احتفل رياض دار الشريفة بحي المواسين بالمدينة العتيقة لمراكش، نهاية الأسبوع الماضي، بالتجربة الإبداعية للشاعرة والفنانة الإيطالية آنا ماريا غالو المقيمة في لندن، خلال لقاء ثقافي وشعري التقت فيه القصيدة بذاكرة المكان، لتقديم وتوقيع ديوانها الشعري الجديد "أصوات المدينة"، بحضور عدد من المثقفين والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي والفني.
وجمع هذا اللقاء، الذي زاوج بين الشعر والفنون البصرية والموسيقى، الشاعر والإعلامي والناقد مصطفى غلمان، والشاعر والناقد بوجمعة العوفي، فيما تولى الفنان التشكيلي محمد نجاحي تنسيق فقراته، بمرافقة موسيقية للفنان عزيز أبلا.
وشكل هذا اللقاء الثقافي، فرصة للتعرف عن قرب على العمل وصاحبته، من خلال قراءة عدد من القصائد، ومناسبة للاطلاع على الاعمال التشكيلية للفنان محمد نجاحي أحد رواد الحركة التشكيلية بمدينة مراكش التي ازداد بها وتشبع من موروثها الثقافي وفضاءاتها التاريخية، إلى جانب تنظيم لقاء مفتوح للحوار حول ظروف ولادة هذا الديوان ومراحل تشكله وبنائه.
وتتحول القصيدة، في ديوان "أصوات المدينة"، إلى فضاء حميمي تستكشف فيه الشاعرة الايطالية موضوعات إنسانية كونية، من قبيل الصداقة والحب والذاكرة، كما تستحضر رحلاتها عبر المناطق والقرى الأمازيغية، فضلا عن واحات الصحراء الكبرى.
ومن خلال لغة بسيطة وعميقة ومكثفة وموحية، تمنح الشاعرة آنا ماريا غالو صوتا لمشاعر شخصية وإنسانية مشتركة، وتحول تجاربها وأحاسيسها إلى أبيات شعرية قادرة على ملامسة القارئ مباشرة.
وغالبا ما تولد القصيدة لديها من الحاجة إلى أن تمنح اسما لما تشعر به، حين لا نتمكن دائما من التعبير عنه بالكلمات التي نستخدمها في حياتنا اليومية.
وحسب عدد من المتدخلين في هذا اللقاء الثقافي، فإن ما يمنح هذا الديوان فرادته لا يكمن في القصائد وحدها، بل أيضا في الحوار العميق الذي يقيمه مع الأعمال التشكيلية للفنان محمد نجاحي، مبرزين أن الديوان الشعري لا يجمع بين الشعر والرسم على نحو اعتباطي،
بل يؤسس لما يمكن تسميته ب"النص المركب"، حيث تتجاور الكلمة واللون، ويتحول كل منهما إلى امتداد للآخر.
وأشاروا إلى أن لوحات نجاحي لا تشرح القصائد، كما أن القصائد لا تصف اللوحات، وإنما يدخل الطرفان في علاقة تفاعلية، يضيء فيها كل خطاب ما يعجز الخطاب الآخر عن قوله، مؤكدين أن اللغة عندما تصمت، يتكلم اللون، وحين يتوارى اللون خلف التجريد، تستعيده القصيدة بالكلمات.
ويدعو هذا الديوان الشعري الجديد للفنانة الايطالية غالو، القارئ إلى الانغماس في رحلة حافلة بالمشاعر والذكريات والصور والتأملات في الوجود والبحث عن الذات، في قلب الأزقة الشعبية للمدينة العتيقة والساحرة لمراكش.
ويأتي هذا العمل في شكل يوميات شعرية غنية بذكريات اللقاءات والتجارب، ورحلة حسية تعبق بروائح التوابل وعطور الأراضي البعيدة، بدأت في المغرب سنة 1994، عندما حلت الشاعرة، وهي سائحة شابة، بأرض كانت مجهولة بالنسبة إليها، قبل أن تقع، مع مرور الوقت، في حب مراكش والمغرب العميق.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو مستكشفة حقيقية لثقافته الأصيلة والعريقة، ولإنسانية المغرب وكرم ضيافته وروح ثقافته القائمة على تقاسم الحياة والخبرات، لتظل الرحلة متواصلة على مدى 32 عاما.
وتأتي استضافة الشاعرة الايطالية غالو في مراكش امتدادا لتجربة إبداعية عابرة للتخصصات، تجعل من الشعر مدخلا إلى استكشاف الذاكرة والهوية والروابط الإنسانية، عبر تفاعل النص مع الصوت والتصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية، حيث قدمت أعمالها في مهرجانات أدبية ومعارض فنية ومؤسسات ثقافية في أوروبا وخارجها.