غاستون باشلار لسعيد بوخليط

الفيلسوف الأكثر شعرا، والشاعر الأكثر فلسفة

السبت 25 مارس 2006 - 13:27

عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط، وبدعم من وزارة الثقافة، صدر للباحث سعيد بوخليط العدد الثاني من سلسلة "باشلار" تحت عنوان: "غاستون باشلار: نحو أفق للحلم" بعد العدد الأول من السلسلة نفسها الذي جاء يحمل عنوان "غاستون باشلار: عقلانية حالمة" (2002)


جاء العمل الحالي في 136 صفحة من القطع المتوسط وضعت تقديما للكتاب "تيريزا كاستيلاو ـ لاولس" باحثة أميركية من أصل برتغالي أستاذة فلسفة العلوم وتاريخ العلم والابستمولوجيا والإتيقا والعلم والدين بجامعة "ميشيغان" التي أشارت في مقدمة الكتاب إلى أعمال غاستون باشلار 1884 ـ 1962، تنقسم إلى جزءين متميزين: قسم، يظهر تأملاته الابستمولوجية حول تطور الفكر العلمي المعاصر، والعوائق التي يواجهها حينما تنتقل مقولات الحس المشترك الى مقولات لهذا العلم.

والجزء الثاني، من مشروع باشلار كرسه بشكل حصري تقريبا لتجليات الأدب والفن، والتي تمليها طاقة العناصر الكونية الأربعة : النار والماء والأرض والهواء، على الخيال المبدع للذات الحالمة ـ وأشارت إلى تلقي مؤلفات ومقالات الفيلسوف الفرنسي باشلار خارج فرنسا، ظل دائما انتقائيا، في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثل، يجهل فلاسفة العلم بالمرة عمله الابستمولوجي مع استثناءات قليلة، والأكاديميون الذين يعرفونه هم بالأحرى مختصون في سوسيولوجيا العلم: في حين يتم تداول نقده الأدبي بشكل مألوف عند الباحثين في الفن، لكنهم على النقيض يجهلون الباشلارية العلمية.

أما في بلده فرنسا فقد اهتم الباحثون بكتاباته حول العناصر، أما الإيطاليون فقد اتجه انتباههم إلى فلسفة باشلار في العلوم، وهو ما عبرت عنه مقدمة الكتاب بكون هذه الرؤيا المعرفية أحادية الجانب، جزئية وغير مكتملة وتجاوزا لهذه الجزئية قام الباحث سعيد بوخليط في عمله الجديد هذا باختيار مقالات حول باشلار ترصد مجموعة من المعطيات البيوغرافية حول غاستون باشلار، وبالتالي يمكن القارئ من تمثل الحقبة المهنية والشخصية لهذا الرجل الفذ وتضيف ان قيمة اختيار الباحث بوخليط للنصوص التي ترجمها في عمله الحالي تدخل في إطار مشروعه المتمثل في وضع جمهور وكذا أكاديميي اللغة العربية ضمن سياق مختلف المنظورات الباشلارية مع تركيز خاص على الجزء الشعري بناء على تأملات مفكرين ينتمون لثقافات وجنسيات مختلفة (عرب وأوروبيون وأميركيون).

قسم الباحث عمله إلى ثلاثة أقسام:
ـ ترجمات ـ قراءات ـ متابعات خصص القسم الأول لترجمة نصوص كتبت حول علاقة غاستون باشلار بالشعر والشعراء ففي مقالة "لويس غيوم" يقول فيها إن غاستون باشلار يمكن تسميته : "أكثر الشعراء فلسفة، والفيلسوف الأكثر شاعرية" ويضيف أنه مع غاستون باشلار، حازت القصيدة على المجد، لأنه يعتقد بالدور الأساسي للشاعر في العالم المعاصر، وان باشلار لم يكن فقط صديقا حميما للشعراء، ولكنه هو نفسه شاعر كبير، وفي مقالة "جان ليبيس: "الفيلسوف والشاعر" حاول فيها باشلار ان يشرك القارئ معه في بعض مقاطع الرسائل التي تبادلها مع "غيوم" وهي بالمناسبة وثيقة ثمينة جدا ـ كما تقول مقدمة الكتاب ـ تظهر بشكل واضح كآبة باشلار الطاعن في السن، وهو يسترجع مسيرته الفلسفية الطويلة، هكذا يعترف باشلار للشاعر، بأن قراءة القصيدة وحلم اليقظة الذي توحي به، هو ما يشكل حقا أكبر مباهج حياته الروحية ـ وفي المقالة الثالثة في قسم الترجمات، وهي للباحث "مارسيل شتيل" فإنها تتمم وبشكل منطقي، الشهادتين السابقتين من خلال توظيف باشلار لمجموعة من صور الشعراء وخاصة تلك التي جاءت بها قصيدة "غيوم" وفي مقالة: "باشلار والعرب" للباحث عمور الشارني، قربتنا من الحضور المحدود لكن العميق لكتابات باشلار في العالم العربي، فهناك على سبيل المثال، باشلار الثانويات ثم تدريس باشلار أو البحث في باشلار داخل الجامعات، وكذا باشلار الجمهور ارتباطا بتعريبه وإشعاعه خارج المدرسة، وهي مقالة تقول عنها "تيريزا كاستيلاو ـ لاولس مقدمة الكتاب : إن هذه المقالة، تشكل مرآة لتناول باشلار في العالم بأكمله
ويظهر من كل هذا أن باشلار كان لايتردد في توظيف نصوص الشعراء والاستشهاد بأنسقتهم، وكان صديقا كبيرا لهم وقارئا جيدا ومدمنا لمتونهم.

القسم الثاني خصصه الباحث لقراءات نقدية لكتاب: "التحليل النفسي للنار" مظهرا لنا بأن هذا العمل يمثل رغبة باشلار في تأويل وثائق ماضي العلم بمناهج يقدمها التحليل للاوعي، كما أعاد قراءة كتاب: "غاستون باشلار: عقلاني رومانسي"، الذي يمثل بالتأكيد مدخلا لحياة وأعمال غاستون باشلار.

وإجمالا فإن هذا الفصل بشكل خاص، هو الإدراك المستخلص من أعمال باشلار حول الخيال المبدع وتحليله النفسي للإبداع الادبي، ولما اصطلح عليه "ليبيس" بـ "سعادة نادرة في الكتابة" بالخصوص تلك التي ارتبطت بكتاباته الشعرية التي تتوافق مع "حرية الخيال".

وأورد الباحث سعيد بوخليط القسم الثالث والأخير لفكر باشلار، على شكل حوار أجراه مع مقدمة الكتاب: "تيريزا كاستيلار ـ لاولس" بخصوص مستويات حضور العمل الابستمولوجي لباشلار بأميركا الشمالية، انطلاقا من المجهود الذي تبذله في هذا الاطار حتى يشع هذا الفكر اكثر بأوروبا وخاصة في النمسا وإيطاليا وكذا أميركا الجنوبية (البرازيل) والتي تقول عنه : "لا أعرف أشخاصا يعتقدون بأن فلسفة غاستون باشلار قد شاخت، ما أعرفه هو ان كثيرا من الأشخاص لايعرفون عمله".

وحول مشاريعها المستقبلية حول باشلار، فهي تطمح مستقبلا الى ترجمة (المادية العقلانية) ثم إنجاز عمل عميق تقارن فيه بين باشلار وكارل بوبر في هذا العمل الحالي والثاني في سلسلة باشلار يسعى الباحث الدكتور سعيد بوخليط إلى مواصلة المسار نفسه، الذي بدأه في الجزء الأول من هذه السلسلة، لكن باستراتيجية أخرى مرتبطة أساسا بطموح شخصي كبير في تطوير عمليات القراءة والكتابة والتفكير والإبداع، لهذا اختار كعنوان لهذه المحطة الجديدة من باشلاريات، صيغة تعبيرية تنهض على رغبة في التجاوز ومعانقة اللانهائي، وبلغة تراهن على السريان، ذلك أن المكونات الثلاث: "نحو" و"أفق" و"للحلم" تخلق بقوة مدارات اللامكان وبالتالي غياب كلي لأي بعد يمكن ان يحيل بشكل أو بآخر على الإرساء والتمركز، قيمة جمالية وأخلاقية تنبعث من جوهر فكر باشلار
مؤلف الكتاب سعيد بوخليط عضو اتحاد كتاب المغرب، وجمعية أصدقاء غاستون باشلار )ديجون(وجمعية أصدقاء الشاعر لوي غيوم باريس له عدة مقالات في مجموعة من المنابر الفكرية والإعلامية.

صدر له في إطار سلسلة باشلاريات: غاستون باشلار : عقلانية حالمة في انتظار أن يصدر له: الخطاب النقدي عند غاستون باشلار وشعرية العناصر الأربعة.




تابعونا على فيسبوك