم بقبضة من حديد" حمل في طياته نقدا مبطنا للأوروبيين بعامة والفرنسيين بخاصة لإنجرارهم دائما نحو التهدئة ولو مع النظم المستبدة.

كل ذلك أثار عند الأميركيين حنقا شديدا على الفرنسيين، وصل إلى نعتهم بالخيانة ونكران الجميل في إحالة إلى تخليص فرنسا من النازية، رد عليه الفرنسيون بأن الأميركيون نسوا الدعم الفرنسي لتحريرهم من قبضة التاج البريطاني.

استشهد الكاتب، برصد للمحلل السياسي الأميركي روبرت كاغان لطبيعة التطورات اللاحقة التي ستصيب العلاقات ما بين ضفتي الأطلسي، مؤكدا على أن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت تطبق بالأساس ما درجت عليه أوروبا قديما في سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية، بحيث تدل عناصرها الاستراتيجية على ثلاث نقاط : أولها، أسبقية السيادة الوطنية على السيادة الدولية.

ثانيا، سياسة واقعية تتماشى مع المصالح الوطنية ثم أخيرا كثرة اللجوء إلى خيار القوة العسكرية، وتلك هي معالم استراتيجية القبضة الحديدية، أو سلطة القوة التي تتناقض مع ما يسميه أستاذ وعميد العلوم السياسية بجامعة هارفارد جوزيف ناي بـ "سلطة ناعمة محببة" كما اصطلح عليها، وليس "سلطة لطيفة" كما ترجمها المؤلف ص 41 تدفع الآخرين أن يلبوا الطلبات بمحض إرادتهم.

وهو حال مشروع الحلم الأميركي في السابق الذي كان قد اقترن بالحرية ونجدة المقهور واستقبال المهاجرين ودمجهم فيها بكل مساواة.

سمات الصراع الأوروبي الأميركي
نأتي لأهم سمات المُميزة لطبيعة الصراع الفرنسي ـ الأميركي في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث الاختلاف البين في الوسائل والأهداف المسطرة، ونوجزها في النقاط التالية : ـ تقوم الرؤية السياسية التي توجه المنظور الأوروبي على عدم قبول شعار تغيير الأنظمة بالقوة، ونهج طريق الحوار الديبلوماسي (ما وقع مع إيران في تخصيب اليورانيوم) بط المساعدة المالية بتعزيز الحريات العامة ودولة الحق والقانون (بر عقد اتفاقية تجارية وتعاون أو سواء لحمل إيران على احترام آليات وكالة الطاقة الذرية

يبتعد الخطاب الأوروبي على العنهجية والإعلاء من القيم الليبرالية الغربية، أو المطالبة بتغيير الأنظمة التعليمية والتربوية أو حمل الدول العربية على تبني قيمها، وذلك عكس الاستراتيجية التي توجه الولايات المتحدة التي لا تتوانى بالتلويح بالشرط الجزائي العقابي، بحيث لم تتورع عن مطالبة السعودية بتغير بعض مناهجها التعليمية، في حين ربط الاتحاد الأوروبي الإصلاح السياسي بإصلاح أعم يشمل مناحي أخرى لا تقل عنه أهمية كالتحديث الاجتماعي والاقتصادي.

ـ تطالب الدول الأوروبية بتطبيق القانون، وفتح المجال للتعددية السياسية والقيام بإصلاحات تدريجية في ميدان حقوق الإنسان، وهي عكس استراتيجية الولايات المتحدة التي تقوم على التلويح بفرض الديموقراطية بالقوة والتهديد وتغيير الانظمة الشريرة والمارقة أو الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ونستحضر في هذا المقام سمات الخطاب السياسي الإسباني، حيث الانتقال من سياسة "الاجتراء السياسي" والتهديد والنزعة العقابية الصريحة التي كانت لغة حكومة خوسي ماريا أزنار، إلى منظور "الشراكة" القائمة على الانخراط الطوعي والإيجابي للمتعاقدين.

وهو ما يظهر جليا مثلا في سياسة حكومة زاباطيرو الإنسانية نحو المغرب
ـ لا يريد الاتحاد الأوروبي عزل وإقصاء بعض الدول (وريا، إيران) من الاستفادة من بعض المشاريع المقترحة في المنطقة، بل يؤكد على ضرورة إقناعها وفتح الحوار معها، في حين ما فتئت الولايات المتحدة الأميركية تلوح بنهج سياسة القوة والتدخل بدون الرجوع للمنتظم الأممي، أو ما يعرف بـ "الضربات الوقائية".

ولعل أهم ما يميز السياسة الأوروبية في هذه الباب، ما وقع من حذف له دلالته الكبيرة من مشروع الاتحاد الأوروبي المتعلق بالاستراتيجية الأمنية الجديدة، عدم التدخل في تلك الدول تحت ستار "الدفاع عن الديموقراطية" أو الرفض القاطع الفرنسي الألماني في نيس (10 فبراير 2005) بخصوص تسخير قوات حلف "الناتو" في غير ما وضعت له أصلا.

ـ تعمدت بعض الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا وألمانيا تمييز خطابها عن خطاب الولايات المتحدة الأميركية الخاص بالمطالبة بالإصلاح و"التغيير"، أو فرض "قالب ديموقراطي جاهز"، إلى لغة "الشراكة" والإشارة إلى "التجارب التاريخية المشتركة" والتراث الثقافي الواحد "بين شمال إفريقيا الشرق الأوسط من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، مما أثار حفيظة المروجين السياسيين لخطاب "صدام الحضارات" وفرض "الإصلاح من الخارج" والديموقراطية بالقوة، وجعله بالتالي خطابا معزولا لدى الرأي العام الغربي.

ـ اقترحت فرنسا على لسان وزير خارجيتها الأسبق دومينيك دوفيلبان إنشاء رابطة حقوق إنسان يمثل فيها جميع الأطراف بما فيها الدول العربية، كما رفضت الدوائر العليا الفرنسية تطويق الأنظمة العربية عبر أحزاب وجمعيات ومنظمات وشخصيات تقيم في الخارج كما تم بين المخابرات المركزية الأمريكية والمعارضة في الحالة العراقية أو مساندة خطة إقحام منظمات المجتمع المدني لإضعاف سلطة الدولة المركزية، وإنما تراهن على تغيير متدرج في التناوب على السلطة بين النخب المحلية بتشجيع الأنظمة على الانفتاح، بمعنى أن يصبح الإصلاح منوطا باحتياجات دول الشرق الأوسط الموسع وإشراك نخبها بالأساس.

ـ يرفض الأوروبيون تمويل قنوات فضائية بالعربية كنوع من الدعاية المباشرة التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية للتأثير على الرأي العام العربي، كما لا تخلوا تصريحاتهم من التركيز على أخطار التغيير السياسي غير المدروس الذي قد يعرض العالم العربي لهزات كبيرة على نحو ما يقع يوميا في العراق وأفغانستان.

ولذلك نراهم يفضلون أشكالا غير مباشرة تدعم الإصلاح المتدرج، بخاصة التأكيد على حقوق الإنسان أكثر من تأكيدها على الديموقراطية بمفهومها الفضفاض، والتركيز على منع التعذيب وعدم المس بحقوق الأقليات وإلغاء عقوبة الإعدام.

وقفات مع "خزانات الأفكار"
خُصِّص الفصل الرابع من الكتاب لموضوع المعاهد والمراصد ومراكز أبحاث العلاقات الدولية في الولايات المتحدة الأميركية، والتي أصبحت تُجسدُ هاجسا حقيقيا للعديد من صناع القرار السياسي في العالم العربي والإسلامي، وقد أحصى الكاتب ما لا يقل عن أربعة ألف معهد ومرصد في الولايات المتحدة الأميركية.

وعلى الرغم من الصعوبة التي قد تصادف الباحث في التمييز بين ما تقوم به هذه المؤسسات الخبيرة وجماعات الضغط (اللوبيات)، فإنهما يشتركان معا في لعب دور كبير وقوي في إعداد الاستراتيجيات وتوجيه السياسة الخارجية واستشراف المستقبل واستكناه الأخطار أو الصعوبات التي قد تصادف مسيرة الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى تبحث عن تأبيد سيطرتها وتفوقها.

ومما ورد في أحد البرامج التي هي قيد الإنجاز والموجهة لدراسة مستقبل الشعوب العربية والإسلامية (أكتوبر 2004): "لقد أصبح الشرق الأوسط حلبة جهوية جد حساسة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية في السنوات المقبلة، سيتحدد على إثرها مستقبل العراق والحرب ضد الإرهاب ومستقبل الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومستقبل أمن الطاقة الدولية".

لقد أصبحت كل الأحداث والقضايا الساخنة التي يمر بها العالم بعامة والعالم العربي والإسلامي بخاصة، مدار متابعة حصيفة وتخضع للتوصيف الدقيق والتفكيك والتحليل بغية إعداد تقارير وملفات تساعد النخبة السياسية في البيت الأبيض والعواصم الغربية على اتخاذ القرار المناسب وبما يناسب مصالحها القومية والاستراتيجية.

ثمة مقولة شهيرة لكيرك روسيل، أحد كبار منظري تيار "المحافظون الجدد"، توجز بامتياز شعار هذه المؤسسات: "يجب علينا تأمين حماية ذكائنا من العقم والروتين الذي تسلط على العامة، وإعادة تأهيل العقل والوعي الغربي في عالم يتجه منذ أمد طويل نحو ارتكاب أكبر الفظائع، وإعطاء معنى جديد لمجتمعاتنا الصناعية".

وفي إيجاز شديد، استعرض الكاتب أهم هذه المؤسسات وما تقوم به من دور وتبيان اختصاصها وميولاتها السياسية، من منطلق أن فهم ما يجري في كواليس البيت الأبيض، يقتضي فهم المنطق الذي يمدها بالملفات والتقارير والبحوث التي توجه سياساته ويتحكم بها.

فاستراتيجيات التدخل عسكريا في العالم العربي (الحرب على أفغانستان والعراق) كانت موجودة في رفوف هذه المراكز قبل الرئيس كلينتون، وليس هناك من يستطيع اليوم إنكار وجود ملفات وتقارير تبحث إعادة هيكلة العالم العربي جغرافيا واستراتيجيا، أو تُسَطِّر لكيفية إضعاف والضغط على سوريا وإيران والسعودية والسودان وتأييد حالة الصراع بين الجزائر والمغرب وتحييد ليبيا.




تابعونا على فيسبوك